تتقدمُ الكتابةُ الرقميةُ اليومَ بخطواتٍ متسارعةٍ داخلَ خرائطِ الثقافةِ العالمية، ولم تَعُدِ الروايةُ الإلكترونيةُ أو القصيدةُ التفاعليةُ مجردَ تجاربَ هامشيةٍ تُعرضُ داخلَ مختبراتِ الجامعاتِ أو مهرجاناتِ الفنونِ الجديدة، بل أصبحتْ جزءًا من التحولاتِ الكبرى التي يعيشها الأدبُ المعاصرُ في علاقتهِ بالشاشةِ والخوارزميةِ والذكاءِ الاصطناعيِّ والواقعِ الافتراضيِّ. وخلالَ الأسبوعِ الماضي، ظهرتْ مجموعةٌ من الأخبارِ والإصداراتِ والملتقياتِ التي تؤكدُ أنَّ الأدبَ الرقميَّ يتحولُ تدريجيًا إلى لغةٍ ثقافيةٍ عالميةٍ جديدة، تمتدُّ من المغربِ إلى المشرقِ العربيِّ، ومن أوروبا إلى شرقِ آسيا وأمريكا، حيثُ تتقاطعُ الروايةُ مع البرمجة، ويجاورُ الشعرُ الذكاءَ الاصطناعيَّ، وتصبحُ الشاشةُ فضاءً لإعادةِ اختراعِ الخيالِ الإنسانيِّ.
في المغرب، برزَ خبرُ صدورِ كتابٍ جديدٍ للمفكرِ المغربيِّ Abdessamad Fatmi عبدالصمد فطمي بعنوان “The Dawn of Artificial General Intelligence: Genesis and Implications for the Arab World” أي “فجرُ الذكاءِ الاصطناعيِّ العام: النشأةُ والتداعياتُ على العالمِ العربي”، وهو عملٌ فكريٌّ مزدوجُ اللغةِ يقتربُ من أسئلةِ الذكاءِ الاصطناعيِّ وعلاقتهِ بالثقافةِ العربيةِ والكتابةِ المستقبليةِ. وقد اعتبرتْ الصحافةُ المغربيةُ هذا الإصدارَ محاولةً لربطِ التحولاتِ التقنيةِ بالوعيِ الثقافيِّ العربيِّ، خصوصًا في ظلِّ توسعِ حضورِ الأدبِ الرقميِّ داخلَ الجامعاتِ والمنصاتِ الجديدة.
كما شهدتِ الرباطُ خلالَ الأيامِ الماضيةِ استمرارَ النقاشاتِ الثقافيةِ المرتبطةِ باختيارِ المدينةِ عاصمةً عالميةً للكتابِ لسنةِ 2026، وهو اختيارٌ أعادَ الاهتمامَ بمستقبلِ النشرِ الرقميِّ والقراءةِ الإلكترونيةِ داخلَ المغرب.
وفي العالمِ العربيِّ، بدا واضحًا أنَّ الروايةَ العربيةَ تدخلُ مرحلةً جديدةً من العبورِ نحوِ الفضاءِ الرقميِّ والترجمةِ الإلكترونيةِ العالمية. فقد نشرَ موقعُ ArabLit قائمةً موسعةً بالإصداراتِ العربيةِ الجديدةِ المترجمةِ إلى الإنجليزيةِ خلالَ سنةِ 2026، وتتضمنُ أعمالًا سرديةً تستثمرُ موضوعاتِ المنفى والهويةِ والرقابةِ الرقميةِ والهجرةِ النفسيةِ داخلَ المجتمعاتِ المعاصرة.
ومن بينِ أكثرِ الأخبارِ إثارةً للانتباهِ ظهورُ مراجعاتٍ جديدةٍ لرواية “Al-Barrah” أي “البرّاح”، التي وُصفتْ بأنها أولُ روايةٍ عربيةٍ تعتمدُ الذكاءَ الاصطناعيَّ وتقنياتِ الواقعِ المعززِ، إذْ تجمعُ بينَ الكتابِ الورقيِّ وتطبيقٍ إلكترونيٍّ يتيحُ للقارئِ التفاعلَ معَ المحتوى عبرَ الهاتفِ الذكيِّ والهولوغراماتِ الرقمية.
هذا النوعُ من الكتابةِ لم يعدْ مجردَ لعبةٍ تقنية، بل صارَ إعلانًا عن ولادةِ قارئٍ جديدٍ يلمسُ النصَّ ويتحاورُ معهُ ويتنقلُ داخلَ طبقاتهِ البصريةِ والصوتيةِ مثلَ متاهةٍ سرديةٍ حيّة.
وفي أوروبا، استمرَّتْ المؤسساتُ الثقافيةُ الكبرى في توسيعِ اهتمامها بالأدبِ الإلكترونيِّ والكتابةِ التفاعلية. فقد أعلنتْ Electronic Literature Organization تمديدَ بابِ المشاركةِ في مؤتمرِ “ELO 2026” أي مؤتمرِ “منظمةِ الأدبِ الإلكترونيِّ”، وهو أحدُ أهمِّ الملتقياتِ العالميةِ المتخصصةِ في الأدبِ الرقميِّ، ويجمعُ سنويًا كتّابًا ومبرمجينَ وفنانينَ وباحثينَ من مختلفِ القارات.
وفي بريطانيا، تحوّلَ European Writers' Festival “مهرجانُ الكتّابِ الأوروبيين” إلى منصةٍ لمناقشةِ مستقبلِ الكتابةِ الرقميةِ والذكاءِ الاصطناعيِّ داخلَ صناعةِ النشرِ الأوروبية.
كما احتضنتْ أوروبا خلالَ الأيامِ الماضيةِ فعالياتِ “Digital Storytelling Festival” أي “مهرجانِ السردِ الرقمي”، الذي ناقشَ استعمالَ تقنياتِ الواقعِ الافتراضيِّ لإعادةِ تخييلِ الشعرِ والذاكرةِ الأدبيةِ والأمكنةِ الثقافيةِ القديمة.
أما في شرقِ آسيا، فقد واصلَ الأدبُ الرقميُّ تمددهُ داخلَ الجامعاتِ ومختبراتِ الذكاءِ الاصطناعيِّ. ففي الصين، أُعلنَ عن تنظيمِ مؤتمرِ “AIDH 2026” أي “المؤتمرِ الدوليِّ للذكاءِ الاصطناعيِّ والعلومِ الإنسانيةِ الرقمية”، وهو مؤتمرٌ يربطُ بينَ البرمجةِ والفنونِ والآدابِ الرقميةِ.
وفي سنغافورة، سلطتِ الصحافةُ الثقافيةُ الضوء على مشاريعَ أدبيةٍ جديدةٍ تمزجُ بينَ ألعابِ الفيديو والسردِ التفاعليِّ داخلَ ما يعرفُ بالأدبِ السنغافوريِّ الرقمي.
كما شهدتْ هونغ كونغ تنظيمَ “European Literature Night” أي “ليلةِ الأدبِ الأوروبيِّ”، التي استثمرتِ الفضاءاتِ الرقميةَ والتفاعليةَ لخلقِ قراءاتٍ متعددةِ اللغاتِ داخلَ المدينة.
وفي الولاياتِ المتحدةِ الأمريكية، تتواصلُ النقاشاتُ الكبرى حولَ علاقةِ الذكاءِ الاصطناعيِّ بالأدبِ والخيالِ والسردِ الإنساني. فقد نشرتْ دورياتٌ أكاديميةٌ أمريكيةٌ دراساتٍ جديدةً حولَ أثرِ الرواياتِ على تدريبِ النماذجِ اللغويةِ الضخمةِ، معتبرةً أنَّ الروايةَ أصبحتْ وقودًا خفيًا للخوارزمياتِ الحديثة.
كما ظهرتْ أبحاثٌ جديدةٌ حولَ “الشاعرِ الرقميِّ” الذي جرى تدريبُهُ داخلَ ورشاتٍ أدبيةٍ طويلةٍ إلى أنْ أصبحَ قادرًا على إنتاجِ قصائدَ يصعبُ تمييزُها عن النصوصِ البشرية.
وفي المجلاتِ المتخصصةِ بالأدبِ الإلكترونيِّ مثلَ The New River تواصلُ النصوصُ الرقميةُ الجديدةُ اقتراحَ أشكالٍ هجينةٍ تجمعُ بينَ الصورةِ والبرمجةِ والصوتِ والشعرِ التفاعليِّ.
إنَّ ما يلفتُ الانتباهَ في هذه الحصيلةِ العالميةِ ليسَ فقط كثافةُ الإصداراتِ الرقميةِ، بل التحولُ العميقُ في مفهومِ “المؤلف” نفسِه. فالكاتبُ لم يَعُدْ ذلكَ الكائنَ المنعزلَ خلفَ الورقةِ البيضاء، بل صارَ مخرجًا بصريًا ومهندسَ تفاعلاتٍ رقميةٍ ومصممَ عوالمَ افتراضية. وحتى القارئُ لم يَعُدْ قارئًا تقليديًا، بل أصبحَ شريكًا داخلَ اللعبةِ السرديةِ الجديدة. إننا أمامَ أدبٍ يتحركُ مثلَ كائنٍ إلكترونيٍّ حيٍّ، تتداخلُ فيهِ الخوارزميةُ معَ الحلم، والصوتُ معَ الصورة، والذاكرةُ معَ الواقعِ المعزز.
لقد كانَ الأدبُ عبرَ القرونِ مرآةً للإنسانِ، أما اليومَ فإنهُ يتحولُ شيئًا فشيئًا إلى مرآةٍ للشاشةِ أيضًا. وبينَ المغربِ والعالمِ العربيِّ وأوروبا وشرقِ آسيا وأمريكا، يبدو أنَّ الأدبَ الرقميَّ لم يَعُدْ مجردَ موجةٍ عابرة، بل أصبحَ قدرًا ثقافيًا جديدًا يعيدُ صياغةَ معنى القراءةِ والكتابةِ والخيالِ معًا. وربما كانتْ هذهِ التحولاتُ كلُّها إعلانًا مبكرًا عن ميلادِ مكتبةٍ عالميةٍ جديدةٍ، لا تُفتحُ أبوابُها بالمفاتيحِ القديمة، بل باللمسِ والنقرِ والضوءِ والخوارزمية.








0 التعليقات:
إرسال تعليق