شهد Institut du monde arabe خلال الأسبوع الماضي دينامية ثقافية لافتة، تمحورت أساساً حول السينما العربية، والنقاشات الفكرية، والعروض الفنية، في إطار برنامج غني يعكس انشغال المؤسسة بقضايا الذاكرة والهوية والتعبير الفني المعاصر.
“La Guerre dans le cinéma du Moyen-Orient” – الحرب في سينما الشرق الأوسط
شكّلت هذه الندوة (19 أبريل 2026) محوراً فكرياً أساسياً، حيث جمعت مخرجين وباحثين لمناقشة تمثلات الحرب في السينما العربية، ضمن تكريم خاص لمبادرة “Nadi Lekol Nas”. وقد تناول النقاش كيفية توثيق الصراعات في الشرق الأوسط عبر الصورة السينمائية، ودور الفيلم الوثائقي في حفظ الذاكرة الجماعية.
تحليل هذا النشاط يكشف أن السينما العربية لم تعد مجرد وسيلة سرد، بل تحولت إلى أداة مقاومة معرفية. فالأفلام التي تناولت الحرب لم تعد تبحث فقط عن نقل الحدث، بل عن تفكيكه وتأويله إنسانياً. كما أن طرح هذا الموضوع داخل مؤسسة ثقافية أوروبية يعكس اعترافاً متزايداً بأهمية الصوت العربي في كتابة تاريخ المنطقة بصرياً.
عروض تكريمية لرواد السينما العربية (Maï Masri وJean Chamoun وغيرهما)
ضمن نفس البرنامج، احتضن المعهد سلسلة عروض سينمائية لأفلام مخرجين بارزين مثل ماي مصري وجان شمعون، حيث تم عرض أعمال مثل Rêves d’exil وTerre de femmes التي توثق معاناة الإنسان العربي في سياقات النزاع والهجرة.
هذه العروض تمثل استعادة لذاكرة سينمائية مهددة بالنسيان، خصوصاً في ظل التحولات الرقمية التي تطغى على الإنتاج الحالي. كما تعكس اهتماماً متزايداً بالأرشيف السينمائي العربي، ليس فقط كتراث فني، بل كوثيقة تاريخية. وهنا يظهر المعهد كجسر بين الماضي والحاضر، يعيد تقديم هذه الأعمال لجمهور جديد.
“Quelles dynamiques à l'œuvre pour sauvegarder le patrimoine cinématographique libanais ?”
نُظمت هذه الندوة (18 أبريل 2026) حول سبل حماية التراث السينمائي اللبناني، في سياق تكريم السينما العربية، حيث ناقش المتدخلون تحديات الأرشفة، والتدمير الناتج عن الحروب، وضعف الإمكانيات التقنية للحفاظ على الأفلام القديمة.
تحليل هذا الحدث يكشف أزمة حقيقية في العالم العربي تتعلق بحفظ الذاكرة البصرية. فالكثير من الأفلام مهدد بالاندثار بسبب غياب سياسات ثقافية واضحة. وفي المقابل، يعكس تنظيم هذه الندوة وعياً متزايداً بضرورة إنقاذ هذا التراث، وربطه بالهوية الوطنية والذاكرة الجماعية.
عروض أفلام تكريمية لرواد مثل Borhane Alaouié وHeiny Srour
احتفى المعهد أيضاً بمخرجين بارزين من خلال عروض لأفلام وثائقية كلاسيكية، مثل أعمال برهان علوية وهيني سرور، التي تعود إلى سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وتوثق لحظات مفصلية من تاريخ المنطقة.
هذه العروض تعيد الاعتبار للسينما الوثائقية كفن نقدي، قادر على كشف زوايا مهملة من التاريخ العربي. كما أنها تطرح سؤالاً حول استمرارية هذا النوع السينمائي في ظل هيمنة الإنتاج التجاري. ومن خلال هذا التكريم، يكرّس المعهد دور السينما كأرشيف حيّ للذاكرة العربية.
“Soirée IMA Comedy Club” – الكوميديا كأداة تعبير معاصر
بعيداً عن الطابع الجاد للسينما والنقاشات، احتضن المعهد عرضاً كوميدياً (15 أبريل 2026) جمع عدداً من الكوميديين الشباب في فضاء تفاعلي يعكس تنوع المجتمع الفرنسي والعربي.
هذا النشاط يبرز تحوّل الكوميديا إلى وسيلة نقد اجتماعي، حيث يستخدم الفنانون السخرية لمساءلة قضايا الهوية والاندماج والاختلاف الثقافي. كما يعكس هذا التوجه انفتاح المعهد على أشكال فنية جديدة، تتجاوز النخبوية نحو جمهور أوسع وأكثر تنوعاً.
خلاصة تحليلية
تكشف حصيلة هذا الأسبوع في Institut du monde arabe عن ثلاثة اتجاهات كبرى:
- السينما كذاكرة: من خلال تكريم الرواد وعرض الأفلام الوثائقية
- الثقافة كحوار: عبر الندوات التي تناقش الحرب والهوية والتراث
- الفن كحياة يومية: من خلال عروض الكوميديا والانفتاح على الجمهور
إن ما يقدمه المعهد ليس مجرد برنامج ثقافي، بل مشروع لإعادة بناء العلاقة بين الفن والتاريخ والإنسان. ففي زمن تتسارع فيه الصور، يصرّ هذا الفضاء الثقافي على التمهّل… وعلى إعادة قراءة العالم من خلال عدسة عربية متعددة الأصوات.







0 التعليقات:
إرسال تعليق