الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الاثنين، مارس 23، 2026

الإِبْداعِ بَيْنَ الرِّهَانِ الرَّقْمِيِّ وَتَجَدُّدِ المَشْهَدِ العَرَبِيّ

 


شهد الأسبوع الماضي دينامية ثقافية وفنية لافتة في المغرب والعالم العربي، حيث تداخلت المبادرات الرسمية مع الحراك الإبداعي المستقل، وتقاطعت الفنون التقليدية مع رهانات العصر الرقمي، في مشهد يعكس تحولات عميقة في بنية الثقافة العربية المعاصرة.

في المغرب، برزت خلال الأيام الأخيرة سلسلة من المبادرات المؤسسية التي تؤكد توجه الدولة نحو إعادة هيكلة الحقل الثقافي وتعزيز اقتصاد الإبداع. فقد أعلنت وزارة الشباب والثقافة والتواصل عن فتح باب الترشيح لدعم المشاريع المسرحية برسم الدورة الأولى لسنة 2026، وهو برنامج يشمل الإنتاج والترويج والتوطين المسرحي، إضافة إلى الإقامات الفنية وتنظيم المهرجانات داخل المغرب وخارجه . ويكشف هذا الإجراء عن وعي رسمي بأهمية المسرح كرافعة ثقافية، ليس فقط من حيث الإبداع، بل أيضًا من حيث خلق فرص اقتصادية للفنانين الشباب.

ولم يتوقف الأمر عند المسرح، بل شمل أيضًا الفنون التشكيلية والبصرية، حيث تم إطلاق برامج دعم موازية تستهدف تطوير المشاريع الفنية المعاصرة وتعزيز حضورها في الفضاءين الوطني والدولي . ويُفهم من هذا التوجه أن المغرب يسعى إلى بناء منظومة ثقافية متكاملة تقوم على التمويل العمومي، والتشبيك الدولي، والتحول الرقمي.

في السياق ذاته، يبرز حضور المعارض الفنية الدولية داخل المغرب كعلامة على انفتاح المشهد الثقافي المحلي. فقد احتضنت مدينة الدار البيضاء معرضًا دوليًا لفن الطباعة جمع فنانين من دول عربية وأجنبية، في تجربة فنية عابرة للحدود تسعى إلى مزج التقنيات التقليدية بالرؤى المعاصرة . ويعكس هذا الحدث تحولا نوعيا في طبيعة المعارض، حيث لم تعد مجرد فضاءات عرض، بل أصبحت مختبرات للتبادل الثقافي والإبداعي.

أما على مستوى السياسات الثقافية بعيدة المدى، فيبرز مشروع الموسم الثقافي المغربي في فرنسا لسنة 2026 كإحدى أبرز المبادرات التي تؤكد الرغبة في تصدير الثقافة المغربية إلى الخارج ضمن رؤية دبلوماسية ناعمة . هذا المشروع لا يقتصر على التعريف بالفنون المغربية، بل يسعى إلى إعادة صياغة صورة المغرب كقوة ثقافية صاعدة في الفضاء المتوسطي.

في المقابل، يشهد العالم العربي حراكًا ثقافيًا متنوعًا، تتداخل فيه الأسئلة السياسية مع التعبيرات الفنية. فالمشهد الثقافي العربي خلال الأسبوع الماضي تميز بتصاعد الاهتمام بالفنون البصرية والسينما المستقلة، إضافة إلى عودة النقاش حول دور الثقافة في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة.

تُظهر التغطيات الثقافية في المنصات الإعلامية العربية أن الفن لم يعد مجرد تعبير جمالي، بل أصبح وسيلة لفهم الواقع وتفكيك تناقضاته، خاصة في ظل الأزمات التي تعيشها المنطقة . ففي العديد من الدول العربية، باتت المعارض الفنية والفعاليات الثقافية منصات لطرح قضايا الهوية والذاكرة والهجرة، وهو ما يعكس انتقال الثقافة من هامش الترفيه إلى مركز الفعل الاجتماعي.

ومن أبرز التحولات التي سجلت خلال هذا الأسبوع أيضًا، تنامي الاهتمام بالفنون الرقمية وصناعة الألعاب الإلكترونية، خصوصًا في المغرب وبعض دول الخليج، حيث يتم الاستثمار في هذا القطاع باعتباره أحد محركات الاقتصاد الثقافي الجديد. ويعكس هذا التوجه إدراكًا متزايدًا بأن الثقافة لم تعد محصورة في الكتاب والمسرح، بل أصبحت تمتد إلى فضاءات رقمية تفاعلية تستقطب الأجيال الجديدة.

كما أن عودة الفعاليات المرتبطة باليوم العالمي للمسرح، المرتقب في 27 مارس، أضفت حيوية إضافية على المشهد الثقافي، حيث تستعد مؤسسات ثقافية عربية لتنظيم عروض وندوات تسلط الضوء على واقع المسرح العربي وتحدياته . ويأتي هذا في سياق محاولة إعادة الاعتبار لهذا الفن الذي ظل لعقود مرآة للتحولات الاجتماعية والسياسية.

وفي قراءة تحليلية لهذه المعطيات، يمكن القول إن المشهد الثقافي العربي، والمغربي بشكل خاص، يعيش لحظة انتقالية بين نموذجين: نموذج تقليدي قائم على الدعم العمومي المحدود، ونموذج جديد يقوم على الاستثمار، والتدويل، والتكنولوجيا. هذه اللحظة الانتقالية تفتح آفاقًا واسعة، لكنها تطرح في الوقت ذاته تحديات تتعلق بالهوية الثقافية، واستقلالية الإبداع، وإمكانية الوصول إلى الجمهور.

إن ما يميز الأسبوع الثقافي الماضي ليس فقط كثافة الأنشطة، بل طبيعة التحولات التي تكشف عنها هذه الأنشطة. فالثقافة لم تعد مجرد قطاع ثانوي، بل أصبحت مجالًا استراتيجيًا يتقاطع مع الاقتصاد والسياسة والتكنولوجيا. وهذا ما يجعل من متابعة هذا الحراك ضرورة لفهم ملامح المستقبل الثقافي في المغرب والعالم العربي.

وفي النهاية، يمكن القول إن الثقافة العربية، وهي تتنقل بين المعارض الدولية، وبرامج الدعم، والمنصات الرقمية، تعيد كتابة ذاتها بلغة جديدة، لغة تجمع بين الذاكرة والابتكار، وبين المحلي والعالمي، في محاولة لصياغة هوية ثقافية قادرة على الصمود في زمن التحولات الكبرى.


0 التعليقات: