الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، مارس 15، 2026

قِمَّةُ الصُّوَرِ المُتَحَرِّكَةِ فِي أُفُقِ الْأُسْبُوعِ السِّينِمَائِيِّ الْعَالَمِيِّ إعداد عبده حقي


 شهد الأسبوع الماضي حركية ملحوظة في عالم السينما عبر قارات مختلفة، حيث تقاطعت الأخبار بين مهرجانات دولية، وعروض أولى لأفلام جديدة، وتطورات في أسواق الإنتاج والتوزيع السينمائي. وتكشف متابعة الصحف والمواقع السينمائية العالمية أن السينما ما تزال فضاءً ثقافياً حيوياً يعكس تحولات المجتمعات ويعيد صياغة الحوار بين الثقافات. وفي ما يلي جولة تحليلية لأبرز أخبار الأسبوع في المغرب والعالم العربي وإفريقيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.

السينما في المغرب: حضور دولي متنامٍ

برزت السينما المغربية خلال الأسابيع الأخيرة في المحافل الدولية، خاصة بعد أن حظي المغرب بمكانة متميزة في السوق الأوروبية للأفلام (European Film Market) ضمن فعاليات مهرجان برلين السينمائي. فقد جرى اختيار المغرب بوصفه “البلد محور الاهتمام” في دورة 2026، وهو اعتراف دولي متزايد بالدينامية التي يعرفها الإنتاج السينمائي المغربي وقدرته على جذب الاستثمارات والتعاونات الدولية.

وقد شارك المركز السينمائي المغربي في هذه التظاهرة بعرض عدد من المشاريع السينمائية الجديدة، في خطوة تهدف إلى دعم الإنتاج الوطني وتعزيز حضوره في سوق التوزيع العالمية. ويشير المهنيون إلى أن هذه المشاركة ليست مجرد حضور رمزي، بل تعكس تحوّل المغرب إلى منصة سينمائية تربط بين أوروبا والعالم العربي وإفريقيا.

كما استمرت التظاهرات السينمائية في المملكة في تنشيط المشهد الثقافي، مثل أسابيع الفيلم الأوروبي التي احتضنتها مدن الدار البيضاء ومراكش والرباط، حيث عرضت مجموعة من الأفلام الأوروبية الحديثة أمام الجمهور المغربي في إطار حوار سينمائي عابر للمتوسط.

هذه المبادرات تؤكد أن السينما المغربية لم تعد مجرد إنتاج محلي محدود، بل أصبحت جزءاً من شبكة ثقافية دولية تعيد تعريف موقع المغرب في خريطة السينما العالمية.

العالم العربي: أفلام جديدة وموضوعات سياسية

في العالم العربي، تواصل السينما الاشتغال على موضوعات الذاكرة والصراع والهوية. ومن أبرز الأخبار عرض فيلم “وقائع زمن الحصار” للمخرج السوري الفلسطيني عبد الله الخطيب، الذي عُرض لأول مرة في مهرجان برلين السينمائي 2026، حيث فاز بجائزة أفضل عمل أول في إحدى مسابقات المهرجان.

يتناول الفيلم حياة المدنيين في مدينة محاصرة خلال الحرب، مقدماً رؤية إنسانية تركز على تفاصيل الحياة اليومية تحت الحصار. وقد حظي العمل بإشادة نقدية واسعة، إذ اعتبره النقاد نموذجاً للسينما العربية الجديدة التي تمزج بين الواقعية والبعد التوثيقي.

كما برزت في الأخبار السينمائية العربية أفلام أخرى ذات طابع تاريخي أو سياسي، مثل الفيلم التاريخي “Palestine 36” الذي يستعيد أحداث الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936، ويجمع بين الإنتاج العربي والأوروبي في تعاون سينمائي عابر للحدود.

هذه الأعمال تعكس اتجاهاً واضحاً في السينما العربية نحو معالجة قضايا التاريخ والذاكرة الجماعية، في محاولة لإعادة قراءة الماضي من خلال لغة الصورة المعاصرة.

إفريقيا: سينما تبحث عن صوتها العالمي

أما في إفريقيا، فقد شهدت السينما الإفريقية حضوراً قوياً في المهرجانات الأوروبية، خصوصاً من خلال الفيلم التشادي ـ الفرنسي “Soumsoum, la nuit des astres” للمخرج محمد صالح هارون، الذي فاز بجائزة النقاد (FIPRESCI) في مهرجان برلين السينمائي 2026.

يروي الفيلم قصة فتاة تعيش في جبال إينيدي في تشاد وتعاني من رؤى غامضة، وهو عمل يجمع بين الشعرية البصرية والبعد الأسطوري. وقد اعتبره النقاد أحد أبرز الأفلام الإفريقية في السنوات الأخيرة، لأنه يقدم رؤية مختلفة للسينما الإفريقية بعيداً عن القوالب التقليدية.

ويؤكد هذا النجاح أن السينما الإفريقية تشهد مرحلة جديدة من الانتشار العالمي، حيث أصبحت الأفلام الإفريقية تحظى بتمويلات مشتركة مع أوروبا وتشارك في مسابقات كبرى، ما يفتح أمامها آفاقاً جديدة للتوزيع والاعتراف الدولي.

الاتحاد الأوروبي: تجارب سينمائية جديدة وتوسع تقني

في أوروبا، استمرت المهرجانات السينمائية في لعب دور مركزي في تطوير الصناعة. فمهرجان البندقية السينمائي يواصل تعزيز حضور الأعمال الغامرة (XR) والواقع الافتراضي في السينما، من خلال برنامج “Venice Immersive” الذي يعرض مشاريع من عشرات الدول ويقدم أشكالاً جديدة من السرد البصري.

كما شهدت القاعات الأوروبية خلال الأسبوع الماضي استمرار عروض الأفلام الفرنسية في الأسواق الدولية، حيث أظهرت التقارير السينمائية أن عدداً من الإنتاجات الفرنسية حقق انتشاراً واسعاً في صالات العرض العالمية خلال الأسابيع الأخيرة.

وتشير هذه المعطيات إلى أن السينما الأوروبية تتجه نحو توسيع نطاقها التقني والإبداعي، عبر دمج التكنولوجيا الرقمية والواقع الافتراضي في لغة الفيلم.

الولايات المتحدة: سباق شباك التذاكر

في الولايات المتحدة، يظل شباك التذاكر مؤشراً رئيسياً على حيوية الصناعة السينمائية. فقد تصدر فيلم الرعب “Scream 7” قائمة الإيرادات، محققاً انطلاقة قوية في السوق الأمريكية والعالمية، ومواصلاً نجاح سلسلة أفلام الرعب الشهيرة التي تجاوزت إيراداتها العالمية مليار دولار.

هذا النجاح يعكس استمرار هيمنة هوليوود على السوق العالمية، خاصة في مجال الأفلام التجارية ذات الميزانيات الضخمة. ومع ذلك، يلاحظ النقاد أن المنافسة تزداد مع صعود منصات البث الرقمي التي أصبحت تنتج أفلاماً ذات جودة سينمائية عالية.

وفي السياق نفسه، تشهد المدن الأمريكية خلال هذه الفترة العديد من الفعاليات السينمائية والثقافية المرتبطة بالمهرجانات الشعبية والفعاليات الفنية، مما يخلق فضاءً متنوعاً لعرض الأفلام خارج القاعات التقليدية.

خلاصة المشهد السينمائي العالمي

تظهر قراءة أخبار الأسبوع الماضي أن السينما العالمية تمر بمرحلة انتقالية تجمع بين التقاليد الكلاسيكية والتجارب الجديدة. ففي الوقت الذي تستمر فيه هوليوود في الهيمنة التجارية، تتقدم سينمات أخرى ـ مثل السينما المغربية والإفريقية والعربية ـ بخطى ثابتة نحو الاعتراف الدولي.

كما أن المهرجانات السينمائية الكبرى، من برلين إلى البندقية، لم تعد مجرد فضاءات لعرض الأفلام، بل أصبحت مختبرات للأفكار الجديدة في مجال السرد البصري والتكنولوجيا السينمائية.

وهكذا يبدو أن السينما، رغم تحولات العصر الرقمي، ما تزال قادرة على تجديد نفسها باستمرار، وأن الصورة المتحركة ستظل إحدى أقوى لغات التعبير الثقافي في العالم المعاصر.


0 التعليقات: