السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَعِزَّاءَنَا الْمُسْتَمِعِينَ، وَمَرْحَبًا بِكُمْ فِي حَلْقَةٍ جَدِيدَةٍ مِنْ بُودْكَاسْتِ الْكُتُبِ الْخَالِدَةِ، حَيْثُ نَأْخُذُكُمْ فِي رِحْلَةٍ إِلَى أَعْمَاقِ الْأَدَبِ الْعَالَمِيِّ، لِنَكْتَشِفَ مَعًا أَسْرَارَ الرَّوَايَاتِ الَّتِي صَمَدَتْ فِي وَجْهِ الزَّمَنِ، وَبَقِيَتْ نَابِضَةً بِالْحَيَاةِ بَعْدَ قُرُونٍ مِنْ صُدُورِهَا.
حَلْقَتُنَا الْيَوْمَ مُخَصَّصَةٌ لِرَوَايَةِ «مُوبِي دِيك» أَوْ «الْحُوتُ الْأَبْيَضُ»، تِلْكَ الْمَلْحَمَةِ الرِّوَائِيَّةِ الَّتِي كَتَبَهَا الرِّوَائِيُّ الْأَمْرِيكِيُّ هِيرْمَانْ مِلْفِيل وَصَدَرَتْ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ عَامَ 1851.
تَقْدِيمُ الرِّوَايَةِ وَكَاتِبِهَا
وُلِدَ هِيرْمَانْ مِلْفِيل عَامَ 1819 فِي نِيُويُورْك، وَعَمِلَ فِي شَبَابِهِ بَحَّارًا عَلَى ظَهْرِ السُّفُنِ التِّجَارِيَّةِ وَسُفُنِ صَيْدِ الْحِيتَانِ. وَمِنْ هَذِهِ التَّجَارِبِ الْبَحْرِيَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ اسْتَمَدَّ مَادَّتَهُ الْخَيَالِيَّةَ لِكِتَابَةِ أَشْهَرِ أَعْمَالِهِ.
عِنْدَ صُدُورِ «مُوبِي دِيك» لَمْ تَحْظَ الرِّوَايَةُ بِالنَّجَاحِ الْمَأْمُولِ، بَلْ تَعَرَّضَتْ لِانْتِقَادَاتٍ كَثِيرَةٍ بِسَبَبِ طُولِهَا وَتَعْقِيدِهَا. لَكِنَّ الْأَدَبَ أَنْصَفَهَا بَعْدَ عُقُودٍ، فَأَصْبَحَتْ الْيَوْمَ مِنْ أَعْظَمِ الرِّوَايَاتِ فِي التَّارِيخِ الْإِنْسَانِيِّ.
مُلَخَّصٌ سَرْدِيٌّ جَذَّابٌ
تَبْدَأُ الرِّوَايَةُ بِجُمْلَةٍ شَهِيرَةٍ: «ادْعُونِي إِسْمَاعِيل». وَإِسْمَاعِيلُ هُوَ الرَّاوِي الَّذِي يُقَرِّرُ الِالْتِحَاقَ بِسَفِينَةِ صَيْدِ حِيتَانٍ تُدْعَى «بِيكُود».
عَلَى مَتْنِ السَّفِينَةِ يَلْتَقِي بِالْقُبْطَانِ أَخَاب، الرَّجُلِ الْغَامِضِ الَّذِي فَقَدَ سَاقَهُ فِي مُوَاجَهَةٍ سَابِقَةٍ مَعَ حُوتٍ أَبْيَضَ عِمْلَاقٍ يُدْعَى مُوبِي دِيك.
لَا يَكُونُ هَدَفُ أَخَابِ التِّجَارَةَ أَوِ الصَّيْدَ، بَلِ الِانْتِقَامَ. فَقَدْ تَحَوَّلَ الْحُوتُ فِي وَعْيِهِ إِلَى عَدُوٍّ أَزَلِيٍّ يُجَسِّدُ الشَّرَّ وَالْقَدَرَ وَقُوَى الطَّبِيعَةِ الَّتِي لَا تُقْهَرُ.
وَكُلَّمَا تَقَدَّمَتِ الرِّوَايَةُ، تَتَحَوَّلُ الرِّحْلَةُ مِنْ مُجَرَّدِ مُطَارَدَةٍ بَحْرِيَّةٍ إِلَى صِرَاعٍ وُجُودِيٍّ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَالْمَجْهُولِ.
وَعِنْدَمَا يَقَعُ اللِّقَاءُ الْمُنْتَظَرُ بَيْنَ أَخَابَ وَالْحُوتِ الْأَبْيَضِ، تَتَحَوَّلُ الْبِحَارُ إِلَى سَاحَةِ مَعْرَكَةٍ أُسْطُورِيَّةٍ تَنْتَهِي بِكَارِثَةٍ مَهُولَةٍ تَبْتَلِعُ السَّفِينَةَ وَمَنْ عَلَيْهَا، وَلَا يَنْجُو سِوَى إِسْمَاعِيل.
الْخَلْفِيَّةُ التَّارِيخِيَّةُ وَالْفِكْرِيَّةُ
جَاءَتِ الرِّوَايَةُ فِي فَتْرَةٍ كَانَتْ فِيهَا صِنَاعَةُ صَيْدِ الْحِيتَانِ مِنْ أَهَمِّ الصِّنَاعَاتِ الْأَمْرِيكِيَّةِ، حَيْثُ كَانَ زَيْتُ الْحِيتَانِ يُسْتَخْدَمُ فِي الْإِنَارَةِ وَالصِّنَاعَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ.
لَكِنَّ مِلْفِيل لَمْ يَكْتُبْ كِتَابًا عَنْ صَيْدِ الْحِيتَانِ فَقَطْ، بَلْ قَدَّمَ تَأَمُّلًا عَمِيقًا فِي أَسْئِلَةِ الْقَدَرِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالْإِيمَانِ وَالطَّمُوحِ الْبَشَرِيِّ.
كَانَ الْقَرْنُ التَّاسِعُ عَشَرَ يَعِيشُ نَهْضَةً عِلْمِيَّةً وَصِنَاعِيَّةً كُبْرَى، وَكَانَ الْإِنْسَانُ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى السَّيْطَرَةِ عَلَى الْعَالَمِ. وَفِي هَذَا السِّيَاقِ يَأْتِي أَخَابُ لِيُمَثِّلَ غُرُورَ الْإِنْسَانِ الَّذِي يُحَاوِلُ تَحَدِّي الْقُوَى الْأَعْظَمَ مِنْهُ.
لِمَاذَا اعْتُبِرَتْ رِوَايَةً خَالِدَةً؟
لِأَنَّهَا تَتَجَاوَزُ حِكَايَةَ حُوتٍ وَبَحَّارِينَ. فَالْحُوتُ الْأَبْيَضُ يَتَحَوَّلُ إِلَى رَمْزٍ مُتَعَدِّدِ الْمَعَانِي؛ فَهُوَ عِنْدَ بَعْضِ الْقُرَّاءِ رَمْزٌ لِلْقَدَرِ، وَعِنْدَ آخَرِينَ رَمْزٌ لِلشَّرِّ، وَعِنْدَ فِئَةٍ ثَالِثَةٍ تَجْسِيدٌ لِلْحَقِيقَةِ الْمُطْلَقَةِ الَّتِي يَسْعَى الْإِنْسَانُ إِلَى فَهْمِهَا دُونَ جَدْوَى.
كَذَلِكَ تَمْتَازُ الرِّوَايَةُ بِثَرَائِهَا اللُّغَوِيِّ وَتَعَدُّدِ مُسْتَوَيَاتِهَا السَّرْدِيَّةِ وَالْفَلْسَفِيَّةِ وَالرَّمْزِيَّةِ، مِمَّا جَعَلَ كُلَّ جِيلٍ يَقْرَؤُهَا بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ.
أَثَرُهَا فِي الْأَدَبِ وَالسِّينَمَا وَالْفَلْسَفَةِ
أَثَّرَتْ «مُوبِي دِيك» فِي أَجْيَالٍ مِنَ الرُّوَائِيِّينَ وَالنُّقَّادِ وَالْمُفَكِّرِينَ. وَتَعَدُّ الْيَوْمَ مَرْجِعًا أَسَاسِيًّا فِي دِرَاسَةِ الرَّمْزِيَّةِ وَالسَّرْدِ الْمَلْحَمِيِّ.
أَمَّا فِي السِّينَمَا، فَقَدْ قُدِّمَتْ عِدَّةُ أَفْلَامٍ وَأَعْمَالٍ تِلْفَازِيَّةٍ مُسْتَلْهَمَةٍ مِنْهَا، وَأَصْبَحَ شَخْصِيَّةُ الْقُبْطَانِ أَخَاب مِنْ أَشْهَرِ الشَّخْصِيَّاتِ التَّرَاجِيدِيَّةِ فِي الثَّقَافَةِ الْعَالَمِيَّةِ.
وَفِي الْفَلْسَفَةِ، وُظِّفَتِ الرِّوَايَةُ فِي نِقَاشَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ حَوْلَ الْإِرَادَةِ الْحُرَّةِ وَالْهَوَسِ وَحُدُودِ الْمَعْرِفَةِ الْبَشَرِيَّةِ وَعَلَاقَةِ الْإِنْسَانِ بِالطَّبِيعَةِ.
اقْتِبَاسٌ شَهِيرٌ
مِنْ أَشْهَرِ مَا جَاءَ فِي الرِّوَايَةِ عَلَى لِسَانِ الْقُبْطَانِ أَخَاب:
«إِلَى آخِرِ نَفَسٍ أُطَارِدُكَ.»
وَهِيَ عِبَارَةٌ تُجَسِّدُ هَوَسَ الْإِنْسَانِ بِمُطَارَدَةِ مَا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ مَصْدَرُ مِحْنَتِهِ، حَتَّى وَلَوْ كَانَ الثَّمَنُ هُوَ الْهَلَاكُ نَفْسُهُ.
رَأْيِي الشَّخْصِيُّ كَكَاتِبٍ
أَرَى أَنَّ «مُوبِي دِيك» لَيْسَتْ رِوَايَةَ مُغَامَرَةٍ بَحْرِيَّةٍ فَحَسْبُ، بَلْ مِرْآةٌ لِلصِّرَاعَاتِ الْخَفِيَّةِ الَّتِي يَحْمِلُهَا كُلُّ إِنْسَانٍ فِي دَاخِلِهِ. فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا حُوتُهُ الْأَبْيَضُ الَّذِي يُطَارِدُهُ، وَقَدْ يَكُونُ خَوْفًا أَوْ طُمُوحًا أَوْ ذِكْرَى أَوْ جُرْحًا قَدِيمًا.
وَكُلَّمَا أَعَدْتُ قِرَاءَةَ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، اكْتَشَفْتُ فِيهَا مَعَانِيَ جَدِيدَةً، وَكَأَنَّهَا بَحْرٌ لَا يَنْفَدُ مِدَادُهُ.
أَعِزَّاءَنَا الْمُسْتَمِعِينَ، نَصِلُ إِلَى خِتَامِ حَلْقَتِنَا الْيَوْمَ، وَنَتْرُكُكُمْ مَعَ سُؤَالٍ مُثِيرٍ: هَلْ كَانَ مُوبِي دِيك وَحْشًا حَقِيقِيًّا، أَمْ أَنَّ الْوَحْشَ كَانَ يَسْكُنُ دَاخِلَ الْقُبْطَانِ أَخَاب؟
فِي الْحَلْقَةِ الْمُقْبِلَةِ سَنَرْحَلُ إِلَى عَالَمٍ آخَرَ مِنْ عَوَالِمِ الْأَدَبِ الْخَالِدِ، وَسَنَكْتَشِفُ رِوَايَةً غَيَّرَتْ نَظْرَةَ الْبَشَرِ إِلَى الْجَرِيمَةِ وَالضَّمِيرِ وَالْعِقَابِ.
إِلَى اللِّقَاءِ.








0 التعليقات:
إرسال تعليق