يُوسُفُ إِدْرِيسَ عَلِيٌّ (١٩٢٧م – ١٩٩١م) أَدِيبٌ مِصْرِيٌّ بَارِزٌ، يُعَدُّ مِنْ أَعْلَامِ القِصَّةِ القَصِيرَةِ فِي الأَدَبِ العَرَبِيِّ الحَدِيثِ، وَمِنْ أَهَمِّ المُجَدِّدِينَ فِي فُنُونِهَا. وُلِدَ فِي قَرْيَةِ البَيْرُومِ التَّابِعَةِ لِمَرْكَزِ فَاقُوسَ بِمُحَافَظَةِ الشَّرْقِيَّةِ بِمِصْرَ فِي ١٩ مَايُو ١٩٢٧م، وَتُوُفِّيَ فِي ١ أُغُسْطُسَ ١٩٩١م.
دَرَسَ الطِّبَّ فِي جَامِعَةِ القَاهِرَةِ وَتَخَرَّجَ فِيهَا، ثُمَّ تَخَصَّصَ فِي الطِّبِّ النَّفْسِيِّ، وَعَمِلَ طَبِيبًا لِفَتْرَةٍ قَصِيرَةٍ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّغَ لِلأَدَبِ وَالصِّحَافَةِ، حَيْثُ عَمِلَ فِي صُحُفٍ مِثْلَ «الأَهْرَام» وَ«رُوزَ اليوسُف».
بَدَأَ
مَسِيرَتَهُ الأَدَبِيَّةَ فِي خَمْسِينِيَّاتِ القَرْنِ العِشْرِينَ، وَأَصْدَرَ
أُولَى مَجْمُوعَاتِهِ القَصَصِيَّةِ «أَرْخَصُ لَيَالِي» سَنَةَ ١٩٥٤م،
وَتَبِعَتْهَا أَعْمَالٌ أُخْرَى مِثْلُ «جُمْهُورِيَّةِ فَرْحَات» وَ«قَاعِ
المَدِينَةِ» وَ«البَطَل»، إِلَى جَانِبِ مَسْرَحِيَّتِهِ الشَّهِيرَةِ
«الفَرَافِير».
تَمَيَّزَ
أُسْلُوبُهُ بِالنَّزْعَةِ الوَاقِعِيَّةِ وَالقُدْرَةِ عَلَى التَّعْبِيرِ عَنْ
حَيَاةِ البُسَطَاءِ وَالمُهَمَّشِينَ، حَيْثُ جَعَلَ مِنَ الإِنْسَانِ العَادِيِّ
مِحْوَرًا لِكِتَابَاتِهِ، مِمَّا مَنَحَ أَعْمَالَهُ بُعْدًا إِنْسَانِيًّا
عَمِيقًا.
وَقَدْ
حَازَ يُوسُفُ إِدْرِيسَ عِدَّةَ جَوَائِزَ وَأَوْسِمَةٍ، مِنْهَا وَسَامُ
الجُمْهُورِيَّةِ وَوَسَامُ العُلُومِ وَالفُنُونِ، كَمَا تُرْجِمَتْ أَعْمَالُهُ
إِلَى عِدَّةِ لُغَاتٍ، وَتَحَوَّلَ بَعْضُهَا إِلَى أَعْمَالٍ سِينِمَائِيَّةٍ،
لِيَظَلَّ أَثَرُهُ حَيًّا فِي الثَّقَافَةِ العَرَبِيَّةِ.
لَيَالٍ تُكْتَبُ مِنْ وَجْعِ الطِّينِ
وَصَمْتِ الجُوع
مقال نقدي للكاتب المغربي عبده حقي
يَتَصَدَّرُ
اسْمُ يوسف إدريس مَشْهَدَ الأَدَبِ
العَرَبِيِّ الحَدِيثِ بِوَصْفِهِ أَحَدَ أَبْرَزِ رُوَّادِ القِصَّةِ
القَصِيرَةِ، وَتَأْتِي مَجْمُوعَتُهُ الأُولَى «أَرْخَصُ لَيَالِي» كَعَتَبَةٍ
تَأْسِيسِيَّةٍ فِي تَجْرِبَتِهِ الإِبْدَاعِيَّةِ، وَكَصَرْخَةٍ مُبَكِّرَةٍ فِي
وَجْهِ الفَقْرِ وَالهَامِشِ وَاللاَّمَرْئِيِّ فِي المُجْتَمَعِ المِصْرِيِّ.
صَدَرَ هَذَا العَمَلُ سَنَةَ ١٩٥٤، وَكَانَ بِمَثَابَةِ الإِعْلاَنِ عَنْ
وِلَادَةِ صَوْتٍ سَرْدِيٍّ جَدِيدٍ، جَاءَ مِنْ رِيفِ مِصْرَ وَحَمَلَ مَعَهُ
طِينَهُ وَأَوْجَاعَهُ وَأَحْلاَمَهُ المُنْكَسِرَةَ .
لَيْسَتْ
«أَرْخَصُ لَيَالِي» مُجَرَّدَ مَجْمُوعَةٍ قَصَصِيَّةٍ، بَلْ هِيَ مِرْآةٌ
اجْتِمَاعِيَّةٌ تَعْكِسُ حَيَاةَ القَرْيَةِ وَالمَدِينَةِ فِي مِصْرَ، حَيْثُ
يَتَقَاطَعُ الفَقْرُ مَعَ الغَرِيزَةِ، وَتَتَحَوَّلُ اللَّيَالِي إِلَى مَلَاذٍ
رَخِيصٍ لِلهُرُوبِ مِنْ قَسْوَةِ النَّهَارِ. فِي هَذِهِ النُّصُوصِ، لَا
يَكْتُبُ إِدْرِيسُ عَنِ الأَبْطَالِ الكِبَارِ، بَلْ عَنِ الإِنْسَانِ
العَادِيِّ: الفَلَّاحِ، العَامِلِ، العَاطِلِ، الزَّوْجِ المُثْقَلِ
بِالأَطْفَالِ، وَالزَّوْجَةِ الَّتِي تُوَاصِلُ الإِنْجَابَ كَأَنَّهُ قَدَرٌ لَا
مَفَرَّ مِنْهُ .
وَمِنْ
خِلَالِ شَخْصِيَّةِ «عَبْدِ الكَرِيمِ» فِي القِصَّةِ الَّتِي حَمَلَتِ
العُنْوَانَ نَفْسَهُ، نُصَادِفُ نَمُوذَجًا إِنْسَانِيًّا مُرَكَّبًا، رَجُلًا
فَقِيرًا يُصَارِعُ البُؤْسَ وَيَجِدُ فِي اللَّيَالِي الرَّخِيصَةِ—تِلْكَ
اللَّيَالِي الَّتِي لَا تَكَلِّفُ شَيْئًا سِوَى التَّكَاثُرِ—مُتَنَفَّسًا
لِقَلْقِهِ وَحِرْمَانِهِ. وَهُنَا تَتَجَلَّى عَبْقَرِيَّةُ إِدْرِيسَ: فَهُوَ
لَا يُدِينُ شَخْصِيَّاتِهِ، بَلْ يَكْشِفُهَا فِي عُرْيِهَا الإِنْسَانِيِّ،
تَحْتَ ضَغْطِ الفَقْرِ وَالجَهْلِ وَانْسِدَادِ الأُفُقِ.
إِنَّ
هَذِهِ المَجْمُوعَةَ تَضُمُّ نَحْوَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ قِصَّةً قَصِيرَةً،
تَدُورُ مُعْظَمُهَا فِي الفَضَاءِ الرِّيفِيِّ، وَتَسْتَمِدُّ مَوَادَّهَا مِنْ
تَجَارِبَ حَيَاتِيَّةٍ وَاقِعِيَّةٍ، حَيْثُ تَتَشَكَّلُ الحَبَكَاتُ مِنْ
تَفَاصِيلَ يَوْمِيَّةٍ بَسِيطَةٍ، لَكِنَّهَا مُشْبَعَةٌ بِدَلَالَاتٍ عَمِيقَةٍ . وَهُوَ فِي ذَلِكَ يَسْتَلْهِمُ تَقَالِيدَ القِصَّةِ العَالَمِيَّةِ،
خَاصَّةً عِنْدَ أنطون تشيخوف، لَكِنَّهُ
يُعِيدُ صِيَاغَتَهَا بِلُغَةٍ مِصْرِيَّةٍ حَيَّةٍ وَنَبْضٍ شَعْبِيٍّ خَاصٍّ .
يَعْتَمِدُ
إِدْرِيسُ فِي «أَرْخَصُ لَيَالِي» عَلَى لُغَةٍ سَهْلَةٍ وَمُكَثَّفَةٍ،
تَبْتَعِدُ عَنِ التَّكَلُّفِ وَتَقْتَرِبُ مِنْ لُغَةِ الحَيَاةِ اليَوْمِيَّةِ،
وَهُوَ اخْتِيَارٌ جَمَالِيٌّ يَخْدِمُ رُؤْيَتَهُ الوَاقِعِيَّةَ. فَاللُّغَةُ
عِنْدَهُ لَيْسَتْ زِينَةً بَلَاغِيَّةً، بَلْ أَدَاةُ كَشْفٍ، تَفْضَحُ
التَّنَاقُضَاتِ وَتُعَرِّي العَلَاقَاتِ الاجْتِمَاعِيَّةَ. وَمِنْ خِلَالِ
هَذِهِ البَسَاطَةِ الظَّاهِرِيَّةِ، يَبْنِي عَالَمًا سَرْدِيًّا مُعَقَّدًا،
تَتَدَاخَلُ فِيهِ الأَصْوَاتُ وَالمَشَاعِرُ وَالضُّغُوطُ النَّفْسِيَّةُ.
وَفِي
مَنْظُورٍ أَعْمَقَ، تَكْشِفُ «أَرْخَصُ لَيَالِي» عَنْ مَأْزِقٍ وُجُودِيٍّ:
إِنْسَانٌ يُوَاجِهُ الفَقْرَ لَا بِالثَّوْرَةِ، بَلْ بِالتَّكَرُّسِ فِي
دَائِرَةِ الحَيَاةِ الغَرِيزِيَّةِ. وَهُنَا تَتَحَوَّلُ اللَّيَالِي
«الرَّخِيصَةُ» إِلَى رَمْزٍ لِانْهِيَارِ القِيَمِ وَانْسِحَابِ الأُفُقِ
الإِنْسَانِيِّ، حَيْثُ يُصْبِحُ الإِنْجَابُ بِدِيلًا عَنِ الحُلُولِ،
وَالتَّكْرَارُ بَدَلًا مِنَ التَّغْيِيرِ. وَقَدْ أَشَارَتْ دِرَاسَاتٌ
نَقْدِيَّةٌ إِلَى أَنَّ هَذِهِ القِصَصَ تَحْمِلُ مَغْزًى اجْتِمَاعِيًّا عَمِيقًا،
وَتُجَسِّدُ أَزْمَةَ الطَّبَقَاتِ الفَقِيرَةِ فِي سِيَاقٍ تَارِيخِيٍّ مُعَقَّدٍ
.
وَبِأُسْلُوبٍ
يَكْتُبُهُ الطَّبِيبُ قَبْلَ الأَدِيبِ، يَغُوصُ إِدْرِيسُ فِي النَّفْسِ
البَشَرِيَّةِ، يُشَخِّصُ أَمْرَاضَهَا وَيُسَمِّي جُرُوحَهَا، دُونَ أَنْ
يُقَدِّمَ وَصَفَاتٍ جَاهِزَةً لِلشِّفَاءِ. فَهُوَ لَا يَعِظُ، بَلْ يُشَاهِدُ
وَيَكْتُبُ، وَلِهَذَا تَبْقَى نُصُوصُهُ حَيَّةً، كَأَنَّهَا تُكْتَبُ كُلَّ
يَوْمٍ مِنْ جَدِيدٍ.
وَإِذَا
كَانَ طَه حُسَيْن قَدْ احْتَفَى بِهَذَا العَمَلِ عِنْدَ صُدُورِهِ، فَلِأَنَّهُ
أَدْرَكَ أَنَّ صَوْتًا جَدِيدًا وُلِدَ فِي الأَدَبِ العَرَبِيِّ، صَوْتًا
يُشْبِهُ النَّاسَ وَلَا يُشْبِهُ النُّخَبَ، صَوْتًا يَكْتُبُ مِنْ دَاخِلِ
الأَلَمِ وَلَيْسَ مِنْ خَارِجِهِ .
فِي
النِّهَايَةِ، تَبْقَى «أَرْخَصُ لَيَالِي» نَصًّا تَأْسِيسِيًّا فِي الأَدَبِ
العَرَبِيِّ الحَدِيثِ، لَا لِأَنَّهَا أُولَى أَعْمَالِ يُوسُفَ إِدْرِيسَ
فَقَطْ، بَلْ لِأَنَّهَا وَضَعَتْ أُسُسَ نَظْرَةٍ جَدِيدَةٍ إِلَى الإِنْسَانِ
البَسِيطِ، وَحَوَّلَتْ مَعَانَاتِهِ إِلَى مَادَّةٍ جَمَالِيَّةٍ خَالِدَةٍ.
إِنَّهَا لَيْسَتْ حِكَايَةَ لَيَالٍ رَخِيصَةٍ فَحَسْب، بَلْ سِيرَةُ وَجْعٍ
إِنْسَانِيٍّ يَبْحَثُ عَنْ مَعْنًى فِي عَالَمٍ يَضِيقُ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ.







0 التعليقات:
إرسال تعليق