الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، يونيو 03، 2026

الجزائر في الطريق المعبدة نحو اللااستقرار : عبده حقي

 


تشكل هذه المجموعة من المقالات سلسلة مترابطة من التحقيقات والتحليلات التي تدور كلها تقريباً حول ثلاثة محاور رئيسية: الأزمة الاقتصادية الجزائرية، وشبهات الفساد داخل مؤسسات الدولة، والصراعات الخفية بين مراكز النفوذ السياسي والأمني. ومن خلال تناول ملفات متعددة ومتشعبة، ترسم هذه الحلقات صورة لبلد يعيش حالة من التناقض بين الإمكانات المالية الضخمة التي توفرها عائدات النفط والغاز وبين الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية التي يواجهها المواطنون يومياً.

في الملف المتعلق بالعلاقات الجزائرية الفرنسية، ركز أحد الفيديوهات على مؤشرات انفراج محتمل في الأزمة التي سادت العلاقات بين البلدين خلال السنوات الأخيرة. وقد تناولت الحلقة القضايا الخلافية المرتبطة بالهجرة والأمن واتفاقية سنة 1968 التي تمنح الجزائريين امتيازات خاصة في فرنسا. ويذهب التحليل إلى أن الضغوط الاقتصادية والأمنية والمصالح المشتركة قد تدفع الطرفين إلى تجاوز مرحلة التوتر والدخول في مرحلة جديدة من التعاون العملي، رغم استمرار الخلافات السياسية والذاكرية بين البلدين.

أما الملف الاقتصادي فقد احتل الحيز الأكبر من هذه السلسلة. ففي أكثر من حلقة جرى التركيز على ما اعتُبر نزيفاً مالياً ضخماً تعيشه الجزائر. وتحدثت التحقيقات عن خسائر بمليارات الدولارات خلال فترات زمنية قصيرة، مع طرح تساؤلات حول أسباب استمرار هذا النزيف رغم ارتفاع عائدات الطاقة. وتربط هذه المقاربات بين ضعف الحكامة الاقتصادية، واستمرار البيروقراطية، وغياب الرقابة الفعالة على الإنفاق العمومي والاستثمارات الكبرى.

وتتوقف بعض الحلقات عند ظاهرة تحويل الأموال إلى الخارج، خاصة نحو تركيا، حيث تطرح تساؤلات حول شبكات مالية وتجارية تمكنت من تهريب أو استثمار مبالغ ضخمة خارج البلاد. وتعتبر هذه التحقيقات أن جزءاً من الثروة الوطنية لا يساهم في خلق فرص العمل أو التنمية داخل الجزائر، بل يتحول إلى استثمارات ومشاريع خارجية يستفيد منها أفراد وشبكات نافذة أكثر مما يستفيد منها الاقتصاد الوطني.

ومن بين أكثر الملفات إثارة للانتباه التحقيقات المتعلقة بالشركة الوطنية للملاحة البحرية. فقد خُصصت عدة حلقات للحديث عن ما وُصف بعمليات نهب ممنهجة طالت الأسطول البحري الجزائري على مدى سنوات طويلة. وتستعرض هذه الحلقات سلسلة من الصفقات المشبوهة، وسوء التسيير، وقرارات إدارية ومالية أدت إلى تراجع أداء هذا القطاع الاستراتيجي. وتوحي المعطيات المقدمة بأن الفساد لم يكن مجرد تجاوزات فردية، بل تحول إلى نمط متكرر أضعف قدرات المؤسسة وأثر على دورها الاقتصادي.

وفي الجانب السياسي، تناولت عدة فيديوهات ما اعتبرته صراعات داخل دوائر الحكم ومراكز النفوذ. فهناك حديث متكرر عن محاولات لإعادة تشكيل التوازنات داخل الدولة، وعن شخصيات نافذة تسعى إلى تعزيز مواقعها أو إقصاء خصومها. وتُقدم هذه الأحداث باعتبارها جزءاً من معركة مستمرة بين شبكات مختلفة تتنافس على النفوذ داخل مؤسسات القرار.

ومن أبرز الملفات التي أثارت الجدل التحقيق المتعلق بابن الوزيرة السابقة ليلى أسلاوي. فالحلقة تركز على شبهات تتعلق باستغلال النفوذ والحصول على امتيازات غير مبررة، مع الإشارة إلى محاولات للتعتيم على القضية ومنعها من التحول إلى فضيحة سياسية أو قضائية واسعة. ويُستخدم هذا المثال لتسليط الضوء على ما تعتبره التحقيقات استمراراً لثقافة الإفلات من المساءلة بالنسبة لبعض الشخصيات المرتبطة بمراكز النفوذ.

كما تناولت إحدى الحلقات ما وُصف بمخطط سري لإحكام السيطرة على مؤسسات الدولة وإعادة توزيع مراكز القوة داخلها. ووفق الرواية المقدمة، فإن الأمر لا يتعلق بقرارات إدارية عادية، بل بعملية إعادة هندسة للتوازنات السياسية والإدارية بما يضمن استمرار نفوذ أطراف معينة داخل النظام. ويعكس هذا النوع من الطرح اهتماماً كبيراً بما يجري خلف الكواليس أكثر من التركيز على الخطاب الرسمي المعلن.

وفي السياق نفسه، خصصت إحدى الحلقات مساحة واسعة للحديث عن قضية وُصفت بأنها فضيحة "خيانة عظمى"، وذلك عقب تصريحات منسوبة لمسؤول أمني سابق وجه اتهامات مباشرة إلى شخصيات نافذة داخل هرم السلطة. وتقدم الحلقة هذه القضية باعتبارها دليلاً على عمق الانقسامات والخلافات داخل بعض مؤسسات الدولة، وعلى وجود صراعات حادة لا تظهر عادة للرأي العام.

أما الملف القضائي فقد برز من خلال التحقيق المتعلق بالقاضية نعيمة دحماني، التي تُصور باعتبارها واحدة من أكثر الشخصيات نفوذاً داخل المنظومة القضائية الجزائرية. وتسلط الحلقة الضوء على شبكة العلاقات والتأثير التي سمحت لها، بحسب ما ورد في التحقيق، ببناء إمبراطورية نفوذ واسعة داخل أجهزة العدالة. ويُستخدم هذا المثال لإثارة تساؤلات أوسع حول استقلالية القضاء وحدود تأثير شبكات المصالح داخل المؤسسات القضائية.

وفي جانب آخر من السلسلة، تنتقل التحقيقات إلى عالم الجريمة المنظمة، من خلال قصة ضابط سابق تحول إلى شاهد على مرحلة معقدة من تاريخ الجزائر. وتروي الحلقة مسار شخصية جمعت بين العمل الأمني والارتباط بشبكات إجرامية، ما يسمح بإعادة قراءة العلاقة بين الجريمة المنظمة وبعض دوائر السلطة خلال فترات سابقة. ويُقدم هذا الملف باعتباره نافذة لفهم جوانب معقدة من تاريخ العنف والاقتصاد الموازي في الجزائر.

ومن أكثر الحلقات تعبيراً عن الوضع الاقتصادي والاجتماعي تلك التي تناولت ظاهرة تنظيم قرعة للفوز بسيارة قديمة يتجاوز عمرها عشرين سنة. فقد استُخدم هذا المثال للدلالة على تراجع القدرة الشرائية وصعوبة الأوضاع المعيشية بالنسبة لشرائح واسعة من المواطنين. وتعتبر الحلقة أن الإقبال الكبير على مثل هذه المبادرات يعكس حجم الإحباط الاقتصادي الذي يعيشه كثير من الجزائريين، ويكشف الهوة المتزايدة بين الخطاب الرسمي حول الثروة الوطنية والواقع اليومي للمواطن.

وتختتم هذه السلسلة بملف يتعلق بصعود شخصية أمنية جديدة إلى مواقع القرار. ويُركز التحقيق على المسار السريع وغير المتوقع الذي سمح لهذه الشخصية بالوصول إلى قيادة أجهزة حساسة داخل الدولة. وتُطرح تساؤلات حول معايير التعيين وآليات صناعة النخب الأمنية الجديدة، وما إذا كانت هذه التغييرات تعكس مجرد تجديد إداري أم تعبر عن إعادة ترتيب أعمق لموازين القوى داخل المؤسسة الأمنية.

وعموماً، تقدم هذه المجموعة من الفيديوهات رؤية نقدية حادة للأوضاع الجزائرية، حيث تتداخل قضايا الفساد مع الأزمات الاقتصادية، وتتقاطع الصراعات السياسية مع التحولات الأمنية، في صورة عامة تسعى إلى إبراز ما تعتبره اختلالات بنيوية تعيق التنمية وتضعف الثقة في المؤسسات. وبين ملفات المليارات المفقودة، وشبهات استغلال النفوذ، وأزمات الاقتصاد والمعيشة، ترسم هذه التحقيقات مشهداً يطغى عليه التساؤل حول مستقبل الحكامة والشفافية والإصلاح داخل الجزائر.


0 التعليقات: