الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، مايو 10، 2026

عبده حقي يكتب اسمه الثاني فوق خرائط الأدب الرقمي

 


في تاريخ الأدب العالمي والعربي، لم يكن الاسم مجرد بطاقة تعريف إدارية تُعلَّق فوق غلاف كتاب أو تُكتب في زاوية مقال صحفي، بل كان دائماً جزءاً من اللعبة الرمزية التي يخوضها الكاتب مع الزمن والذاكرة والقراء. فالكاتب لا يولد مرتين فقط؛ مرة من رحم أمه، ومرة من رحم اللغة. وفي هذه الولادة الثانية كثيراً ما يختار لنفسه اسماً آخر، أخفّ وقعاً، وأكثر قدرة على السفر داخل الوجدان الجماعي. ومن هذا المنظور يبدو اختيار الكاتب المغربي عبدالحق عينو لاسـم الشهرة «عبده حقي» خياراً واعياً ومنسجماً مع تقاليد ثقافية وأدبية عريقة، لا في المغرب وحده، بل في العالم كله.

فالاسم الحقيقي «عبدالحق عينو» يحمل طابعاً مدنياً وإدارياً واضحاً، بينما يفتح اسم «عبده حقي» أفقاً رمزياً وشعرياً أكثر اتساعاً. إننا أمام اسم قصير، موسيقي الإيقاع، سهل التداول في الصحافة والإعلام والمنصات الرقمية، وقادر على أن يتحول إلى توقيع ثقافي مستقل. وربما لهذا السبب استطاع هذا الاسم أن يترسخ في ذاكرة المهتمين بالأدب الرقمي والنقد الثقافي والترجمة في المغرب وخارجه.

ليس غريباً إذن أن يختار الكاتب اسماً ينسجم مع صورته الأدبية. فالأسماء في عالم الكتابة ليست حيادية. إنها تحمل أحياناً مشروعاً كاملاً، أو على الأقل توحي باتجاه فكري وجمالي معين. واسم «عبده حقي» يوحي منذ الوهلة الأولى بالقرب من مفردات مثل: الحق، الحقيقة، الصدق، والبحث عن المعنى. وهي مفردات تحضر بقوة في كثير من المقالات والقراءات النقدية التي كتبها صاحب هذا الاسم على امتداد سنوات طويلة.

لقد عرف التراث العربي ظاهرة الأسماء الأدبية منذ قرون بعيدة. فالشعراء والكتاب كانوا كثيراً ما يُعرفون بألقابهم أكثر من أسمائهم الأصلية. يكفي أن نتذكر المتنبي الذي غطّى لقبه على اسمه الحقيقي أحمد بن الحسين، أو الجاحظ الذي صار لقبه أشهر من اسمه الكامل عمرو بن بحر. وفي العصر الحديث استمرت الظاهرة نفسها بأشكال مختلفة، إذ تحول الاسم الأدبي إلى جزء من الهوية الإعلامية والثقافية للكاتب.

وفي الأدب العالمي أيضاً، نجد أن العديد من الأسماء التي صنعت مجد الرواية والشعر والفكر لم تكن أسماء أصحابها الحقيقية. فالكاتب George Orwell كان اسمه الحقيقي إريك آرثر بلير، واختار اسماً أدبياً أكثر بساطة ووقعاً. أما Voltaire فقد بنى مجده الفكري كله تحت اسم مستعار. وكذلك فعلت George Sand التي اختارت اسماً ذكورياً لتخوض معركتها الأدبية في مجتمع محافظ.

إن اسم الشهرة لا يكون مجرد قناع يخفي الاسم المدني، بل يتحول مع الزمن إلى كائن ثقافي مستقل يعيش داخل الكتب والصحف والمنصات الرقمية. وهكذا صار اسم «عبده حقي» مرتبطاً في أذهان كثير من القراء العرب بموضوعات محددة مثل الأدب الرقمي، والذكاء الاصطناعي، وتحولات الكتابة، والنقد الثقافي، والأسئلة الجديدة التي تطرحها التكنولوجيا على الإبداع الإنساني.

ولعل المفارقة الجميلة هنا أن الكاتب الذي انشغل كثيراً في مقالاته بأسئلة «موت المؤلف» و«الهوية الرقمية» و«تعدد المؤلفين في العصر الذكي» اختار هو نفسه أن يصنع هوية أدبية موازية لاسمه المدني. وكأن الأمر يؤكد أن الكاتب لا يكتفي بكتابة النصوص فقط، بل يكتب أيضاً صورته الرمزية داخل المجال الثقافي.

ثم إن العصر الرقمي نفسه جعل لمسألة الاسم أهمية إضافية. ففي زمن محركات البحث والمنصات الاجتماعية، يصبح الاسم القصير والواضح أكثر قدرة على الانتشار والتذكر. ومن هذه الزاوية يبدو «عبده حقي» اسماً موفقاً من الناحية الإعلامية أيضاً، لأنه سريع الحضور في الذاكرة، وقابل للتحول إلى علامة ثقافية أو «براند» أدبي كما يقال اليوم.

لكن نجاح الاسم لا يتحقق بقوته الصوتية وحدها، بل بما يراكمه صاحبه من كتابة وتجربة وحضور ثقافي. فكثيرون اختاروا أسماء مستعارة ثم اختفوا في الظل، بينما استطاع آخرون أن يجعلوا أسماءهم علامات مضيئة في تاريخ الأدب. والفرق بين الحالتين هو أن الاسم لا يكتسب قيمته إلا من النصوص التي يحملها ومن الأثر الذي يتركه في القراء.

لقد استطاع «عبده حقي» عبر سنوات طويلة من الكتابة أن يمنح هذا الاسم حمولة ثقافية واضحة، سواء من خلال اهتمامه بالأدب الرقمي أو عبر مقالاته التي تربط بين التكنولوجيا والأسئلة الإنسانية والفكرية. ولذلك لم يعد القارئ يفكر كثيراً في الاسم المدني «عبدالحق عينو»، لأن الاسم الأدبي أصبح هو الواجهة التي تعرّف الكاتب داخل المشهد الثقافي.

في النهاية، يمكن القول إن اختيار اسم الشهرة ليس مجرد نزوة شكلية أو رغبة في الاختلاف، بل هو أحياناً جزء من بناء الذات الإبداعية نفسها. فالكاتب يختار اسمه كما يختار أسلوبه ولغته ونبرته الخاصة. وبعض الأسماء تنجح في أن تتحول إلى مجرد توقيع عابر، بينما تنجح أسماء أخرى في أن تصبح وطناً رمزياً كاملاً للكاتب داخل ذاكرة الأدب. ويبدو أن اسم «عبده حقي» ينتمي إلى هذا النوع الأخير؛ اسم خرج من حدود الهوية المدنية الضيقة ليتحول إلى علامة ثقافية مرتبطة بأسئلة الكتابة الجديدة وتحولات الإنسان في العصر الرقمي.



0 التعليقات: