الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، مايو 10، 2026

السينما الإفريقيةُ تصعدُ من رمادِ التهميشِ البصري: عبده حقي

 


في الأسبوع الماضي بدا العالم وكأنه يجلس داخل قاعة سينما عملاقة تتغير فيها المشاهد بسرعة مذهلة، بينما يواصل الإنسان المعاصر البحث عن نفسه وسط الضجيج البصري المتصاعد. فمن المغرب إلى هوليوود، ومن القاهرة إلى بروكسيل، ومن داكار إلى مهرجان كان، لم تعد السينما مجرد صناعة للترفيه أو وسيلة للهروب المؤقت من قسوة الحياة اليومية، بل تحولت إلى جهاز حساس يلتقط اهتزازات العالم الروحية والسياسية والثقافية. وقد كشفت حصيلة الأيام الأخيرة أن الفن السابع ما يزال قادرا على مقاومة التوحش الرقمي الذي يهدد الخيال الإنساني، وأن الشاشة الكبيرة، رغم منافسة المنصات الذكية والهواتف الصغيرة، ما تزال تحتفظ بسحرها القديم الذي يجعل البشر يجتمعون في الظلام لمشاهدة أحلامهم وهي تتحرك أمامهم.

في المغرب، استمر الحراك السينمائي في إرسال إشارات واضحة على أن السينما المغربية بدأت تتحرر تدريجيا من عقدة الهامش. فقد أعلنت عدة وسائل إعلام وطنية عن استعداد قوي للحضور المغربي في الدورة الجديدة من مهرجان كان السينمائي، سواء عبر الأفلام المختارة أو من خلال مشاركة المنتجين والمؤسسات السينمائية المغربية داخل سوق الفيلم الدولي. بدا الأمر وكأن المغرب لا يريد فقط أن يشارك في التظاهرات الكبرى، بل يسعى إلى أن يصبح جزءا من خريطة الصناعة السينمائية العالمية نفسها.
الرابط:
مهرجان كان والسينما المغربية

وفي خريبكة، عاد المهرجان الدولي للسينما الإفريقية ليؤكد مرة أخرى أن المغرب لم يعد مجرد فضاء لعبور الأفلام الإفريقية، بل صار واحدا من أهم مختبراتها الثقافية. مشاركة ثلاثة مخرجين مغاربة في المسابقة الرسمية للأفلام الطويلة لم تكن مجرد خبر عابر، بل كانت دليلا إضافيا على أن السينما المغربية بدأت تنصت أكثر إلى عمقها الإفريقي، بعيدا عن المركزية الأوروبية التقليدية التي ظلت طويلا تحدد معايير الاعتراف والنجاح.

وفي العالم العربي، كان واضحا أن السينما بدأت تستعيد تدريجيا صوتها النقدي بعد سنوات طويلة من الاستهلاك التجاري المفرط. فقد أعادت مصر افتتاح جناحها داخل سوق مهرجان كان، في خطوة تحمل أكثر من دلالة رمزية. فالقاهرة، التي كانت ذات يوم هوليوود الشرق، تحاول اليوم استعادة موقعها داخل الصناعة السينمائية العربية والدولية. ولم يعد الأمر مرتبطا فقط بإنتاج الأفلام، بل أيضا بخلق شراكات جديدة مع منصات التوزيع العالمية وشركات البث الرقمي.

وفي الوقت نفسه، كشفت الترشيحات السينمائية العربية الجديدة عن عودة قوية للأفلام ذات النفس السياسي والاجتماعي، خصوصا الأعمال الفلسطينية والمغربية والمصرية التي تحاول مساءلة الواقع العربي المأزوم بلغة جمالية جديدة. لقد صار المخرج العربي اليوم أقل خوفا من الاقتراب من الجرح، وأكثر رغبة في تحويل الألم الجماعي إلى صور وأسئلة مفتوحة على التأويل.

أما إفريقيا، فقد واصلت إثبات أنها القارة الأكثر عطشا للحكايات الجديدة. الاحتفاء بالمخرج المصري الراحل يوسف شاهين داخل مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية لم يكن مجرد تكريم لاسم كبير، بل بدا كأنه محاولة لإعادة اكتشاف سينما عربية وإفريقية كانت سباقة إلى طرح أسئلة الهوية والحرية والمنفى قبل عقود طويلة من انفجار النقاشات الحالية حول الاستعمار والذاكرة.

وفي نيجيريا والسنغال وتونس، بدأت الصحافة الفنية الإفريقية تتحدث بحماس عن موجة جديدة من الأفلام التي تتجاوز الصورة النمطية القديمة عن إفريقيا باعتبارها مجرد فضاء للفقر والحروب. لقد صارت الكاميرا الإفريقية أكثر جرأة في الاقتراب من الحياة اليومية ومن التحولات النفسية العميقة التي يعيشها الإنسان الإفريقي المعاصر وسط صعود المدن العملاقة والهجرة الرقمية والاختلالات الاجتماعية الجديدة.

وفي الاتحاد الأوروبي، بدا القلق واضحا داخل الأوساط السينمائية بسبب النقاشات الجديدة حول مستقبل تمويل الأفلام. فقد وقع آلاف السينمائيين الأوروبيين رسالة مفتوحة تحذر من تقليص الدعم العمومي الموجه لسينما المؤلف، معتبرين أن السوق الحرة قد تبتلع كل أشكال السينما البطيئة والتأملية التي صنعت مجد أوروبا الفني لعقود طويلة. كان الأمر أشبه بمعركة خفية بين منطق الثقافة ومنطق الخوارزمية التجارية.

كما كشف “أسبوع النقاد” في مهرجان مهرجان كان السينمائي عن قائمة أفلامه الجديدة، حيث بدا واضحا أن أوروبا تراهن أكثر على المخرجين الشباب والتجارب الإنسانية الصغيرة بدل الإنتاجات الضخمة وحدها. فالعالم الأوروبي نفسه بدأ يشعر بالتعب من الاستعراض البصري الفارغ، ويبحث من جديد عن سينما قادرة على إعادة الإنسان إلى مركز الصورة.

وفي أمريكا، استمرت هوليوود في سباقها المحموم نحو أفلام الخيال العلمي والأبطال الخارقين والألعاب الإلكترونية المحولة إلى أعمال سينمائية ضخمة. غير أن المثير للانتباه هذا الأسبوع لم يكن فقط حجم الأرباح، بل استمرار قوة السينما المستقلة الأمريكية التي ما تزال تجد لنفسها مكانا داخل مهرجان صاندانس وغيره من الفضاءات البديلة.

لقد صار العالم السينمائي اليوم يعيش مفارقة غريبة: فكلما ازدادت الشاشات الذكية حضورا في حياتنا، ازدادت حاجة البشر إلى القصص التي تمنحهم معنى أعمق لوجودهم. وربما لهذا السبب تحديدا تبدو السينما، رغم كل التحولات الرقمية، آخر مكان ما يزال الإنسان يجلس فيه وسط الظلام لكي يرى نفسه بوضوح أكبر.


0 التعليقات: