الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

السبت، مارس 07، 2026

العلمانية بين سوء الفهم وضجيج الاتهام: عبده حقي

 


في كل مرة يُطرح فيها موضوع العلمانية في الفضاء العربي، تتكرر المفارقة نفسها: يتحول النقاش من سؤال فكري هادئ إلى ساحة اتهام أخلاقي أو ديني. فبدلاً من تحليل المفهوم في سياقه التاريخي والسياسي، ينشغل كثيرون بمحاولة ربطه مباشرة بالإلحاد، وكأن العلمانية ليست سوى بوابة خفية للخروج من الدين. وفي حلقات كثيرة من النقاشات الرقمية، مثل تلك التي نراها في منصات التواصل الاجتماعي يعود السؤال ذاته بإلحاح: هل يفيد ربط العلمانية بالإلحاد أم يضر بالفهم العام للفكرة؟

في الحقيقة، هذا الربط ليس جديداً. فمنذ بدايات الاحتكاك الفكري بين العالم العربي والحداثة الأوروبية في القرن التاسع عشر، ظهرت مخاوف عميقة من المفاهيم القادمة من الغرب. كانت المجتمعات العربية، الخارجة من سياقات استعمارية أو سلطانية أو تقليدية، تنظر بعين الريبة إلى كل فكرة تحمل اسم "العلمانية". وهكذا اختلطت المفاهيم في الذهن العام، وتحوّلت الكلمة إلى شبهة أكثر منها إلى موضوع نقاش.

لكن إذا عدنا إلى أصل الفكرة، سنكتشف أن العلمانية في جوهرها مفهوم سياسي تنظيمي قبل أن تكون موقفاً فلسفياً من الإيمان. فهي تتعلق أساساً بتنظيم العلاقة بين الدولة والدين، وليس بتنظيم علاقة الإنسان بربه. أي أنها تقترح ببساطة أن تكون الدولة محايدة تجاه المعتقدات، بحيث لا تفرض ديناً معيناً ولا تمنع التدين في الوقت نفسه.

هنا يظهر الفرق الجوهري الذي يغيب غالباً عن النقاشات المتشنجة: الإلحاد موقف فلسفي أو وجودي يتعلق بالإيمان بالله، أما العلمانية فهي إطار قانوني أو سياسي لإدارة التنوع الديني داخل المجتمع. لذلك يمكن أن يكون الإنسان علمانياً ومؤمناً في الوقت نفسه، كما يمكن أن يكون ملحداً غير مهتم أصلاً بالعلمانية.

في أوروبا نفسها، التي نشأت فيها الفكرة الحديثة للعلمانية، لم يكن جميع المدافعين عنها ملحدين. كثير من المفكرين الذين دعوا إلى الفصل بين الدين والدولة كانوا مؤمنين، لكنهم رأوا أن الدين يصبح أكثر صفاء حين لا تتحكم به السلطة السياسية. ولعل التاريخ الأوروبي يقدم مثالاً واضحاً: فقد جاءت العلمانية جزئياً كحل للنزاعات الدينية الدامية التي مزقت القارة لقرون.

غير أن المشكلة في العالم العربي ليست في الفكرة نفسها بقدر ما هي في طريقة تداولها. فربط العلمانية بالإلحاد أدى إلى نتيجتين متناقضتين في آن واحد. فمن جهة، جعل كثيراً من المتدينين ينفرون من الفكرة قبل فهمها، لأنهم يرون فيها تهديداً مباشراً لإيمانهم. ومن جهة أخرى، دفع بعض المتحمسين للعلمانية إلى تبني خطاب صدامي مع الدين، وكأن العلمانية لا تكتمل إلا بمحاربته.

وبين هذين الموقفين المتطرفين ضاع النقاش العقلاني.

حين يتحول المفهوم إلى شعار أيديولوجي، يفقد قدرته على أن يكون موضوعاً للفهم. وهذا ما يحدث كثيراً في النقاشات الرقمية السريعة التي تفضل الإثارة على التفكير. ففي مقاطع قصيرة لا تتجاوز دقيقة أو دقيقتين، تختزل قضايا فلسفية معقدة في عبارات حادة من نوع: "العلمانية ضد الدين" أو "العلمانية هي الحل لكل شيء". والحقيقة أن الواقع أكثر تعقيداً من هذه الثنائيات البسيطة.

في المجتمعات العربية، حيث يلعب الدين دوراً عميقاً في الثقافة والهوية، يصبح أي خطاب يبدو وكأنه يستهدف الإيمان محفوفاً بحساسية كبيرة. لذلك فإن ربط العلمانية بالإلحاد قد يكون مضرّاً أكثر مما هو مفيد، لأنه يحول النقاش من مسألة تنظيم سياسي إلى معركة عقائدية.

والنتيجة أن الفكرة تُرفض قبل أن تُفهم.

لكن في المقابل، لا يمكن أيضاً تجاهل أن بعض الخطابات العلمانية ساهمت في ترسيخ هذا الربط. فحين يتحدث بعض المتحمسين للعلمانية بنبرة ازدراء للدين أو للمؤمنين، فإنهم يعززون الصورة النمطية التي يروجها خصومهم. وهكذا يدخل الطرفان في دائرة مغلقة من سوء الفهم المتبادل.

ربما يكون السؤال الأهم ليس ما إذا كان ربط العلمانية بالإلحاد مفيداً أو مضراً، بل لماذا نحتاج أصلاً إلى هذا الربط؟ ما الذي يدفع بعض النقاشات إلى تحويل مفهوم سياسي إلى قضية إيمانية؟

الجواب يكمن في طبيعة المجال العام العربي، الذي ما زال يبحث عن توازن دقيق بين الحداثة والتقاليد. ففي مجتمعات شهدت تحولات سياسية واجتماعية عميقة خلال القرن الأخير، يصبح النقاش حول علاقة الدين بالدولة جزءاً من صراع أوسع حول الهوية والسلطة والثقافة.

ومن هنا تأتي أهمية إعادة النقاش إلى أرضيته العقلانية. فالعلمانية، في صورتها البسيطة، ليست مشروعاً لإلغاء الدين، بل إطاراً لضمان حرية المعتقد. إنها محاولة لتنظيم المجال العام بحيث يستطيع المتدين وغير المتدين أن يعيشا معاً داخل دولة واحدة دون أن يفرض أحدهما قناعته على الآخر.

في هذا المعنى، قد تكون العلمانية أقرب إلى فكرة التعايش منها إلى فكرة الصراع.

لكن تحقيق هذا الفهم يتطلب لغة هادئة بعيدة عن التخوين والتكفير من جهة، وعن الاستفزاز الثقافي من جهة أخرى. فالأفكار الكبرى لا تنضج في ضجيج الشعارات، بل في مساحات الحوار الهادئ.

وفي زمن المنصات الرقمية السريعة، حيث تتحول الأفكار إلى مقاطع قصيرة، يصبح من الضروري أن نعيد الاعتبار للنقاش العميق. لأن المجتمعات لا تبني مستقبلها على سوء الفهم، بل على القدرة على التفريق بين المفاهيم.

وهكذا، فإن السؤال حول علاقة العلمانية بالإلحاد ليس مجرد جدل لغوي، بل اختبار لقدرتنا على التفكير النقدي. فإذا استطعنا تحرير المفاهيم من الأحكام المسبقة، سنكتشف أن كثيراً من الصراعات التي تبدو حادة في الخطاب ليست في الحقيقة سوى التباسات في الفهم.

وربما آن الأوان لكي نتعامل مع العلمانية، لا كاتهام جاهز، ولا كشعار خلاص، بل كفكرة قابلة للنقاش والتأمل مثل كل الأفكار التي تشكل تاريخ البشر.

عبده حقي

0 التعليقات: