الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، أبريل 09، 2026

سلسلة الكتب الأكثر شهرة ومبيعا في الآداب العالمي رواية (صراع العروش) إعداد عبده حقي


يُعَدُّ George R. R. Martin مِنْ أَبْرَزِ كُتَّابِ الأَدَبِ الْفَانْتَازِيِّ وَالْخَيَالِ الْعِلْمِيِّ فِي الْعَالَمِ الْمُعَاصِرِ، وَوُلِدَ فِي 20 سِبْتَمْبِرَ 1948 بِمَدِينَةِ بَايُونْ بِنِيُوجِيرْسِي بِالْوِلَايَاتِ الْمُتَّحِدَةِ الأَمْرِيكِيَّةِ .

مُنْذُ طُفُولَتِهِ، أَظْهَرَ مَارْتِن شَغَفًا مُبَكِّرًا بِالْكِتَابَةِ، إِذْ كَانَ يَبِيعُ قِصَصًا خَيَالِيَّةً لِأَطْفَالِ حَيِّهِ، وَيَنْسُجُ عَوَالِمَ مُتَخَيَّلَةً تَفُوقُ حُدُودَ وَاقِعِهِ الضَّيِّقِ . وَقَدْ دَرَسَ الصِّحَافَةَ فِي جَامِعَةِ نُورْثْوِسْتِرْن، حَيْثُ حَصَلَ عَلَى شَهَادَتَيْنِ فِي هَذَا الْمَجَالِ، قَبْلَ أَنْ يَنْخَرِطَ فِي مِهَنٍ مُتَعَدِّدَةٍ، مِنْهَا التَّدْرِيسُ وَكِتَابَةُ السِّينَارْيُوهَاتِ .

بَدَأَ مَسِيرَتَهُ الأَدَبِيَّةَ بِكِتَابَةِ الْقِصَصِ الْقَصِيرَةِ فِي سَبْعِينِيَّاتِ الْقَرْنِ الْعِشْرِينَ، وَسُرْعَانَ مَا حَصَلَ عَلَى جَوَائِزَ مَرْمُوقَةٍ، مِنْهَا جَائِزَتَا هُوغُو وَنِيبُولَا، مِمَّا أَكَّدَ مَوْهِبَتَهُ فِي أَدَبِ الْخَيَالِ الْعِلْمِيِّ .

وَلَكِنَّ شُهْرَتَهُ الْعَالَمِيَّةَ الْكُبْرَى تَحَقَّقَتْ مَعَ سِلْسِلَتِهِ الْمَلْحَمِيَّةِ

A Song of Ice and Fire، الَّتِي تَمْزِجُ بَيْنَ الْخَيَالِ وَالسِّيَاسَةِ وَالتَّارِيخِ، وَقَدْ تُرْجِمَتْ إِلَى عَدِيدٍ مِنَ اللُّغَاتِ، وَتَحَوَّلَتْ إِلَى الْمُسَلْسَلِ الشَّهِيرِ

Game of Thrones  الذِي حَقَّقَ نَجَاحًا عَالَمِيًّا بَاهِرًا .

فِي أُفُقِ التَّجْرِبَةِ الْإِبْدَاعِيَّةِ، يَكْتُبُ مَارْتِن بِأُسْلُوبٍ يَتَّسِمُ بِالتَّعْقِيدِ النَّفْسِيِّ وَالْوَاقِعِيَّةِ الْقَاسِيَةِ، حَيْثُ تَتَدَاخَلُ فِيهِ الشَّخْصِيَّاتُ وَالْمَصَائِرُ فِي نَسِيجٍ دِرَامِيٍّ مُحْكَمٍ، يَسْتَلْهِمُ التَّارِيخَ الأُورُوبِّيَّ، خَاصَّةً حُرُوبَ الْوُرُودِ، لِيُعِيدَ صِيَاغَتَهَا فِي عَالَمٍ خَيَالِيٍّ مُمْتَدٍّ .

وَقَدْ لُقِّبَ فِي بَعْضِ الأَوْسَاطِ النَّقْدِيَّةِ بِـ"تُولْكِينَ الْعَصْرِ الْحَدِيثِ"، لِقُدْرَتِهِ عَلَى بِنَاءِ عَوَالِمَ مُتَكَامِلَةٍ وَغَنِيَّةٍ بِالتَّفَاصِيلِ .

فِي كِتَابَاتِ George R. R. Martin، لَا نَقْرَأُ الْخَيَالَ كَهُرُوبٍ مِنَ الْوَاقِعِ، بَلْ كَكَشْفٍ عَمِيقٍ لَهُ.

إِنَّهُ يُعِيدُ تَشْكِيلَ التَّارِيخِ بِأَقْنِعَةٍ أُسْطُورِيَّةٍ، وَيَجْعَلُ مِنَ السُّلْطَةِ مَأْسَاةً إِنْسَانِيَّةً مُتَكَرِّرَةً.

هُنَا، لَا تَنْتَصِرُ الْمَمَالِكُ… بَلْ تَنْهَارُ الأَوْهَامُ.

وَلَا يَبْقَى فِي النِّهَايَةِ سِوَى صَوْتِ السَّارِدِ… يُعِيدُ كِتَابَةَ الْعَالَمِ مِنْ جَدِيدٍ.

تُعَدُّ رِوَايَةُ A Game of Thrones، الجُزْءَ الأَوَّلَ مِنْ سِلْسِلَةِ A Song of Ice and Fire، لِلرِّوَائِيِّ الأَمْرِيكِيِّ George R. R. Martin، نَصًّا مَلْحَمِيًّا يُعِيدُ تَشْكِيلَ الفَانْتَازْيَا عَلَى أُسُسٍ وَاقِعِيَّةٍ قَاسِيَةٍ، حَيْثُ لَا تَكُونُ السُّلْطَةُ حُلْمًا، بَلْ مَصِيرًا مَدْمُوغًا بِالدَّمِ.

فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، لَا يَكْتُبُ مَارْتِن حِكَايَةً عَنْ التَّنَانِينِ فَحَسْبُ، بَلْ يُشَيِّدُ عَالَمًا سِيَاسِيًّا مُعَقَّدًا، تُدِيرُهُ قُوَى الطَّمَعِ وَالْخِيَانَةِ. فَوِيسْتِرُوسُ لَيْسَتْ أَرْضًا خَيَالِيَّةً خَالِصَةً، بَلْ صُورَةٌ مُضَاعَفَةٌ لِتَارِيخٍ أُورُوبِّيٍّ مُثْقَلٍ بِالصِّرَاعَاتِ.

إِنَّهُ عَالَمٌ تَسُودُهُ الوَاقِعِيَّةُ السِّيَاسِيَّةُ، حَيْثُ تَتَحَوَّلُ الْمُثُلُ إِلَى أَقْنِعَةٍ، وَتُصْبِحُ الأَخْلَاقُ نِسْبِيَّةً، لَا ثَابِتَ فِيهَا إِلَّا مَنْطِقُ الْقُوَّةِ.

وَفِي هَذَا السِّيَاقِ، تَتَجَلَّى أَكْبَرُ فِكْرَةٍ تُؤَسِّسُ الرِّوَايَةَ:

السُّلْطَةُ لَا تُفْسِدُ الإِنْسَانَ فَحَسْبُ، بَلْ تَكْشِفُ مَا فِيهِ مِنْ عُرْيٍ دَاخِلِيٍّ.

يَعْتَمِدُ مَارْتِن عَلَى تَقْنِيَةِ تَعَدُّدِ وُجُهَاتِ النَّظَرِ، حَيْثُ تُرْوَى الأَحْدَاثُ مِنْ خِلَالِ شَخْصِيَّاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، لِتَتَشَكَّلَ حَقِيقَةٌ مُتَشَظِّيَةٌ، لَا تَمْتَلِكُ مَرْكَزًا وَاحِدًا.

وَقَدْ أَظْهَرَتْ الدِّرَاسَاتُ أَنَّ هَذِهِ الْبِنْيَةَ السَّرْدِيَّةَ تُحَاكِي شَبَكَاتٍ اجْتِمَاعِيَّةً حَقِيقِيَّةً فِي تَعْقِيدِهَا وَتَفَاعُلَاتِهَا، مِمَّا يُعَزِّزُ إِحْسَاسَ الْقَارِئِ بِوَاقِعِيَّةِ العَالَمِ الرِّوَائِيِّ .

وَلَا تَقِفُ الْمُفَاجَأَةُ عِنْدَ حُدُودِ السَّرْدِ، بَلْ تَمْتَدُّ إِلَى مَصَائِرِ الشَّخْصِيَّاتِ، حَيْثُ يُمْكِنُ أَنْ يَمُوتَ "الْبَطَلُ" فِي أَيِّ لَحْظَةٍ، فِي عَالَمٍ هُوبْزِيٍّ يَجْعَلُ الْحَيَاةَ "قَاسِيَةً وَقَصِيرَةً" .

رَغْمَ حُضُورِ السِّحْرِ وَالتَّنَانِينِ، فَإِنَّ مَارْتِن يُقَلِّصُ مِنْ حُضُورِ الْعُنْصُرِ الْفَانْتَازِيِّ، لِيَجْعَلَهُ مُحَاطًا بِالغُمُوضِ وَالنُّدْرَةِ، حَتَّى يَحْتَفِظَ بِهَيْبَتِهِ .

وَهُنَا تَتَجَلَّى فَلْسَفَةُ النَّصِّ:

لَيْسَ الْخَيَالُ هُوَ مَرْكَزَ العَالَمِ، بَلِ الإِنْسَانُ بِضَعْفِهِ وَشَرَهِهِ.

لَقَدْ أَشَادَ كَثِيرٌ مِنَ النُّقَّادِ بِقُدْرَةِ مَارْتِن عَلَى بِنَاءِ عَالَمٍ غَنِيٍّ وَمُتَشَعِّبٍ، وَبِمَهَارَتِهِ فِي تَصْوِيرِ شَخْصِيَّاتٍ مُعَقَّدَةٍ تَحْمِلُ أَصْوَاتًا مُخْتَلِفَةً .

وَلَكِنَّ نُقَّادًا آخَرِينَ رَأَوْا أَنَّ السَّرْدَ قَدْ يَتَّسِمُ بِالتَّشَعُّبِ الزَّائِدِ، وَأَنَّ اللُّغَةَ لَيْسَتْ شِعْرِيَّةً بِقَدْرِ مَا هِيَ وَصْفِيَّةٌ وَوَظِيفِيَّةٌ ، بَلْ إِنَّ بَعْضَ الآرَاءِ ذَهَبَتْ إِلَى اعْتِبَارِ النَّصِّ مُرْبِكًا وَمُتَشَعِّبًا لِحَدٍّ يُفْقِدُهُ تَمَاسُكَهُ .

فِي صِرَاعِ العُرُوش، لَا يَكُونُ الْعَرْشُ هُوَ الغَايَةَ، بَلْ الْمِحْنَةُ الَّتِي تَكْشِفُ وُجُوهَنَا الْخَفِيَّةَ.

إِنَّهَا رِوَايَةٌ تُجَرِّدُ الإِنْسَانَ مِنْ أَسْطُورَتِهِ، وَتُعِيدُهُ إِلَى حَقِيقَتِهِ الأُولَى:

كَائِنًا يَتَصَارَعُ لَا مِنْ أَجْلِ النَّجَاةِ فَقَطْ، بَلْ مِنْ أَجْلِ وَهْمِ السَّيْطَرَةِ.

هُنَا، يَنْهَارُ الشَّرَفُ أَمَامَ السَّيْفِ،

وَيَخْتَنِقُ الْحَقُّ فِي مَمَرَّاتِ القُصُورِ،

وَلَا يَبْقَى فِي النِّهَايَةِ إِلَّا صَوْتُ الرَّاوِي

يُؤَرِّخُ لِسُقُوطِ الإِنْسَانِ فِي أَعْمَاقِ نَفْسِهِ.

 


 


0 التعليقات: