لم أعد أستغربُ ذلكَ القدرَ الكبيرَ من الضجيجِ الذي يصدرُ عن السلطةِ الجزائريةِ كلما اشتدتْ أزماتها الداخلية، لأنني صرتُ أرى بوضوحٍ أن النظامَ هناك لم يعد يملكُ سوى صناعةِ العدوِّ الخارجيِّ وتدويرِ الأزماتِ القديمةِ حتى يُخفيَ عجزَهُ عن بناءِ دولةٍ حديثةٍ تتصالحُ مع شعبها وتاريخها ومستقبلها. وأنا أتابعُ خلال الأيام الأخيرة المناظراتِ الساخنةَ التي جمعت الصحفيَّ عبدو سمار باليوتيوبر سعيد بنسديرة حول حصيلة حكم عبد المجيد تبون، شعرتُ أن الجزائر الرسمية دخلت مرحلةً من الارتباك السياسي غير المسبوق، حيث صار النقدُ يأتي حتى من داخل الأصوات التي كانت تُحسبُ سابقاً على دائرةِ التبرير أو المهادنة.
لقد بدا واضحاً من خلال تلك النقاشات أن السؤال الحقيقي لم يعد يتعلقُ فقط بفشلِ السياسات الاقتصادية أو بتدهور القدرة الشرائية أو بتراجع الحريات، بل أصبح يتعلقُ بطبيعةِ النظام نفسه، ذلك النظام الذي يعيشُ على الذاكرةِ الثورية أكثر مما يعيشُ على إنجازات الحاضر. كلُّ شيءٍ في الجزائر الرسمية يُدارُ بعقليةِ الخندق: الإعلام، والدبلوماسية، والاقتصاد، وحتى التاريخ. ولذلك لم يكن غريباً أن تتحولَ ذكرى مجازر سطيف سنة 1945 إلى مناسبةٍ جديدة لتغذيةِ خطاب المظلومية بدل تحويلها إلى درسٍ تاريخي يُساعدُ على بناءِ مستقبلٍ مغاربي متوازن.
أنا لا أنكرُ أبداً فظاعةَ الجرائم الاستعمارية الفرنسية في الجزائر، فمجازر سطيف وقالمة وخراطة تبقى واحدةً من الصفحات السوداء في تاريخ الاستعمار الأوروبي، وقد اعترفت تقارير ومقالات فرنسية حديثة بأن آلاف الجزائريين سقطوا ضحايا لقمعٍ دموي رهيب مارسته القوات الاستعمارية الفرنسية سنة 1945. لكنني في المقابل أرفضُ أن يتحولَ هذا الجرحُ التاريخي إلى رأسمال سياسي دائم تستثمره السلطة الجزائرية كلما فشلت في الإجابة عن أسئلة الحاضر. فالدولُ الحية لا تبني شرعيتها فقط على المقابر والذكريات الدامية، بل تبنيها أيضاً على التنمية والحرية والعدالة واحترام الإنسان.
أشعرُ أحياناً أن السلطة الجزائرية تخافُ من المستقبل أكثر مما تخافُ من الماضي. ولهذا تظلُّ أسيرةَ حربٍ انتهت قبل عقود. فبدل أن تتحول الجزائر إلى قوةٍ مغاربية كبرى بفضل ثرواتها الطاقية الهائلة وموقعها الاستراتيجي، صارت تُهدرُ جزءاً كبيراً من طاقتها في معارك وهمية ضد المغرب، وفي حملات إعلامية متواصلة، وفي سباقات تسلح تستنزف الاقتصاد والمجتمع. وحتى النقاشات التي دارت بين عبدو سمار وسعيد بنسديرة حول علاقات الجزائر بتركيا أو الإمارات أو المغرب كشفت حجم التخبط داخل الرؤية الرسمية الجزائرية، حيث تبدو الدبلوماسية هناك وكأنها تتحرك بردود الفعل لا وفق مشروعٍ استراتيجي واضح.
لقد صار المواطن الجزائري يسمع كلَّ يومٍ عن “المؤامرات الخارجية”، لكنه لا يسمع كثيراً عن حلولٍ حقيقية لمشكلات البطالة والسكن وحرية التعبير وهجرة الشباب. وحين يتحول الصحفي أو المعارض أو اليوتيوبر إلى عدوٍّ للدولة فقط لأنه طرح سؤالاً محرجاً، فإن ذلك يعني أن السلطة دخلت مرحلة الخوف من الكلمة. وأنا أعتقدُ أن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي نظام سياسي هو أن يفقد ثقته في شعبه إلى هذا الحد.
ما يؤلمني أيضاً أن الجزائر التي كان يمكن أن تكون شريكاً تاريخياً للمغرب في بناء اتحاد مغاربي قوي، تحولت بفعل الحسابات العسكرية الضيقة إلى فضاءٍ مغلق يعيش على العداء. لقد أضاعت المنطقة المغاربية عقوداً من التنمية بسبب هذا التوتر المصطنع. فبينما تتجه تكتلات العالم نحو الاندماج الاقتصادي والتكنولوجي، ما زالت السلطة الجزائرية تُصرُّ على إعادة إنتاج خطاب الحرب الباردة، وكأن الزمن توقف عند شعارات الستينيات والسبعينيات.
وأنا أتابعُ الأخبار الأخيرة المتعلقة بمحاولة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إعادة ترميم العلاقة مع الجزائر عبر المشاركة الرمزية في إحياء ذكرى مجازر سطيف، شعرتُ أن باريس نفسها لم تعد تعرفُ كيف تتعامل مع سلطةٍ تُحوّل كل مبادرة إلى ورقة للمزايدة السياسية. فالعلاقات بين الدول لا يمكن أن تبقى رهينة ذاكرة الجراح فقط، وإلا فإن العالم كله سيظل أسير الحروب القديمة.
إنني أرى أن الأزمة الحقيقية في الجزائر ليست أزمة أشخاص فقط، وليست مرتبطة باسم تبون وحده، بل هي أزمة نظامٍ كاملٍ لم يستطع أن ينتقل من شرعية الثورة إلى شرعية الدولة الحديثة. ولذلك تبدو السلطة هناك وكأنها تخافُ من الصحافة الحرة، ومن النقاش العمومي، ومن النقد، ومن أي صوت مستقل. وحتى المنصات الرقمية التي أصبحت متنفساً للجزائريين تحولت بدورها إلى ساحات صراع وملاحقات.
لقد تعبت الشعوب المغاربية من هذا النزيف السياسي الطويل. تعبت من الحدود المغلقة، ومن إعلام الكراهية، ومن صناعة الأعداء. وأنا كمغربي أؤمن أن مستقبل المنطقة لن يُبنى بالتحريض ولا بالشعارات العسكرية، بل بالثقافة والاقتصاد والانفتاح والتعاون. غير أن ذلك يبدو مستحيلاً ما دامت السلطة الجزائرية تُصرُّ على إدارة الدولة بعقلية الثكنة لا بعقلية الوطن.
إن التاريخ لا يرحم الأنظمة التي تعيش خارج زمنها. وكل سلطةٍ ترفض الإصغاء إلى شعبها تتحول مع الوقت إلى مجرد صدى باهت لماضيها. أما الشعوب، فإنها في النهاية تنتصر للحياة، حتى وإن تأخر ذلك طويلاً.








0 التعليقات:
إرسال تعليق