الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، يوليو 10، 2026

قراءة نقدية في كتاب هنري جنكينز «ثقافة التقارب» عبده حقي


من النادر أن أصادف كتابًا استطاع أن يحتفظ براهنيته بعد مرور ما يقارب عقدين من الزمن كما فعل كتاب هنري جنكينز «ثقافة التقارب» الصادر سنة 2006. فمع أن العالم الرقمي الذي وصفه المؤلف كان لا يزال في بدايات تشكله، فإن كثيرًا من الأفكار التي دافع عنها تحولت اليوم إلى جزء من حياتنا اليومية، بل إن بعضها تجاوز توقعاته نفسها. غير أن قيمة هذا الكتاب لا تكمن فقط في استشرافه للمستقبل، وإنما أيضًا في الأسئلة التي يثيرها حول العلاقة المعقدة بين التكنولوجيا والإعلام والثقافة والجمهور.

أقرأ هذا الكتاب اليوم من موقع كاتب يعيش زمن الذكاء الاصطناعي، ولذلك لا أتعامل معه بوصفه وثيقة تاريخية عن مرحلة انقضت، بل باعتباره محطة فكرية ضرورية لفهم ما آلت إليه البيئة الرقمية الراهنة. لقد انطلق جنكينز من فرضية تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في نتائجها، وهي أن وسائل الإعلام لم تعد تعمل بمعزل عن بعضها، وإنما دخلت في عملية اندماج أو تقارب تجعل المحتوى ينتقل بحرية بين الصحافة والتلفزيون والسينما والإنترنت وألعاب الفيديو والهواتف المحمولة، بينما ينتقل الجمهور بدوره بين هذه المنصات باحثًا عن التجربة الأكثر ثراءً.

لكنني أعتقد أن مفهوم «التقارب» الذي يقترحه جنكينز لا ينبغي فهمه باعتباره مجرد تطور تقني، لأن التقنيات بطبيعتها تتغير بسرعة مذهلة، بينما يظل العنصر الثقافي أكثر بطئًا وتعقيدًا. فالتقارب الحقيقي في نظري ليس اجتماع الشاشات داخل جهاز واحد، وإنما إعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان والمعرفة. لقد أصبح القارئ منتجًا، والمستهلك ناشرًا، والمتلقي مشاركًا في صناعة الخطاب، وهي تحولات قلبت الهرم التقليدي الذي ظل الإعلام يعيش داخله طوال القرن العشرين.

يقدم المؤلف مفهوم الثقافة التشاركية بوصفه أحد أهم أعمدة المجتمع الرقمي. فالجمهور، في رأيه، لم يعد ذلك الكيان الصامت الذي يكتفي بالاستهلاك، بل أصبح يصنع القصص ويعيد تحريرها ويعلق عليها ويضيف إليها ويعيد توزيعها عبر المنصات المختلفة. وهذه الفكرة كانت ثورية في منتصف العقد الأول من الألفية الثالثة، لكنها أصبحت اليوم أكثر تعقيدًا مما توقعه صاحبها. فالذكاء الاصطناعي لم يكتف بإشراك الجمهور، بل بدأ يشارك هو نفسه في إنتاج النصوص والصور والموسيقى والأفلام، مما يفرض علينا مراجعة مفهوم المشاركة ذاته.

وهنا أجد نفسي مختلفًا مع جنكينز في نقطة جوهرية. فهو يمنح الإنسان الدور المركزي في إنتاج الثقافة الرقمية، بينما تكشف التجربة الحالية أن الخوارزمية لم تعد مجرد وسيط تقني، بل أصبحت فاعلًا ثقافيًا يختار ويقترح ويصنف ويعيد تشكيل الذوق العام. إن ملايين المستخدمين يظنون أنهم يختارون بحرية، بينما تقوم الخوارزميات بتوجيه اختياراتهم بطريقة غير مرئية. ولذلك فإن الثقافة التشاركية التي احتفى بها المؤلف أصبحت اليوم ثقافة هجينة يتقاسم إنتاجها الإنسان والآلة معًا.

ويخصص جنكينز مساحة واسعة لتحليل العلاقة بين الشركات الإعلامية الكبرى والجماهير، مؤكدًا أن الطرفين يعيشان حالة من التفاوض المستمر. فالشركات تبحث عن الأرباح والسيطرة على المحتوى، بينما يسعى الجمهور إلى إعادة استخدام ذلك المحتوى وإنتاج معانٍ جديدة له. غير أن هذا التحليل، رغم أهميته، يبدو اليوم أقل قدرة على تفسير الواقع. فالفاعل الاقتصادي لم يعد يقتصر على المؤسسات الإعلامية التقليدية، وإنما ظهرت إمبراطوريات رقمية عملاقة لا تنتج المحتوى بقدر ما تتحكم في تدفقه عبر الخوارزميات، وهو تحول لم يكن واضحًا سنة 2006.

كما يلفت انتباهي أن جنكينز يتحدث عن قوة الجمهور وكأنها قوة متجانسة، بينما تكشف التجربة أن الجمهور نفسه يعيش انقسامات حادة داخل فقاعات معلوماتية مغلقة. لقد وعدتنا الثورة الرقمية بتوسيع النقاش العمومي، لكنها أدت في كثير من الأحيان إلى تفتيته إلى جماعات صغيرة لا ترى إلا ما تؤمن به مسبقًا. وهكذا أصبح التقارب التقني يقابله تباعد فكري، وأصبح الاتصال العالمي ينتج عزلات ثقافية متجاورة.

ومن أكثر الفصول إثارة في الكتاب تلك المتعلقة بما يسميه السرد العابر للوسائط، أي بناء القصة الواحدة عبر أكثر من وسيط إعلامي. فالعمل الروائي قد يمتد إلى فيلم، ثم إلى لعبة إلكترونية، ثم إلى موقع إلكتروني، بحيث لا يستطيع المتلقي الإحاطة بالعالم السردي الكامل إلا إذا انتقل بين جميع هذه الوسائط. وقد بدت هذه الفكرة آنذاك ابتكارًا سرديًا بالغ الحداثة، لكنها اليوم أصبحت قاعدة أساسية في الصناعات الثقافية العالمية.

غير أنني أعتقد أن مفهوم السرد العابر للوسائط دخل اليوم مرحلة جديدة تتجاوز تصور جنكينز نفسه. فالذكاء الاصطناعي أصبح قادرًا على توليد شخصيات جديدة، وابتكار نهايات متعددة، وتخصيص الحبكة لكل قارئ على حدة. لم يعد النص ينتقل بين الوسائط فقط، بل أصبح يتغير وفق خصائص كل متلقٍ. إننا أمام سرد متحول باستمرار، لا يعرف نسخة نهائية ولا مؤلفًا واحدًا.

ومن هنا أصل إلى السؤال الذي يغيب عن كتاب جنكينز بحكم زمن تأليفه: من هو المؤلف الحقيقي في العصر الخوارزمي؟ لقد ظل المؤلف عنده إنسانًا مهما تغيرت المنصات، بينما أصبحنا اليوم أمام إنتاج ثقافي تشارك فيه النماذج اللغوية والبرمجيات التوليدية وأنظمة التوصية ومحركات البحث. ولم يعد ممكنا دراسة الثقافة الرقمية دون إدخال هذه العناصر بوصفها أطرافًا فاعلة في عملية الإبداع.

وألاحظ كذلك أن الكتاب ينظر إلى التكنولوجيا بنبرة يغلب عليها التفاؤل. فهو يرى في التقارب فرصة لتوسيع الديمقراطية الثقافية، وزيادة مشاركة المواطنين، وكسر احتكار المؤسسات الإعلامية. ورغم أن هذا التفاؤل كان مفهومًا في سياقه التاريخي، فإن السنوات اللاحقة كشفت الوجه الآخر للعالم الرقمي: الأخبار الزائفة، والتلاعب بالرأي العام، وخطابات الكراهية، والتضليل المنظم، واحتكار البيانات، وهي ظواهر جعلت الثقافة الرقمية أكثر تعقيدًا مما كان يتصوره روادها الأوائل.

ولا يقلل ذلك كله من القيمة الفكرية للكتاب، بل يمنحه أهمية مضاعفة، لأنه يمثل لحظة تأسيسية في التفكير في الإعلام الرقمي. فمن يقرأه اليوم يكتشف بسهولة المسافة الهائلة التي قطعها العالم خلال أقل من عشرين سنة، ويدرك أن كل نظرية إعلامية أصبحت مطالبة بإعادة بناء نفسها بصورة مستمرة.

وأرى أن أهم ما يمكن استخلاصه من «ثقافة التقارب» ليس مفهوم التقارب نفسه، وإنما المنهج الذي يقترحه جنكينز في قراءة التحولات الثقافية بوصفها نتيجة تفاعل معقد بين التكنولوجيا والاقتصاد والجمهور والمؤسسات. وهذا المنهج ما زال صالحًا، لكنه يحتاج إلى إضافة عنصر خامس لم يكن حاضرًا بقوة آنذاك، هو الخوارزمية بوصفها منتجًا للمعنى لا مجرد أداة تقنية.

ومن هذا المنطلق، أجد أن مشروع الكاتب الهجين الذي أعمل على تطويره يمثل امتدادًا طبيعيًا للأسئلة التي بدأها جنكينز. فإذا كان هو قد وصف انتقال الثقافة من الإعلام الأحادي إلى الثقافة التشاركية، فإن المرحلة الحالية تشهد انتقالًا آخر من الثقافة التشاركية إلى الثقافة الخوارزمية، حيث أصبحت الآلة شريكًا في إنتاج النصوص والصور والأفكار، ولم يعد الإنسان يحتكر فعل الإبداع كما كان الحال في الأزمنة السابقة.

ولذلك فإنني أقرأ هذا الكتاب بوصفه بداية طريق لا نهايته. إنه يفسر ولادة المجتمع الرقمي، لكنه لا يستطيع وحده تفسير المجتمع الخوارزمي الذي نعيشه اليوم. لقد تغيرت طبيعة الوسيط، وتغيرت طبيعة الجمهور، وتغيرت طبيعة المؤلف، بل تغير مفهوم الثقافة ذاته.

وأخلص في النهاية إلى أن «ثقافة التقارب» يظل واحدًا من أهم الكتب المؤسسة لدراسات الإعلام الرقمي والثقافة الجديدة، غير أن الزمن أضاف إليه طبقات جديدة من الأسئلة لم يكن في مقدوره أن يتنبأ بها. واليوم، في عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي، لم تعد القضية الأساسية هي انتقال المحتوى بين الوسائط، بل انتقال سلطة الإبداع نفسها من الإنسان المنفرد إلى منظومة هجينة تتشارك فيها العقول البشرية والخوارزميات. وهنا يبدأ، في تقديري، الفصل الجديد من تاريخ الثقافة الرقمية، وهو الفصل الذي يستدعي نظريات جديدة تتجاوز ثقافة التقارب نحو ما أسميه ثقافة التشارك الخوارزمي، حيث يصبح الإبداع نتيجة حوار دائم بين الإنسان والآلة، لا انتصارًا لأحدهما على الآخر.


0 التعليقات: