أَمْشِي فِي مَمَرَّاتِ النَّوْمِ كَأَنِّي أَجْمَعُ شَظَايَا قَمَرٍ تَكَسَّرَ فِي جُبِّ اللَّيْلِ، وَأَسْأَلُ نَفْسِي: أَهَذِهِ أَحْلَامٌ أَمْ بَقَايَا أَرْوَاحٍ نَسِيَهَا الصُّبْحُ فِي الطَّرِيقِ؟
كُلَّمَا فَتَحْتُ بَابَ غَفْوَةٍ وَجَدْتُ وَجْهًا يُشْبِهُ ذَاكِرَتِي، وَصَوْتًا يَهْمِسُ لِي: لَا تُصَدِّقْ كُلَّ مَا يَزْهُرُ فِي الظَّلِّ.
فِي لَيْلَةٍ بَعِيدَةٍ رَأَيْتُ نَفْسِي أَمْشِي عَلَى جِسْرٍ مِنْ غَيْمٍ، وَكُنْتُ أُرَدِّدُ اسْمِي كَأَنَّهُ أُغْنِيَةٌ قَدِيمَةٌ نَسِيَهَا الرُّعَاةُ فِي الْبَرِّيَّةِ.
وَكَانَتِ النُّجُومُ تَنْحَنِي لِتَسْتَمِعَ إِلَى خَفَقَاتِ قَلْبٍ يَتَعَلَّمُ لُغَةَ الضَّيَاعِ.
ثُمَّ رَأَيْتُ بِلَادًا تَنْبُتُ مِنْ كَلِمَةٍ، وَبُيُوتًا تُفْتَحُ أَبْوَابُهَا لِلرِّيحِ، وَوَجْهًا لِأُمِّي يَتَشَكَّلُ فِي ضَوْءِ الْقَمَرِ.
قُلْتُ: لَعَلَّ الْحُلْمَ وَطَنٌ صَغِيرٌ يَخْتَبِئُ فِي جَيْبِ اللَّيْلِ.
وَفِي مَرَّةٍ أُخْرَى أَضَعْتُ ظِلِّي فِي طَرِيقٍ طَوِيلٍ، وَكَانَتِ السَّاعَاتُ تَجْرِي كَأَنَّهَا خُيُولٌ مِنْ مَاءِ.
فَقُلْتُ لِلصَّمْتِ: أَيُّهَا الصَّدِيقُ الْقَدِيمُ، لِمَاذَا يَضِيعُ الْإِنْسَانُ فِي حُلْمٍ لَا يَعْرِفُ اسْمَهُ؟
وَأَتَذَكَّرُ أَنِّي رَأَيْتُ شَجَرَةً تَكْتُبُ قَصِيدَتَهَا عَلَى الرِّيحِ، وَعُصْفُورًا يَحْمِلُ فِي مِنْقَارِهِ رِسَالَةً مِنَ الْمُسْتَقْبَلِ.
وَكَانَتِ الْكَلِمَاتُ تَسْقُطُ مِنِّي كَأَوْرَاقِ خَرِيفٍ لَا يَعْرِفُ أَيْنَ يَنْتَهِي.
وَفِي أُخْرَى رَأَيْتُ الْبَحْرَ يَكْتُبُ اسْمِي عَلَى الرَّمْلِ، ثُمَّ يَمْسَحُهُ بِمَوْجَةٍ خَفِيفَةٍ.
فَفَهِمْتُ أَنَّ الْحُلْمَ لُعْبَةُ الْمَاءِ مَعَ الذَّاكِرَةِ.
وَمَرَّتْ طُيُورٌ مِنْ غَيْمٍ فَوْقَ رَأْسِي، وَقَالَتْ: الْأَرْضُ أَيْضًا تَحْلُمُ بِنَا.
فَسَأَلْتُهَا: أَيُّهَا الْمُسَافِرُونَ فِي الضَّوْءِ، هَلْ لِلْحُلْمِ حُدُودٌ أَمْ أَنَّهُ سَمَاءٌ لَا تَنْتَهِي؟
وَرَأَيْتُ طِفْلًا يَجْمَعُ الضَّحِكَ مِنْ حَوْلِهِ كَأَنَّهُ يَجْمَعُ زُهُورًا بَرِّيَّةً.
فَعَرَفْتُ أَنَّ الْبَرَاءَةَ هِيَ أَجْمَلُ أَضْغَاثِ النَّوْمِ.
وَرَأَيْتُ شَاعِرًا يَكْتُبُ عَلَى جِدَارِ اللَّيْلِ: لِلْحُلْمِ جَنَاحَانِ، وَالْوَاقِعُ قَفَصٌ مِنْ تَعَبٍ.
وَكَانَتِ الْحُرُوفُ تَتَوَهَّجُ كَجَمْرٍ صَغِيرٍ فِي عَيْنَيِ الظَّلَامِ.
ثُمَّ رَأَيْتُ وَجْهِي فِي مِرْآةِ السَّحَرِ، فَابْتَسَمْتُ كَأَنِّي أَعُودُ مِنْ سَفَرٍ طَوِيلٍ.
وَقُلْتُ: لَعَلَّ الْإِنْسَانَ مَا هُوَ إِلَّا حُلْمٌ يَمْشِي عَلَى قَدَمَيْنِ.
وَهَكَذَا تَتَدَافَعُ الرُّؤَى فِي رَأْسِي كَأَمْوَاجٍ تَتَعَلَّمُ لُغَةَ الْبَحْرِ.
وَأَفْهَمُ أَنَّ مَا نُسَمِّيهِ أَضْغَاثًا لَيْسَ سِوَى بَقَايَا أَرْوَاحٍ تُرِيدُ أَنْ تَحْكِي.
فَالْحُلْمُ مَرَّةً مِرْآةٌ لِخَوْفِنَا، وَمَرَّةً شُرْفَةٌ لِأَمَلٍ بَعِيدٍ، وَمَرَّةً بَحْرٌ يَحْمِلُنَا إِلَى جُزُرٍ لَمْ تُكْتَبْ فِي الْخَرَائِطِ.
وَنَبْقَى نَحْنُ الْمَارِّينَ بَيْنَ الظِّلِّ وَالضَّوْءِ، نُجَرِّبُ أَنْ نُفَسِّرَ أَحْلَامًا لَا تُرِيدُ التَّفْسِيرَ.
فِي آخِرِ اللَّيْلِ أُغْلِقُ نَافِذَةَ الْمَنَامِ وَأُصْغِي إِلَى صَوْتِ الصُّبْحِ يَتَقَدَّمُ بُطْئًا.
فَأُدْرِكُ أَنَّ أَضْغَاثَ الأَحْلَامِ لَيْسَتْ خَطَأً فِي النَّوْمِ، بَلْ هِيَ رِسَالَةُ اللَّيْلِ إِلَى قَلْبٍ لَا يَتَوَقَّفُ عَنِ الْحُلْمِ.








0 التعليقات:
إرسال تعليق