الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، أبريل 16، 2026

دور النشر في المهجر تعبر بالأدب العربي نحو العالمية: إعداد عبده حقي


يبدو المشهد الأدبي العربي في المهجر وكأنه يستعيد صوته من جديد، لا باعتباره مجرد امتداد جغرافي للثقافة العربية، بل كفضاء إبداعي مستقل تتقاطع فيه الذاكرة مع المنفى، واللغة مع الترجمة، والهوية مع أسئلة الاندماج. وبين رفوف دور النشر في لندن ونيويورك وباريس، صدرت أعمال جديدة تعكس هذا القلق الجميل الذي يسكن الكاتب العربي خارج وطنه، وتؤكد أن الأدب لم يعد يُكتب داخل الحدود، بل على تخومها.

منفى الذاكرة… روايات تعيد تشكيل الوطن

من أبرز هذه الإصدارات رواية «مذكرات من وطن مفقود» (Notes from a Lost Country) للكاتب العراقي الأمريكي سنان أنطون، وهي عمل سردي يستعيد ذاكرة العراق من داخل المنفى الأمريكي عبر شخصية طبيب مسن يعاني من الخرف، فيمزج بين الذاكرة الفردية والتاريخ الجماعي في سردٍ حزين ومكثف. وقد صدرت الرواية عن دار «الساقي» (Saqi Books)، التي تُعد من أبرز دور النشر العربية في المهجر.

وفي السياق ذاته، صدرت مجموعة قصصية بعنوان «كهرمانة» (Kahramana) للكاتبة العراقية أنود، وهي مجموعة تستلهم حكايات نساء منفيّات، وتعيد بناء تجاربهن بين الحرب والاقتلاع والبحث عن هوية جديدة في فضاءات غريبة.

الأدب النسوي في المهجر… صوت يتصاعد

ويبرز في هذه الإصدارات أيضًا الحضور المتنامي للأدب النسوي العربي في المهجر، من خلال كتاب «المرأة المُهمَّشة» (The Othered Woman) للصحفية الليبية البريطانية شهد عزايضي، الذي يناقش صورة المرأة المسلمة في المجتمعات الغربية، وينتقد ما يُعرف بـ«النسوية البيضاء» (White Feminism) التي تتجاهل تجارب النساء العربيات والمسلمات.

كما صدر هذا الأسبوع كتاب «الحجاب وأحمر الشفاه» (Hijab and Red Lipstick) للكاتبة العربية المقيمة في لندن يسرى عمران، وهو عمل يجمع بين السيرة الذاتية والسرد الأدبي، ويعكس صراع الهوية بين الشرق والغرب داخل تجربة نسوية معاصرة تبحث عن التوازن بين الانتماء والتحرر.

الرواية التاريخية والخيال… استعادة الماضي من الخارج

وفي اتجاه آخر، صدرت رواية «كليوباترا» (Cleopatra) للكاتبة البريطانية من أصل سوداني سارة العريفي، حيث تعيد تقديم هذه الشخصية التاريخية الشهيرة من منظور معاصر، يحررها من الصور النمطية الغربية ويعيد ربطها بجذورها الإفريقية والعربية.

كما ظهرت رواية «عائشة» (Aicha) للكاتبة المغربية الفرنسية صورية بوعزة، التي تمزج بين التاريخ والخيال، وتستحضر مقاومة مغربية ضد الاستعمار البرتغالي من زاوية نسوية بطولية، تعيد الاعتبار لدور المرأة في السرد التاريخي.

الأدب العربي المترجم… عبور اللغة نحو العالمية

وفي سياق موازٍ، تتواصل حركة ترجمة الأدب العربي في المهجر، حيث أُعلن عن صدور طبعات جديدة لأعمال عربية مترجمة ضمن مشروع «الأدب العربي في الترجمة» (Arabic Literature in Translation)، وهو مشروع يسعى إلى نقل النصوص العربية إلى اللغات العالمية، وفتحها أمام جمهور أوسع.

كما تم إطلاق كتيّب خاص بعنوان «كتاب المقتطفات لعام 2026» (Book of Extracts 2026)، يضم مقتطفات من الروايات المرشحة للجائزة العالمية للرواية العربية، مما يمنح القارئ الأجنبي فرصة للاطلاع المبكر على أبرز الأصوات السردية العربية.

خاتمة: المهجر كأفق جديد للكتابة العربية

تكشف هذه الإصدارات أن الأدب العربي في المهجر لم يعد مجرد أدب حنين، بل أصبح مختبرًا سرديًا يعيد تعريف العلاقة بين الكاتب واللغة والوطن. فالكاتب العربي في الخارج لا يكتب فقط عن المنفى، بل يكتب من داخله، ومن خلاله، وباسمه أحيانًا.

إنها كتابة تتجاوز الجغرافيا، وتحول الغربة إلى مادة جمالية، وتعيد صياغة الهوية العربية في سياق عالمي مفتوح. ومع كل إصدار جديد، يثبت الأدب العربي أنه قادر على عبور الحدود، لا بوصفه ضيفًا على الثقافات الأخرى، بل كشريك في تشكيلها.


0 التعليقات: