الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، مايو 10، 2026

توقيع الكاتب بين صدق التجربة وظل الخوارزمية: عبده حقي


أيها الكُتّاب المحتفون بإصداراتكم في معرض النشر والكتاب بالرباط، لا تنسوا — وأنتم تضعون توقيعاتكم على الصفحات الأولى — أن وراء هذا الفعل البسيط تاريخاً كاملاً من التحولات التي مست معنى الكتابة نفسها، وأعادت ترتيب العلاقة بين الكاتب والنص والقارئ. فالتوقيع، في جوهره، ليس مجرد اسم يُخطّ على ورق، بل هو إعلان ضمني عن ملكية رمزية، وعن تجربة إنسانية متفردة، وعن مسار طويل من القلق والمعرفة والتردد والانتصار. ومع ذلك، فإن هذا الطقس الثقافي الذي ظل لسنوات عنواناً على فرادة المؤلف، بدأ اليوم يتعرض لهزات خفية بفعل صعود الذكاء الاصطناعي، الذي لم يعد مجرد أداة تقنية، بل صار شريكاً صامتاً في إنتاج النصوص وصياغة المعاني.

إن الفكرة التي تحملها هذه العبارة — “لا تنسوا أن تشكروا الذكاء الاصطناعي في توقيعاتكم” — ليست دعوة ساخرة بقدر ما هي تنبيه عميق إلى تحوّل بنيوي في مفهوم الإبداع. فهل ما زال الكاتب وحده من يكتب؟ أم أن النص أصبح نتيجة تفاعل معقد بين الإنسان والآلة؟ وهل يمكن للكاتب أن يدّعي استقلالية مطلقة في زمن أصبحت فيه الخوارزميات قادرة على اقتراح الأفكار، وإعادة تركيب الجمل، بل وحتى محاكاة الأساليب الأدبية؟

لقد كان الكاتب، في الأزمنة السابقة، يشبه ناسكاً لغوياً، يعتزل العالم ليعيد صياغته بالكلمات. كان يعتمد على ذاكرته، وعلى قراءاته، وعلى حدسه الشخصي في بناء نصه. أما اليوم، فقد أصبح بإمكانه أن يستدعي، بضغطة زر، أرشيفاً هائلاً من المعارف، وأن يستعين بأنظمة ذكية تقترح عليه ما لم يكن ليخطر بباله. هنا، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد أداة، بل يتحول إلى “محرر خفي”، يشارك في تشكيل النص دون أن يظهر اسمه على الغلاف.

غير أن هذا التحول يطرح إشكالات أخلاقية وجمالية في آن واحد. فإذا كان الكاتب يستعين بالذكاء الاصطناعي في صياغة نصه، فإلى أي حد يبقى النص “أصيلاً”؟ وهل يمكن الحديث عن “ملكية فكرية” في ظل هذا التداخل بين الإنسان والآلة؟ ثم ماذا عن القارئ، الذي يعتقد أنه أمام تجربة إنسانية خالصة، بينما هو في الواقع يقرأ نصاً شاركت في إنتاجه خوارزميات لا تمتلك وعياً ولا تجربة وجودية؟

إن الذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من تطور، يظل عاجزاً عن امتلاك ما يمكن تسميته بـ“الجرح الإنساني”، ذلك المصدر الخفي الذي تنبع منه الكتابة الحقيقية. فالآلة لا تحزن، لا تخاف، لا تحلم، ولا تتذكر. إنها تعيد تركيب المعطيات، لكنها لا تعيشها. ولذلك، فإن النص الذي تنتجه، مهما بدا متماسكاً، يظل مفتقراً إلى تلك “الحرارة الداخلية” التي تميز الكتابة الإنسانية.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً من المشهد الثقافي، وأن تجاهله لم يعد ممكناً. بل إن بعض الكتاب وجدوا فيه فرصة لتوسيع أفقهم الإبداعي، ولتجريب أشكال جديدة من السرد، ولتحرير أنفسهم من قيود الأسلوب التقليدي. هنا، يتحول الذكاء الاصطناعي من تهديد إلى أفق، ومن خصم إلى شريك، شرط أن يظل الإنسان هو من يحدد الاتجاه، ويمنح النص معناه النهائي.

في هذا السياق، يصبح شكر الذكاء الاصطناعي في التوقيع ليس مجرد اعتراف تقني، بل موقفاً فلسفياً يعكس وعي الكاتب بطبيعة المرحلة التي يعيشها. إنه نوع من التواضع المعرفي، ومن الاعتراف بأن الكتابة لم تعد فعلاً فردياً خالصاً، بل أصبحت نتيجة شبكة معقدة من التفاعلات بين الإنسان والتكنولوجيا.

لكن، هل يعني ذلك أن الكاتب فقد سلطته؟ ليس بالضرورة. فالقوة الحقيقية للكاتب لا تكمن في قدرته على إنتاج الجمل، بل في قدرته على اختيار ما يُقال، وعلى منح النص رؤية ومعنى. وهنا، يظل الإنسان هو العنصر الحاسم، لأنه الوحيد القادر على تحويل اللغة إلى تجربة، وعلى تحويل النص إلى أثر.

إن معرض الرباط، بكل رمزيته الثقافية، ليس مجرد فضاء لعرض الكتب، بل هو مرآة للتحولات التي يعرفها العالم. وفي هذا الفضاء، تتجاور الكتب التي كُتبت بعرق التجربة مع تلك التي ساهمت في صياغتها الخوارزميات، دون أن يكون القارئ قادراً دائماً على التمييز بينهما. وهنا، تبرز مسؤولية الكاتب في أن يكون صادقاً مع نفسه ومع قارئه، وأن يحدد موقعه داخل هذا التحول.

في النهاية، لا يتعلق الأمر بشكر الذكاء الاصطناعي أو تجاهله، بل بفهم موقعه في عملية الإبداع. فإذا كان الكاتب قادراً على استخدامه كأداة دون أن يفقد صوته، فإنه يظل سيد النص. أما إذا تحول إلى مجرد منفذ لاقتراحات الآلة، فإنه يفقد جوهر الكتابة.

أيها الكُتّاب، إن توقيعاتكم ليست مجرد أسماء، بل هي شهادات على زمن يتغير، وعلى كتابة تبحث عن معناها في عالم لم يعد كما كان. فكونوا أوفياء لذلك الجرح الإنساني الذي لا تستطيع أي آلة أن تحاكيه، ولا تنسوا أن الكتابة، في جوهرها، ليست ما نكتبه فقط، بل ما نعيشه قبل أن نكتبه.


0 التعليقات: