تتقدَّمُ الروايةُ الرقميةُ اليومَ بوصفِها أحدَ أكثرِ الأجناسِ الأدبيةِ قدرةً على إعادةِ تشكيلِ العلاقةِ بين الكاتبِ والقارئِ والنصِّ. ولم تَعُدِ الصفحةُ فضاءً مغلقًا تُكتَبُ عليه الحكايةُ من بدايتها إلى نهايتها، بل أصبحت شبكةً من المساراتِ المتداخلةِ، تتجاورُ فيها الكلماتُ مع الروابطِ والصورِ والأصواتِ والخوارزمياتِ، حتى يغدو القارئُ شريكًا في صناعةِ السردِ بدلَ أن يكونَ متلقِّيًا سلبيًّا له. وفي هذا السياق تبرز السرديةُ الفائقةُ النصِّ Echoes of the Algorithm، أو «أصداء الخوارزمية»، بوصفها تجربةً أدبيةً تتوغَّلُ في المنطقةِ الأكثرِ حساسيةً داخلَ الإنسانِ المعاصر؛ تلك المنطقةُ التي تتقاطعُ فيها المشاعرُ الإنسانيةُ مع القراراتِ التي تتخذها الخوارزمياتُ بصمتٍ وهدوء.
أقرأُ هذا العملَ بوصفِه أكثرَ من تجربةٍ تقنيةٍ في الأدبِ الرقمي. إنني أراهُ تأمُّلًا فلسفيًّا طويلًا في سؤالٍ جديدٍ أخذ يفرضُ نفسَه على وعينا اليومي: إلى أيِّ حدٍّ أصبحتِ الخوارزمياتُ تعرفُنا أكثرَ ممَّا نعرفُ أنفسَنا؟ فكلُّ ضغطةِ زرٍّ، وكلُّ عمليةِ بحثٍ، وكلُّ صورةٍ نُعجبُ بها، تتحوَّلُ إلى أثرٍ رقميٍّ يُغذِّي أنظمةً قادرةً على توقُّعِ رغباتِنا، بل وعلى اقتراحِ قراراتٍ قد تبدو لنا نابعةً من إرادتِنا، بينما هي نتيجةُ حساباتٍ رياضيةٍ معقَّدة.
ينطلقُ النصُّ من فرضيةٍ سرديةٍ بسيطةٍ في ظاهرِها، لكنها عميقةٌ في أبعادِها. فالشخصياتُ لا تواجهُ خصمًا بشريًّا، ولا تعيشُ صراعًا تقليديًّا مع المجتمعِ أو السلطةِ السياسية، وإنما تدخلُ في مواجهةٍ مع منظومةٍ رقميةٍ لا وجهَ لها، ولا صوتَ، ولا انفعالَ. إنَّها خوارزميةٌ تُراقبُ وتُحلِّلُ وتُصنِّفُ وتُوصي، بينما يظلُّ الإنسانُ يعتقدُ أنَّه صاحبُ القرارِ الأخير.
ما يُدهشُني في هذه السرديةِ أنَّها لا تُقدِّمُ الخوارزميةَ باعتبارِها شرًّا مطلقًا، ولا تُصوِّرُ الإنسانَ ضحيةً بريئةً بالكامل. إنَّ العلاقةَ بين الطرفين أكثرُ تعقيدًا من هذا التصنيفِ الأخلاقيِّ المبسَّط. فالخوارزميةُ لا تبتكرُ مشاعرَ الإنسان، لكنها تتعلَّمُ منها. وهي لا تُحبُّ ولا تكره، لكنها تُتقنُ قراءةَ أنماطِ الحبِّ والكراهيةِ. إنها مرآةٌ رقميةٌ ضخمةٌ تعكسُ سلوكَ البشرِ بعد أن تُعيدَ ترتيبَه وفقَ معاييرَ إحصائيةٍ دقيقة.
وتزدادُ فرادةُ العملِ لأنَّه يستثمرُ تقنيةَ Hypertext، أو النصِّ الفائقِ الترابط، ليجعلَ القارئَ يعيشُ التجربةَ نفسَها التي تعيشُها الشخصيات. فلا يوجدُ طريقٌ واحدٌ نحو النهاية، بل تتفرَّعُ المساراتُ باستمرارٍ، ويقودُ كلُّ رابطٍ إلى احتمالاتٍ جديدةٍ، وكأنَّ النصَّ نفسه يُحاكي طريقةَ عملِ الشبكاتِ العصبيةِ الاصطناعية. إنَّ القارئَ لا يقرأُ الروايةَ فقط، بل يُنتجُ نسختَه الخاصةَ منها مع كلِّ اختيارٍ يقومُ به.
وهنا يكمنُ الذكاءُ الحقيقيُّ لهذا العمل. فالشكلُ لا ينفصلُ عن المضمون. إنَّ البنيةَ السرديةَ نفسها تتحوَّلُ إلى استعارةٍ لطريقةِ تفكيرِ الخوارزمية. فكما تُعيدُ الخوارزميةُ ترتيبَ الاحتمالاتِ أمامَ المستخدم، يُعيدُ النصُّ ترتيبَ الحكايةِ أمامَ القارئ. وكما لا يعرفُ المستخدمُ كلَّ الحساباتِ التي أنتجتْ اقتراحًا معيَّنًا، لا يعرفُ القارئُ كلَّ المساراتِ التي لم يسلكْها داخلَ الرواية.
ويُثيرُ العملُ سؤالًا آخرَ أكثرَ إزعاجًا: هل ما نسمِّيه "اختيارًا حرًّا" لا يزالُ فعلًا حرًّا؟ فإذا كانتِ المنصاتُ الرقميةُ تعرفُ مسبقًا الأغنيةَ التي سأستمعُ إليها، والكتابَ الذي سأشتريه، والفيلمَ الذي سأشاهده، وحتى الشخصَ الذي قد أقعُ في حبِّه، فأين تنتهي إرادتي، وأين تبدأُ سلطةُ البيانات؟
إنَّ السرديةَ لا تُجيبُ عن هذا السؤال، لكنها تُحوِّله إلى تجربةٍ معيشةٍ داخلَ النصِّ. فكلُّ قرارٍ يتخذهُ القارئُ يفتحُ احتمالًا جديدًا، غيرَ أنَّه يكتشفُ في النهايةِ أنَّ جميعَ الاحتمالاتِ كانت موجودةً سلفًا داخلَ النظام. وهكذا يصبحُ الإحساسُ بالحريةِ جزءًا من تصميمِ التجربةِ، وليس بالضرورةِ دليلًا على وجودِ حريةٍ مطلقة.
وتلفتُ انتباهي أيضًا الطريقةُ التي تُعالَجُ بها العاطفةُ الإنسانيةُ. فالحبُّ، والحنينُ، والخوفُ، والغيرةُ، والندمُ، لا تظهرُ باعتبارِها حالاتٍ وجدانيةً خالصةً، بل تتحوَّلُ إلى بياناتٍ قابلةٍ للقياسِ والتحليل. فابتسامةٌ صغيرةٌ أمامَ الشاشةِ، أو توقُّفٌ طويلٌ عندَ صورةٍ معيَّنةٍ، أو إعادةُ مشاهدةِ مقطعٍ موسيقيٍّ، كلُّها تتحوَّلُ إلى مؤشراتٍ رقميةٍ تُعيدُ تشكيلَ صورةِ الإنسانِ داخلَ النظام.
لكنَّ النصَّ يُذكِّرُنا، في الوقتِ نفسه، بأنَّ العاطفةَ ليستْ مجرَّدَ بيانات. فما تعجزُ الخوارزميةُ عن فهمِه هو ذلكَ الجزءُ الغامضُ الذي لا يخضعُ للحساب. الإنسانُ قد يختارُ الألمَ بإرادتِه، وقد يُفضِّلُ الخسارةَ على الربحِ، وقد يتمسَّكُ بذكرى لا تحملُ أيَّ منفعةٍ عملية. هنا تتوقَّفُ الرياضياتُ، ويبدأُ الأدب.
إنَّ هذه المفارقةَ هي التي تمنحُ السرديةَ عمقَها الحقيقي. فالخوارزميةُ تستطيعُ تفسيرَ الماضي، وربما توقُّعَ المستقبل، لكنها لا تستطيعُ أن تختبرَ الإحساسَ الداخليَّ بالحبِّ أو الفقدِ أو الشفقة. إنَّها تُديرُ المشاعرَ من الخارج، بينما يعيشُها الإنسانُ من الداخل.
وأرى أنَّ القيمةَ الجماليةَ للعملِ لا تكمنُ فقط في موضوعِه، بل في قدرتِه على توظيفِ الوسائطِ الرقميةِ بوصفِها عناصرَ سرديةً أصيلةً. فالرابطُ الإلكترونيُّ يتحوَّلُ إلى جملةٍ روائية، والصورةُ تصبحُ امتدادًا للوصف، والصوتُ يُؤدِّي وظيفةَ الراوي، أمَّا الخوارزميةُ فتغدو شخصيةً خفيَّةً لا تظهرُ مباشرةً، لكنها تُحرِّكُ الأحداثَ كلَّها من خلفِ الستار.
ومن زاويةِ النقدِ الأدبيِّ، أجدُ أنَّ «أصداء الخوارزمية» تنتمي إلى مرحلةٍ جديدةٍ من تطوُّرِ الأدبِ الرقمي، مرحلةٍ لم يَعُدْ فيها السؤالُ منصبًّا على استعمالِ التكنولوجيا داخلَ النصِّ، بل على الكيفيةِ التي تُعيدُ بها التكنولوجيا تعريفَ الإنسانِ نفسِه. فالكاتبُ هنا لا يصفُ العالمَ الرقميَّ، بل يجعلُ القارئَ يعيشُ داخله، ويختبرُ منطقَه، ويشعرُ بسلطتِه غيرِ المرئية.
ولعلَّ أكثرَ ما يُثيرُ اهتمامي أنَّ هذا النوعَ من السردِ يُعيدُ تعريفَ المؤلِّفِ أيضًا. فالمؤلِّفُ لا يكتبُ جميعَ المساراتِ التي سيقرأُها كلُّ قارئ، وإنما يبني منظومةً من الإمكانات. إنَّه يُشبهُ إلى حدٍّ بعيدٍ مهندسًا معماريًّا يُشيِّدُ مدينةً كاملةً، ثم يتركُ لكلِّ زائرٍ أن يختارَ طريقَه الخاصَّ داخلَها. وهكذا ينتقلُ الإبداعُ من كتابةِ النصِّ إلى تصميمِ احتمالاتِ القراءة.
إنَّ «أصداء الخوارزمية» تُقدِّمُ نموذجًا واضحًا لما يمكنُ أن يكونَ عليه الأدبُ في عصرِ الذكاءِ الاصطناعي. فالنصُّ لم يَعُدْ أثرًا ثابتًا، بل أصبح كيانًا حيًّا يتغيَّرُ مع كلِّ قراءة، ويُعيدُ تشكيلَ نفسِه تبعًا لاختياراتِ المتلقِّي. وبهذا المعنى فإنَّ الروايةَ لا تُحاكي العالمَ الرقميَّ فحسب، وإنما تُصبحُ جزءًا من منطقِه الداخلي.
وأنا أخرجُ من هذه التجربةِ السرديةِ لا أحتفظُ بإجابةٍ واحدة، بل بسلسلةٍ من الأسئلةِ المفتوحة: هل تستطيعُ الخوارزميةُ أن تُحبَّ؟ وهل يمكنُ للذكاءِ الاصطناعيِّ أن يفهمَ الحنينَ حقًّا؟ وهل يبقى الإنسانُ إنسانًا إذا أصبحتْ قراراتُه اليوميةُ نتاجَ تنبؤاتٍ رقميةٍ متراكمة؟ وربما يكونُ أعظمُ إنجازٍ لهذا العملِ أنَّه لا يفرضُ علينا موقفًا جاهزًا، بل يدفعُنا إلى إعادةِ التفكيرِ في معنى الحريةِ، والذاكرةِ، والعاطفةِ، والاختيارِ، داخلَ عالمٍ يتزايدُ اعتمادُه على الخوارزمياتِ عامًا بعدَ عام، حتى باتتْ أصداؤها تتردَّدُ في تفاصيلِ حياتِنا بصوتٍ أخفضَ من أن نسمعَه، وأقوى من أن نتجاهلَه.







0 التعليقات:
إرسال تعليق