الفصل الثاني: زمنٌ يتشقق بين مكانين
الجزء الأول: أحمد يعبر العتبة… من قرية العيايشة إلى إعدادية إدريس الأول
بزرهون
كان نجاح أحمد
في امتحان شهادة التعليم الابتدائي شيئًا منعطفا يشبه رجة هادئًة في رتابة الحياة
اليومية. لم يصفق له أحد، ولم علقت أوراق الزينة الملونة ، ولم تُذبح شاة كما يحدث
في المناسبات الكبيرة. فقط قالت له أمه حين أخبرها بنجاحه، وهي تدفع بالخبز المدور
في بطن الفرن:
“الحمد لله… كبرتي شوية.”
وكأن النجاح ليس انتقالًا، بل زيادة خفيفة في ثقل الحياة.
لكن أحمد شعر أن شيئًا ما تغيّر. ليس في الخارج، بل في الداخل. في داخله وكان النجاح بالنسبة إليه مثل بابٍ انفتح دون أن يعرف ما وراءه.
في تلك السنوات البعيدة في ستينات القرن الماضي، كانت الدولة المغربية، بعد أقل من عقد على الاستقلال، تحاول توسيع قاعدة التعليم الأساسي، رغم ضعف الإمكانيات والتفاوت الكبير بين المدن والقرى، حيث لم يكن الانتقال إلى التعليم الإعدادي متاحًا إلا لعدد محدود من التلاميذ القرويين.
وهكذا، لم يكن نجاح أحمد مجرد تفوق دراسي، بل كان
عبورًا اجتماعيًا نادرًا.
قال له والده الجيلالي في مساءٍ موشى بضباب ثقيل:
“سوف تذهب إلى مدينة زرهون… لتكمل دراستك في كوليج
إدريس الأول.”
لم يسأل أحمد عن طبيعة معنى الكوليج، ولا عن تعريف لشخصية إدريس الأول، ولا
حتى عن زرهون.
كان يشعر أن السؤال لن يغير شيئًا من قامته. فبعض القرارات تُتخذ كثيرا خارج اللغة.
خلال صباح الرحيل، بدا كل شيء مألوفًا أكثر مما ينبغي. الطريق،
الأشجار، وجوه الجيران… كلها بدت كما هي، لكن أحمد لم يعد كما هو.
خرج من القرية دون أن يلتفت كثيرًا. ليس لأنه لا يحبها، بل لأنه بدأ يشعر أنها لم
تعد تكفيه.
في الطريق، كان ينظر إلى الأرض كما لو أنه يودعها. التراب الذي عرف
خطواته، الحقول التي شهدت صمته، والهواء الذي كان يعرف اسمه دون أن يناديه.
ثم ظهرت ربوة زرهون الخضراء . لم تكن
صدمة، بل انحدارا تدريجيًا.
ترتفع البيوت قليلًا، والأزقة تضيق لكنها تتحرك، والناس
يمشون كما لو أن لديهم مواعيد لا تحتمل التأجيل.








0 التعليقات:
إرسال تعليق