الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الثلاثاء، مارس 03، 2026

سلسلة الكتب الأكثر شهرة ومبيعا في العالم العربي ( موسم الهجرة إلى الشمال ) إعداد عبده حقي

 


هناك روايات نقرؤها فننساها، وهناك روايات تقرؤنا نحن، تكشف أعماقنا وتضعنا أمام مرآة لا ترحم. رواية موسم الهجرة إلى الشمال للروائي السوداني الكبير الطيب صالح هي واحدة من تلك الأعمال التي لا تكتفي بأن تكون حكاية، بل تتحول إلى سؤال وجودي مفتوح.

حين صدرت هذه الرواية في ستينيات القرن الماضي، لم تكن مجرد عمل أدبي جديد، بل كانت حدثًا ثقافيًا. فجأة وجد القارئ العربي نفسه أمام نص يتحدث عن العلاقة المعقدة بين الشرق والغرب، عن الاستعمار ليس بوصفه احتلال أرض فقط، بل احتلال روح وعقل وتاريخ.

تحكي الرواية قصة راوٍ سوداني يعود إلى قريته الصغيرة على ضفاف النيل بعد سنوات من الدراسة في أوروبا. يعود محمّلاً بالمعرفة والشهادات والحنين. لكنه يفاجأ بوجود رجل غامض في القرية اسمه مصطفى سعيد. هذا الرجل ليس فلاحًا عاديًا كما يبدو، بل يحمل في داخله سيرة أخرى، سيرة مليئة بالأسرار والدماء والعلاقات المعقدة في قلب لندن.

مصطفى سعيد هو قلب الرواية النابض. هو ذلك الشاب العبقري الذي سافر إلى إنجلترا، فتفوق في دراسته، ودخل المجتمع البريطاني من أوسع أبوابه. لكنه لم يدخل بوصفه إنسانًا متصالحًا مع ذاته، بل بوصفه رجلًا يحمل جرح الاستعمار في داخله. كان يرى في النساء الأوروبيات ساحة معركة رمزية، وكأن جسده أصبح وسيلة للانتقام من تاريخ طويل من الهيمنة.

الرواية هنا لا تقدم لنا بطلاً تقليديًا. مصطفى سعيد ليس بطلاً ولا ضحية خالصة. هو شخصية مركبة، ذكية، باردة أحيانًا، ومأزومة دائمًا. إنه صورة للإنسان الذي فقد توازنه بين عالمين. الشرق يسكنه، والغرب يسكنه، لكنه لا ينتمي تمامًا إلى أي منهما.

أما الراوي، فهو الوجه الآخر للعملة. أكثر هدوءًا، أكثر ترددًا، كأنه يمثل جيلًا عربيًا حاول أن يتعلم من الغرب دون أن يذوب فيه. لكنه أيضًا يصطدم بأسئلة الهوية والانتماء. هل نستطيع أن نكون حديثين دون أن نفقد جذورنا؟ هل يمكن أن نعيش بين ثقافتين دون أن ننكسر؟

الطيب صالح كتب الرواية بلغة بسيطة لكنها عميقة. لم يعتمد على الزخرفة اللغوية، بل على الإيحاء والرمز. القرية السودانية في الرواية ليست مجرد مكان جغرافي، بل هي رمز للأصالة، للذاكرة، للطفولة الأولى. في المقابل، لندن ليست مجرد مدينة أوروبية، بل هي رمز للحداثة الباردة، للقوة، وللتاريخ الاستعماري.

ما يدهشني في هذه الرواية هو قدرتها على طرح الأسئلة دون أن تقدم أجوبة جاهزة. لا تقول لنا إن الغرب شيطان مطلق، ولا تقول إن الشرق ملاك بريء. بل تضعنا أمام إنسان ممزق، أمام عقل يعيش صراعًا داخليًا مريرًا.

هناك مشاهد في الرواية لا تُنسى، خاصة تلك التي يكشف فيها مصطفى سعيد عن ماضيه، وكأننا أمام اعتراف طويل، اعتراف رجل يعرف أنه ضاع بين رغباته وغروره وثقافته. كما أن النهاية المفتوحة للرواية، عندما يجد الراوي نفسه في صراع مع النهر، تظل واحدة من أقوى النهايات في الأدب العربي الحديث. إنها صرخة حياة، صرخة تقول: أريد أن أعيش، لا أن أغرق في التيه.

بالنسبة لي، هذه الرواية ليست فقط عن السودان أو عن بريطانيا. إنها عن كل شاب عربي سافر ليبحث عن ذاته في عالم آخر. عن كل مثقف يعيش بين لغتين وثقافتين. عن كل إنسان يسأل نفسه: من أنا؟ وإلى أين أنتمي؟

ولهذا ما تزال موسم الهجرة إلى الشمال تُدرّس في الجامعات حول العالم، وتُترجم إلى لغات عديدة. لأنها ببساطة رواية إنسانية قبل أن تكون رواية سياسية. هي نص عن الحب والكراهية، عن الرغبة والانتقام، عن الذكاء الذي قد يتحول إلى نقمة، وعن الهوية التي تصبح عبئًا حين لا نفهمها جيدًا.

أصدقائي في صفحتي على تيك توك، إذا كنتم تبحثون عن رواية تهزكم من الداخل، وتجعلكم تعيدون التفكير في علاقتكم بالعالم، فاقرؤوا هذه الرواية. اقرأوها ببطء. لا تبحثوا عن الحكاية فقط، بل عن الأسئلة المختبئة بين السطور.

الطيب صالح لم يكتب رواية ليمدح الشرق أو ليهاجم الغرب. كتب نصًا عن الإنسان حين يفقد توازنه. عن العقل حين يتحول إلى ساحة صراع. عن القلب حين لا يعرف أين يستقر.

وفي زمننا اليوم، حيث الهجرة مستمرة، والحدود مفتوحة رقميًا، والأسئلة عن الهوية أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، تبدو هذه الرواية وكأنها كُتبت لنا نحن. كأن مصطفى سعيد ما يزال يمشي بيننا، بوجه جديد، في مدن جديدة.

تلك هي قوة الأدب الحقيقي. أنه لا يموت. أنه يظل يسألنا، حتى بعد مرور عقود.
والسؤال الذي تتركه الرواية معلقًا في الهواء هو: هل سنختار أن نغرق في صراعاتنا، أم سنصرخ، مثل الراوي في النهاية، بأننا نريد الحياة؟

— عبده حقي



0 التعليقات: