الأسبوع المنصرم (تقريباً من 26 فبراير إلى 4 مارس 2026) بدا وكأنه “أسبوع قياس الضغط” لملف الهجرة المغربية والعربية في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة: أخبار إنقاذ في البحر، وأرقام وفيات قاسية، وتشريعات تُضيّق مسالك اللجوء، وقضاءٌ يضع فرامل أمام قرارات ترحيل متعجلة. والنتيجة صورة واحدة بوجوه متعددة: مهاجرون يبحثون عن أمانٍ وفرصة، ودولٌ تبحث عن “سيطرة” وتهدئة رهاب داخلي اسمه الهجرة.
في أوروبا، عاد البحر المتوسط إلى واجهة الأخبار لا بصفته جسراً للحلم، بل بوصفه امتحاناً لضمير القارة. منظمة الهجرة الدولية تحدثت عن قرابة 8 آلاف وفاة أو فقدان على طرق الهجرة خلال 2025، مع تنبيه مهم: الانخفاض مقارنة بعام 2024 قد لا يعني تحسناً في السلامة، بقدر ما يعني تراجعاً في الرصد والتمويل والقدرة على التوثيق. كما أشارت إلى أن الطريق البحري ظل الأكثر فتكاً، مع أرقام ثقيلة في المتوسط وطريق الأطلسي نحو جزر الكناري، وأن بداية 2026 نفسها سجّلت مئات الوفيات في المتوسط بحلول أواخر فبراير.
وعلى “الخط الغربي” الأقرب للمغرب العربي، ظهرت جغرافيا جديدة متسارعة: طريق الجزائر نحو جزر الباليار الإسبانية. في خبر لافت، أُنقِذ 41 مهاجراً قبالة الباليار، وانتهى بحثٌ عن قوارب فُقد الاتصال بها بعدما حذّرت جمعيات حقوقية من وجود عشرات بينهم نساء ورضّع. هذا المسار يُوصَف بأنه من أسرع الطرق نمواً إلى الاتحاد الأوروبي، ويُستعمل اليوم بكثافة أكبر مع تبدّل خرائط التهريب وتشديد نقاط أخرى.
غير أن البحر ليس وحده “بوابة الألم”. على اليابسة، يتقدّم منطق “التشدد المنظّم”: البرلمان الأوروبي صوّت في فبراير لصالح توسيع فكرة “البلد الثالث الآمن”، بما يفتح الباب أكثر أمام إرسال طالبي اللجوء إلى دول خارج الاتحاد لمعالجة ملفاتهم أو ترحيلهم إليها، وهو خيار حذّرت منه منظمات حقوقية باعتباره تقويضاً عملياً لحق اللجوء. ومع أن هذا التطور ليس خبراً حصرياً للأسبوع الأخير، فإن أثره يتراكم الآن في نقاشات الإعلام الأوروبي: مزيد من الردع، ومزيد من الاعتماد على صفقات “ضبط الهجرة” مع دول الجوار، ومزيد من الأسئلة حول من يدفع الكلفة الإنسانية.
وفي خلفية الأخبار العاجلة، هناك واقع الجاليات المغربية في أوروبا: إقامات، شغل، اندماج، وبيروقراطية لا تهدأ. مجلس الجالية المغربية بالخارج أشار في نشرته إلى أن المغاربة تصدروا قائمة الأجانب الحاصلين على تصاريح إقامة جديدة في الاتحاد الأوروبي بأرقام كبيرة (عشرات الآلاف) مع تغيرات طفيفة مقارنة بالسنة السابقة. هذه المعلومة ليست “حكاية أرقام” فحسب، بل علامة على أن الهجرة المغربية ليست كلها قوارب وتهريباً؛ جزء واسع منها مسارات قانونية وعمل ودراسة ولمّ شمل، لكنها تتأثر سياسياً كلما ارتفع منسوب الشعبوية أو تغيّرت قواعد اللجوء والإقامة.
أما في الولايات المتحدة، فالعنوان الأبرز للأسبوع كان: الترحيل إلى “بلد ثالث” وعودة القضاء إلى لعب دور صمام الأمان. قصة مهاجرة مغربية مثلية (وردت في تحقيقات صحافية أمريكية) قيل إنها رُحِّلت إلى الكاميرون رغم وجود أمر حماية يمنع ترحيلها إلى بلدها، أثارت موجة أسئلة حول احترام أوامر القضاء، وشفافية الترتيبات مع دول تستقبل المرحّلين، ومعنى “الإجراءات القانونية الواجبة” في ملف يمسّ مصائر بشرية هشّة. وفي السياق نفسه، جاء حكم قضائي في بوسطن ليعتبر أن سياسة “الترحيل إلى دول غير بلد الأصل” دون ضمانات كافية تنتهك مبادئ الإجراءات القانونية، وهو ما قرأته منظمات حقوقية كفرملةٍ لمسار إداري سريع لا يترك للمهاجر وقتاً أو حقاً فعلياً في الاعتراض.
وتحت سقف “القبضة التنفيذية”، ظهرت أيضاً قصص أخرى تكشف أن الاستهداف لا يقتصر دائماً على “أخطر المجرمين” كما تُروّج بعض الخطابات السياسية. إحدى القصص المتداولة إعلامياً تخص مغربياً عاش في الولايات المتحدة عقوداً واحتُجز بسبب تعقيدات قديمة مرتبطة بملف هجرة/جلسة قضائية سابقة، ما سلط الضوء على هشاشة العائلات أمام أخطاء إدارية أو مسارات قضائية ملتبسة، وعلى كلفة الدفاع القانوني الطويل.
وزاد المشهد الأمريكي تعقيداً مع جدل أوسع حول سياسات التأشيرات. منظمات حقوقية تحدثت عن تعليق إصدار بعض التأشيرات/المعاملات لمواطني عشرات الدول وما ترتب عنه من دعاوى، وهي سياسات تمس—بالضرورة—مواطنين من المنطقة العربية وشمال إفريقيا ضمن من تشملهم القوائم أو آثارها غير المباشرة.
الخلاصة أن الأسبوع الماضي لم يحمل “خبرًا واحدًا” عن المهاجرين المغاربة والعرب، بل حمل معادلة كاملة: أوروبا تُشدد وتُفاوض وتُرحّل وتُنقذ في البحر في آنٍ واحد، والولايات المتحدة تُسرّع إجراءات وتُواجهها بأحكام قضائية ورقابة إعلامية. وبين هذا وذاك، يبقى المهاجر—مغربياً كان أو عربياً—عالِقاً في منطقة رمادية: لا هو مجرد رقم في نشرة، ولا هو مجرد شعار انتخابي. هو إنسان يتنقل بين قوانين تتبدل، وحدود تتصلب، وبحار لا ترحم.








0 التعليقات:
إرسال تعليق