الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، أبريل 10، 2026

أرصفة الكتب العربية في نبض أسبوعي متحوّل: إعداد عبده حقي

 


في هذا الزمن الذي تتسارع فيه العناوين كما تتساقط أوراق الخريف في ذاكرة القارئ العربي، لا يعود تتبّع الإصدارات الجديدة مجرد فعلٍ توثيقي، بل يتحول إلى محاولة دقيقة لالتقاط نبضٍ ثقافيٍّ يتشكل في الخفاء، بين النصوص، وبين ما يُقال وما يُؤجَّل قوله. خلال الأسبوع الماضي، كشفت منصّات ثقافية عربية وازنة، من قبيل الضفة الثالثة والقدس العربي وميدل إيست أونلاين، إلى جانب دور نشر فاعلة مثل دار الساقي ودار الآداب ودار طوبقال ودار التوحيدي، عن طيفٍ من الإصدارات الجديدة التي لا تعكس فقط تنوّع الأجناس الأدبية، بل تعبّر أيضًا عن تحوّلات عميقة في وعي الكتابة العربية.

في موقع الضفة الثالثة، بدت الخريطة أكثر تحديدًا، حيث برزت عناوين جديدة تتوزع بين الرواية والدراسات النقدية والترجمة. من بين هذه الإصدارات نجد "حليب أسود" لأليف شافاك في ترجمة عربية جديدة، وهو كتاب يعيد مساءلة العلاقة بين الكتابة والأمومة، بين الإبداع والهوية الأنثوية. إلى جانبه، يظهر كتاب "نظرات في الأندلس: من القرن الثامن إلى القرن الخامس عشر" كعملٍ يستعيد الذاكرة التاريخية من زاوية تحليلية، وكأن الأندلس لا تزال مرآةً لأسئلة الحاضر. كما تبرز رواية "أشواك حديقة تورينغ" لرنا حايك، التي تستحضر العالم الرقمي بوصفه فضاءً سرديًا مقلقًا، إضافة إلى كتاب "الاشتغال في الشعر العربي الحديث" لعلي لفتة سعيد، الذي يواصل مساءلة بنية القصيدة العربية الحديثة.

أما في القدس العربي، فقد بدا المشهد مشبعًا بروحٍ نقدية واضحة، حيث ظهرت عناوين تميل إلى تفكيك التاريخ وإعادة قراءته من زوايا غير مألوفة. كتاب "غواية المهزوم: ماذا عن التاريخ الذي لا يكتبه المنتصر؟" يفتح جرح السرديات المنسية، ويقترح كتابة بديلة للتاريخ، بينما يأتي "معركة الاستنباط" ليغوص في جدل الفكر الديني، في حين يحمل "أم أربعة وأربعين" طابعًا سرديًا رمزيًا يشتبك مع الواقع الاجتماعي بطريقة غير مباشرة.

وفي ميدل إيست أونلاين، ورغم غياب قوائم أسبوعية دقيقة، إلا أن التغطيات الثقافية توحي بحضور إصدارات جديدة تنتمي إلى مجالات الفكر السياسي والترجمة الفلسفية. هذه الأعمال، وإن لم تُذكر بعناوين محددة، تدور حول تحولات الدولة العربية، وإعادة قراءة العلاقة بين الدين والسياسة، فضلًا عن تقديم نصوص مترجمة تعيد طرح الأسئلة الفلسفية الكبرى في سياق عربي معاصر.

من جهة أخرى، تواصل دار الساقي أداء دورها المحوري في نشر كتب فكرية وترجمات نوعية، حيث تركز على مجالات علم الاجتماع، وعلم النفس، والفلسفة السياسية. ورغم أن الدار لا تُعلن عن حصيلة أسبوعية محددة، إلا أن خطها التحريري يكشف عن مشروع ثقافي متماسك يسعى إلى تحديث العقل العربي عبر المعرفة النقدية.

وفي السياق نفسه، تبرز دار الآداب باعتبارها فضاءً خصبًا للرواية العربية والترجمة الأدبية، حيث احتضنت إصدار "حليب أسود" في نسخته العربية، مؤكدة استمرارها في تقديم نصوص تتقاطع فيها السيرة الذاتية بالخيال، وتتحول فيها الكتابة إلى فعل مقاومة للقلق الوجودي.أما في المغرب، فتؤكد دار طوبقال حضورها في المشهد الفكري من خلال نشر أعمال فلسفية وترجمات نوعية، تسعى إلى ربط الفكر المغربي بالتحولات العالمية، في حين تميل دار التوحيدي إلى نشر كتب ذات طابع تأملي وروحي، تتناول التصوف والفكر الإسلامي المعاصر، في محاولة لإعادة التفكير في معنى الإنسان في زمن الاضطراب.

إذا ما تأملنا هذه الإصدارات مجتمعة، سنلاحظ أنها لا تنتمي فقط إلى أجناس أدبية مختلفة، بل تشترك في هاجسٍ واحد: البحث عن معنى في عالمٍ يتفكك. الرواية لم تعد مجرد حكاية، بل أصبحت أداة لفهم العنف والذاكرة، والترجمة لم تعد نقلًا للمعرفة، بل صارت إعادة إنتاج للوعي، أما الفكر، فقد عاد إلى طرح الأسئلة الكبرى التي ظنّ البعض أنها حُسمت.

هكذا، تبدو الإصدارات الجديدة وكأنها إشارات خافتة في ليلٍ ثقافي طويل، إشارات لا تُضيء الطريق بالكامل، لكنها تكشف عن اتجاهاته. وفي كل كتابٍ جديد، هناك محاولة لقول ما لم يُقَل بعد، أو لإعادة قول ما قيل، ولكن بلغةٍ أخرى، أكثر قلقًا، وأكثر صدقًا.


0 التعليقات: