الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، أبريل 23، 2026

محنة الكتب الممنوعة اليوم مع رواية "آيات شيطانية " ملف من إعداد عبده حقي


فِي المَسافَةِ المُلتَبِسَةِ بَيْنَ الإِبْداعِ وَالِاقْتِحامِ، بَيْنَ حُرِّيَّةِ التَّعْبِيرِ وَحُدودِ الِاحْتِرامِ، تَقِفُ رِوايَةُ آياتِ شَيْطانِيَّةٍ لِلرِّوائِيِّ سلمان رشدي بَوْصْفِها واحِدَةً مِنْ أَكْثَرِ النُّصوصِ الأَدَبِيَّةِ إِثارَةً لِلجَدَلِ فِي التَّارِيخِ المُعاصِرِ. لَيْسَتْ مُجَرَّدَ عَمَلٍ رِوائِيٍّ كُتِبَ فِي أَواخِرِ القَرْنِ العِشْرِينَ، بَلْ هِيَ لَحْظَةُ انْفِجارٍ رَمْزِيٍّ أَعادَتْ طَرْحَ أَسْئِلَةٍ قَدِيمَةٍ بِصِيغَةٍ جَدِيدَةٍ: ما الَّذِي يَجوزُ لِلأَدَبِ أَنْ يَقْتَرِبَ مِنْهُ؟ وَما الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَظَلَّ خارِجَ مَنْطِقَةِ اللَّعِبِ السَّرْدِيِّ؟

لَقَدْ كَتَبَ سلمان رشدي رِوايَتَهُ وَهُوَ يَتَحَرَّكُ داخِلَ تَقالِيدَ سَرْدِيَّةٍ غَرْبِيَّةٍ تُبِيحُ إِعادَةَ كِتابَةِ الأَساطِيرِ وَالتَّارِيخِ الدِّينِيِّ بَوْصْفِهِ مادَّةً تَخْيِيلِيَّةً. غَيْرَ أَنَّ الإِشْكالَ لا يَكْمُنُ فَقَطْ فِي “الحَقِّ” فِي التَّخْيِيلِ، بَلْ فِي طَبِيعَةِ المادَّةِ الَّتِي تَمَّ تَحْوِيلُها إِلى لُعْبَةٍ لُغَوِيَّةٍ. فَحِينَ يُصْبِحُ المُقَدَّسُ مَوْضوعًا لِلسُّخْرِيَةِ أَوِ التَّفْكِيكِ الجَرِيءِ، فَإِنَّ النَّصَّ لا يَعودُ مُجَرَّدَ نَصٍّ، بَلْ يَتَحَوَّلُ إِلى فِعْلٍ رَمْزِيٍّ لَهُ تَبِعاتُهُ الثَّقافِيَّةُ وَالوِجْدانِيَّةُ العَمِيقَةُ.

الرِّوايَةُ، فِي بِنْيَتِها العامَّةِ، تَبْدو كَأَنَّها تَسْتَنِدُ إِلى تَقْنِيّاتِ “الواقِعِيَّةِ السِّحْرِيَّةِ”، حَيْثُ تَتَداخَلُ الأَزْمِنَةُ، وَتَتَشَظَّى الهُوِيّاتُ، وَتَتَحَوَّلُ الشَّخْصِيّاتُ إِلى مَرايا مُتَكَسِّرَةٍ تَعْكِسُ عالَمًا فَقَدَ مَرْكَزَهُ. غَيْرَ أَنَّ هَذا البِناءَ الفَنِّيَّ المُعَقَّدَ يُخْفِي فِي عُمْقِهِ اسْتِراتِيجِيَّةً أَكْثَرَ خُطورَةً: إِعادَةَ تَشْكِيلِ سَرْدِيّاتٍ دِينِيَّةٍ حَسّاسَةٍ داخِلَ إِطارٍ تَهَكُّمِيٍّ. وَهُنا يَبْدَأُ التَّوَتُّرُ الحَقِيقِيُّ.

فِي أَحَدِ أَبْرَزِ مَحاوِرِ الرِّوايَةِ، يُعِيدُ رَشْدِي تَوْظِيفَ ما يُعْرَفُ فِي بَعْضِ المَصادِرِ التَّارِيخِيَّةِ المُثِيرَةِ لِلجَدَلِ بِـ”قِصَّةِ الغَرانيقِ”، وَهِيَ رِوايَةٌ ضَعِيفَةُ السَّنَدِ وَمَرْفُوضَةٌ عِنْدَ جُمْهورِ عُلَماءِ المُسْلِمِينَ، تَتَحَدَّثُ عَنْ إِمْكانِيَّةِ وُقوعِ الِالْتِباسٍ فِي لَحْظَةِ الوَحْيِ. لَكِنَّ الخَطِيرَ فِي العَمَلِ الرِّوائِيِّ لَيْسَ مُجَرَّدَ الإِشارَةِ إِلى هَذِهِ الرِّوايَةِ، بَلْ تَحْوِيلُها إِلى لَبِنَةٍ سَرْدِيَّةٍ مَرْكَزِيَّةٍ، تُقَدَّمُ داخِلَ سِياقٍ تَخْيِيلِيٍّ يُوحِي بِإِمْكانِيَّةِ اخْتِلاطِ الإِلَهِيِّ بِالبَشَرِيِّ، وَالنَّبَوِيِّ بِالشَّيْطانِيِّ.

هَذا التَّحْوِيلُ لَيْسَ بَرِيئًا مِنَ النَّاحِيَةِ الدِّلالِيَّةِ، بَلْ إِنَّهُ يَنْقُلُ فِكْرَةً شَدِيدَةَ الحَسَاسِيَّةِ مِنْ هامِشِ الجَدَلِ التَّارِيخِيِّ إِلى مَرْكَزِ المُتَخَيَّلِ الأَدَبِيِّ، وَيَمْنَحُها حَياةً جَدِيدَةً داخِلَ نَصٍّ يُقْرَأُ عَلى نِطاقٍ عالَمِيٍّ. وَبِذلِكَ تَتَحَوَّلُ فَرْضِيَّةٌ مَرْفُوضَةٌ دِينِيًّا إِلى عُنْصُرٍ فَنِّيٍّ، وَيُعادُ إِنْتاجُها فِي قالِبٍ ساخِرٍ أَحْيانًا، وَمُبْهَمٍ أَحْيانًا أُخْرَى، لَكِنَّها فِي كُلِّ الحَالاتِ تَمَسُّ جَوْهَرَ العَقِيدَةِ الإِسْلامِيَّةِ القائِمَةِ عَلى نَقاءِ الوَحْيِ وَعِصْمَتِهِ.

وَلَعَلَّ أَكْثَرَ ما يُثِيرُ القَلَقَ فِي هَذا العَمَلِ هُوَ الطَّرِيقَةُ الَّتِي تُعادُ بِها صِياغَةُ بَعْضِ الشَّخْصِيّاتِ الدِّينِيَّةِ فِي صُورَةٍ كارِيكاتُورِيَّةٍ مُبَطَّنَةٍ. فَالنَّصُّ لا يَكْتَفِي بِإِعادَةِ سَرْدِ الوَقائِعِ، بَلْ يَعْمِدُ إِلى تَشْوِيهِها عَبْرَ لُغَةٍ مُزْدَوِجَةٍ، تُوحِي وَلا تُصَرِّحُ، تُلَمِّحُ وَلا تُثْبِتُ، لَكِنَّها فِي النِّهايَةِ تَتْرُكُ أَثَرًا واضِحًا: زَعْزَعَةَ صُورَةِ المُقَدَّسِ فِي ذِهْنِ القارِئِ.

إِنَّ هَذا الأُسْلوبَ القائِمَ عَلى “الإِيحاءِ السّاخِرِ” يَطْرَحُ إِشْكالِيَّةً أَخْلاقِيَّةً عَمِيقَةً. فَهَلْ يُمْكِنُ اعْتِبارُ كُلِّ إِعادَةِ تَخْيِيلٍ مَشْروعَةً؟ وَهَلْ يَمْلِكُ الكاتِبُ الحَقَّ فِي تَحْوِيلِ رُموزٍ دِينِيَّةٍ مَرْكَزِيَّةٍ إِلى مادَّةٍ لِلتَّجْرِيبِ السَّرْدِيِّ، حَتَّى وَلَوْ أَدَّى ذلِكَ إِلى جَرْحِ شُعورِ مَلايِينِ المُؤْمِنِينَ؟

إِنَّ المُدافِعِينَ عَنِ الرِّوايَةِ يَسْتَنِدُونَ غالِبًا إِلى مَبْدَإِ حُرِّيَّةِ التَّعْبِيرِ، وَيَعْتَبِرُونَ العَمَلَ جُزْءًا مِنْ تَقْلِيدٍ أَدَبِيٍّ طَوِيلٍ يَقومُ عَلى مُساءَلَةِ المُقَدَّساتِ. غَيْرَ أَنَّ هَذا الدِّفاعَ، رَغْمَ وُجاهَتِهِ فِي سِياقاتٍ مُعَيَّنَةٍ، يَتَجاهَلُ حَقِيقَةً أَساسِيَّةً: أَنَّ الحُرِّيَّةَ، فِي بُعْدِها الإِنْسانِيِّ العَمِيقِ، لا تَنْفَصِلُ عَنِ المَسْؤُولِيَّةِ. فَالكَلِمَةُ، مَهْما بَدَتْ مُجَرَّدَةً، تَظَلُّ فِعْلًا يُؤَثِّرُ فِي الآخَرِينَ، وَقَدْ تَتَحَوَّلُ إِلى أَداةِ اسْتِفْزازٍ أَوْ إِقْصاءٍ أَوْ حَتَّى عُنْفٍ رَمْزِيٍّ.

فِي هَذا السِّياقِ، تَبْدو “آياتُ شَيْطانِيَّةٍ” أَقْرَبَ إِلى تَجْرِبَةٍ أَدَبِيَّةٍ تَقومُ عَلى الصَّدْمَةِ أَكْثَرَ مِمَّا تَقومُ عَلى الإِضافَةِ المَعْرِفِيَّةِ. فَالنَّصُّ لا يَسْعى إِلى فَتْحِ نِقاشٍ هادِئٍ حَوْلَ الدِّينِ، بَلْ يَعْتَمِدُ عَلى تَفْكِيكٍ صادِمٍ يَخْلِطُ بَيْنَ السُّخْرِيَةِ وَالرَّمْزِ، بَيْنَ النَّقْدِ وَالهِجاءِ. وَهَذا الخَلْطُ، بَدَلًا مِنْ أَنْ يُثْرِيَ الحِوارَ، يُؤَدِّي إِلى تَعْميقِ الهُوَّةِ بَيْنَ الثَّقافاتِ.

وَمِنْ مَنْظورٍ نَقْدِيٍّ أَعْمَقَ، يُمْكِنُ القَوْلُ إِنَّ الرِّوايَةَ تَعانِي مِنْ مُفارَقَةٍ أَساسِيَّةٍ: فَهِيَ تَسْتَخْدِمُ أَدَواتٍ فَنِّيَّةً مُتَقَدِّمَةً، لَكِنَّها تُوَظِّفُها فِي خِدْمَةِ رُؤْيَةٍ إِشْكالِيَّةٍ تَقومُ عَلى تَقْوِيضِ الثَّوابِتِ بَدَلَ مُساءَلَتِها بِشَكْلٍ بَنّاءٍ. فَالفَرْقُ كَبِيرٌ بَيْنَ نَقْدٍ يَسْعى إِلى الفَهْمِ، وَنَقْدٍ يَكْتَفِي بِالهَدْمِ.

إِنَّ الأَدَبَ، فِي جَوْهَرِهِ، لَيْسَ مُجَرَّدَ لُعْبَةٍ شَكْلِيَّةٍ، بَلْ هُوَ فِعْلٌ إِنْسانِيٌّ يُسْهِمُ فِي تَشْكِيلِ الوَعْيِ. وَحِينَ يَفْقِدُ هَذا البُعْدَ، يَتَحَوَّلُ إِلى مُجَرَّدِ اسْتِعْراضٍ تِقْنِيٍّ، أَوْ إِلى اسْتِفْزازٍ مَجَّانِيٍّ. وَفِي حالَةِ “آياتِ شَيْطانِيَّةٍ”، يَبْدو أَنَّ الرَّغْبَةَ فِي إِثارَةِ الجَدَلِ طَغَتْ عَلى الرَّغْبَةِ فِي بِنَاءِ مَعْنًى مُتَماسِكٍ.

فِي النِّهايَةِ، تَظَلُّ هَذِهِ الرِّوايَةُ عَلامَةً فارِقَةً، لا لأَنَّها قَدَّمَتْ إِضافَةً جَمالِيَّةً حاسِمَةً، بَلْ لأَنَّها كَشَفَتْ هَشاشَةَ التَّوازُنِ بَيْنَ الحُرِّيَّةِ وَالِاحْتِرامِ، بَيْنَ الجُرْأَةِ وَالمَسْؤُولِيَّةِ. إِنَّها تَذْكِيرٌ بِأَنَّ الأَدَبَ، مَهْما ادَّعَى الِاسْتِقْلالَ، يَظَلُّ مُرْتَبِطًا بِسِياقاتٍ ثَقافِيَّةٍ لا يُمْكِنُ تَجاهُلُها، وَأَنَّ الكَلِمَةَ، مَهْما بَدَتْ عابِرَةً، قَدْ تَتْرُكُ جُروحًا لا تَنْدَمِلُ بِسُهُولَةٍ.





0 التعليقات: