تكشف القراءة المحدثة لأجندة معهد العالم العربي في باريس، كما هي منشورة في موقعه الرسمي بتاريخ 16 غشت 2026، عن موسم ثقافي تتقاطع فيه الآثار والفنون البصرية والأدب والسينما والموسيقى والشعر والذاكرة الفلسطينية والمغاربية. ولا يقدم المعهد نفسه مجرد متحف أو قاعة عروض، بل مؤسسة متعددة الوظائف تقول إنها تنظم نحو 1500 فعالية ونشاط ثقافي سنوياً، تشمل المعارض والحفلات والورشات والمهرجانات والزيارات واللقاءات الفكرية والأدبية.
وتكتسب أجندة الأسابيع المقبلة أهمية خاصة لأنها تقيم جسوراً بين تاريخ المشرق والمغرب العربي والقضايا الراهنة. ففي الوقت الذي يقترب فيه معرض جبيل اللبناني من إسدال الستار، تستمر عروض حول التراث الليبي وتجربة الفن داخل مستشفى البليدة-جوانفيل الجزائري، بينما يستعد المعهد لاستقبال موسم شتنبر بأدب يستعيد حرب الجزائر، وفوتوغرافيا فلسطينية، وسينما تونسية، وشعر فلسطيني نسائي، وموسيقى تستعيد أغاني أعراس المغرب العربي.
جبيل في باريس: تسعة آلاف سنة من تاريخ المتوسط قبل اختتام المعرض
يبقى معرض «Byblos, cité millénaire du Liban – جبيل، مدينة لبنان الألفية» أحد أبرز الأحداث التي يمكن مشاهدتها حالياً في معهد العالم العربي، لكنه يدخل أيامه الأخيرة، إذ يستمر إلى 23 غشت 2026. ويقدمه المعهد باعتباره معرضه الحدث، مستعيداً قصة واحدة من أقدم مدن الساحل اللبناني وموقعاً كان من المراكز البحرية والتجارية الكبرى التي ربطت الساحل الشرقي للمتوسط بمصر وبلاد الرافدين والعالم الإيجي.
ويضم المعرض نحو 400 قطعة، بينها مقتنيات جنائزية وحلي وأوانٍ وأسلحة وقطع مرتبطة بالمعابد والملوك، إضافة إلى مكتشفات أثرية حديثة، ومنها نتائج التنقيب في الميناء القديم والبوابة الجنوبية للمدينة ومقبرة تعود إلى العصر البرونزي بقيت سليمة بصورة نادرة. ويعيد المعرض كذلك وضع جبيل داخل تاريخ انتشار الأبجدية الفينيقية وتبادل التأثيرات مع مصر الفرعونية.
ثقافياً، تكمن أهمية هذا المعرض في أنه يقدم لبنان من خلال عمقه الحضاري لا من خلال الصورة السياسية والأمنية التي غالباً ما تهيمن على نشرات الأخبار. فجبيل هنا تتحول إلى مفتاح لفهم تاريخ المتوسط باعتباره فضاءً للهجرة والتجارة وتبادل اللغات والمعتقدات والأشكال الفنية.
ليبيا تستعيد تراثها المنسي عبر الصورة والأركيولوجيا
ويستمر حتى 20 أكتوبر 2026 معرض «Libye, patrimoine révélé – ليبيا، تراث مكشوف»، الذي يعتمد الصور والفيديوهات لتقديم حصيلة عمل أثري وعلمي طويل أنجزته البعثة الأثرية الفرنسية في ليبيا بالتعاون مع الجهات الليبية المختصة.
ولا يختزل المعرض التراث الليبي في الحقبة الرومانية المعروفة نسبياً لدى الجمهور الأوروبي، بل يتتبع مواقع وفترات تمتد من عصور ما قبل التاريخ إلى القرون الوسطى. وتشمل المواقع المقدمة مساك في الصحراء، وبونجم، ولبدة الكبرى، وأبو تمسة، وأبولونيا، ولاترون، ومناطق من مرمريكا الغربية. ويشير المعهد إلى أن إحدى عمليات المسح في مرمريكا كشفت عن 56 موقعاً أثرياً مختلفاً.
المعرض بذلك يؤدي وظيفة مزدوجة: تعريف الجمهور الفرنسي والأوروبي بثراء تاريخ ليبيا من جهة، والتنبيه إلى قضية حماية التراث في البلدان التي تعرضت للحروب والاضطرابات من جهة أخرى. وهو تذكير بأن خسائر الصراع لا تقاس فقط بالأرواح والبنى التحتية، بل قد تطال ذاكرة حضارية لا يمكن تعويضها.
من إرث فرانز فانون إلى العلاج بالفن: البليدة الجزائرية في قلب المتحف
من أكثر معارض المعهد تميزاً فكرياً معرض «Tenter l’art pour soigner – محاولة الفن من أجل العلاج»، المخصص للتجارب الفنية التي شهدها مستشفى البليدة-جوانفيل للأمراض النفسية في الجزائر خلال ستينيات القرن الماضي. ويستمر المعرض إلى 3 يناير 2027.
ترتبط قصة المستشفى باسم الطبيب والمفكر المناهض للاستعمار فرانز فانون الذي عمل فيه رئيساً للأطباء بين 1953 و1956، وسعى إلى تجاوز أنماط الطب النفسي الاستعماري وإدماج البعد الاجتماعي والثقافي في العلاج. وبعده واصل العاملون في المستشفى تطوير ممارسات «العلاج الاجتماعي»، ومنها ورشات الرسم والموسيقى والأنشطة اليدوية والرياضية.
ويعرض المعهد رسوماً بالغواش وأرشيفات وقطعاً خزفية جاءت ضمن هبة حصل عليها المتحف سنة 2021. واللافت أن هذه الأعمال لا تقدم باعتبارها «غرائب» أنجزها مرضى نفسيون، بل بوصفها وثائق إنسانية وتعبيرية تعيد الاعتبار إلى أصحابها وإلى قدرتهم على إنتاج المعنى والصورة.
إنه واحد من المعارض التي يتقاطع فيها الفن بتاريخ الطب والاستعمار والفكر التحرري، ولذلك تتجاوز قيمته حدود المتحف التقليدي.
باريس العربية: جولة بين السوربون والمطابع والمسجد الكبير
ولا تقتصر أجندة المعهد على ما يوجد داخل المبنى. فمن الأنشطة المستمرة حتى 10 أكتوبر 2026 جولة «Le Paris arabe historique – باريس العربية التاريخية»، وهي نزهة ثقافية تستغرق نحو ثلاث ساعات وتنطلق من معهد العالم العربي وتنتهي عند المسجد الكبير بباريس.
تمر الجولة عبر فضاءات من بينها محيط كوليج دو فرانس والسوربون وكنيسة سان جوليان لو بوفر، وتستعيد بداية تدريس العربية في فرنسا، وحضور المثقفين والمصلحين العرب في باريس خلال القرن التاسع عشر، ونشأة المطابع والصحف العربية في العاصمة الفرنسية، قبل الوصول إلى المسجد الكبير. وتبرمج الجولة في تواريخ متعددة خلال غشت وشتنبر وأكتوبر.
وتكتسب هذه الجولة قيمة خاصة لأنها تنقل التاريخ العربي الفرنسي من الكتب إلى جغرافيا المدينة نفسها؛ فالرصيف والبناية والجامعة والمطبعة تتحول كلها إلى وثائق مفتوحة.
شتنبر يبدأ بأدب الجزائر: كزافييه لوكلير وبنجامين ستورا
بعد هدوء نسبي في نهاية غشت، تنطلق البرمجة الأدبية الخريفية يوم 12 شتنبر 2026 بلقاء يجمع الكاتب Xavier Le Clerc بالمؤرخ المعروف Benjamin Stora حول رواية Le garçon ébloui.
تدور الرواية في الجزائر سنة 1959، خلال حرب التحرير، حول طفل في السابعة يدعى إدير يفقد كل شيء قبل أن يتولى رعايته مدرس فرنسي شاب استدعي للخدمة العسكرية. ويتقاطع مصيرهما لاحقاً مع قاعدة رقان في الصحراء وتجارب فرنسا النووية الأولى.
وجود بنجامان ستورا في الحوار يمنح اللقاء بعداً يتجاوز تقديم رواية جديدة، لأن العمل يدخل مباشرة إلى منطقة شديدة الحساسية في الذاكرة الفرنسية الجزائرية: الاستعمار والحرب والتجارب النووية والآثار التي تركتها في البشر.
اللقاء مقرر السبت 12 شتنبر عند الساعة السادسة مساء والدخول مجاني مع الحجز.
أغاني العرس المغاربي تلتقي الموسيقى المعاصرة
في 16 شتنبر تأتي محطة موسيقية بعنوان «Chants de mariage du Maghreb vus par les musiques actuelles»، ضمن سلسلة «المحطات الموسيقية» التي يشرف عليها الموسيقي قيس السعدي. ويخصص اللقاء لأغاني الزواج المغاربية بعد وضعها في حوار مع الحساسيات الموسيقية المعاصرة.
الفكرة تتجاوز أداء أغنيات تراثية كما وصلت إلينا؛ إنها تقوم على وضع جماليتين تفصل بينهما الأزمنة والمسافات في مواجهة موسيقية تسمح بنشوء لغة ثالثة. وهذا التوجه يلخص جانباً مهماً من فلسفة معهد العالم العربي: عدم التعامل مع التراث باعتباره مادة متحفية جامدة وإنما باعتباره ذخيرة قابلة لإعادة القراءة.
أيام التراث الأوروبي: التصوير والتراث المهدد في قلب البرنامج
يخصص المعهد يومي 19 و20 شتنبر 2026 للمشاركة في الدورة الثالثة والأربعين من أيام التراث الأوروبية. وتقام دورة هذه السنة تحت محورين: «تراث التصوير الفوتوغرافي»، بالتزامن مع مرور مئتي عام على اختراع التصوير، و«التراث المهدد: الإحياء والمقاومة وإعادة التخيل».
وخلال اليومين، يفتح المعهد مجموعاته ومعارضه أمام الجمهور مجاناً، إلى جانب محاضرات وورشات وأنشطة مختلفة. وتلتقي تحت هذا العنوان معارض ليبيا والفن العلاجي في البليدة وفلسطين، بما يجعل مفهوم «التراث» أوسع من الآثار القديمة: إنه أيضاً صورة وذاكرة فردية وجماعية وشهادة على المنفى والاقتلاع.
ومن الأنشطة الموازية لقاء حول ذاكرة اللاجئين الفلسطينيين من خلال التصوير والقصة المصورة، وورشة للرسم القصصي، وأنشطة تتعلق بالمجموعات الفوتوغرافية للمعهد.
فلسطين بعدسة جوس دراي: صور انتظرت ربع قرن
من أبرز أحداث شتنبر معرض «La Palestine photographiée par Joss Dray – فلسطين بعدسة جوس دراي»، الذي يفتتح يوم 19 شتنبر ويستمر إلى 1 نونبر 2026 في مكتبة ليلى شهيد، والدخول إليه مجاني.
القيمة الوثائقية للمعرض استثنائية؛ فالصور تعود إلى 2001، عندما كلف المعهد المصورة الفرنسية جوس دراي بإنجاز تقرير فوتوغرافي في فلسطين. وقد صورت الحياة اليومية والوجوه والأمكنة داخل الأراضي الفلسطينية ومخيمات اللاجئين والشتات، بما في ذلك جباليا والشاطئ وقلنديا والدهيشة وجنين وبعض المخيمات في لبنان. ولم يسبق عرض هذا التقرير كاملاً أمام الجمهور.
كما يكتسب الحدث بعداً رمزياً إضافياً لأنه يقام تكريماً لاسم ليلى شهيد بعد إطلاق اسمها على مكتبة المعهد. ويتحول المعرض بذلك إلى لقاء بين ذاكرة فوتوغرافية عمرها ربع قرن وذاكرة سياسية وثقافية فلسطينية أوسع.
سينما تونس: «قدر ـ أبناء الرب» في عرض أول
تدخل السينما بقوة إلى الأجندة يوم 22 شتنبر مع عرض مسبق للفيلم التونسي «Kadar – The Sons of the Lord» للمخرجة وكاتبة السيناريو والمنتجة إيمان بن حسين. الفيلم روائي تونسي مدته 110 دقائق وتدور حكايته حول طبيب شرعي يزور تقارير التشريح بأوامر من منظمة نافذة.
ويشارك في التمثيل تقلا شمعون ومهذب الرميلي ووجيهة الجندوبي. وتوضح صفحة المعهد أن الفيلم يمثل أول عمل روائي طويل لإيمان بن حسين.
اختيار الفيلم ضمن عروض المعهد يؤكد استمرار المؤسسة في أداء دور النافذة الباريسية للسينما العربية، لا سيما الأفلام التي قد يكون وصولها إلى الجمهور الفرنسي خارج دوائر المهرجانات محدوداً.
رشيدة براكني و«الجزء الغائب»: الاسم والهوية وذاكرة حرب الجزائر
وفي اليوم نفسه، 22 شتنبر، تستضيف المكتبة الفنانة والكاتبة رشيدة براكني لتقديم روايتها La part absente، المقرر صدورها عن دار Stock يوم 19 غشت 2026.
وتنطلق الرواية من لعبة اسمية ذات حمولة هووية عميقة: امرأة تسمى ظاهرياً «Karina» بينما يقود الاسم الأصلي «Karima» إلى الضفة الأخرى من المتوسط وإلى ماضٍ حاولت الشخصية قطعه. ومع تصدع البناء الذي أقامته على إخفاء جزء من هويتها، تعود جراح الطفولة وحرب الجزائر.
وهنا تواصل أجندة المعهد الاشتغال على الذاكرة الجزائرية لكن عبر الأدب هذه المرة، بعدما حضرت في المعارض عبر فانون والبليدة وفي لقاء كزافييه لوكلير وبنجامين ستورا.
فلسطين مرة أخرى.. لكن بصوت الشاعرات
في 26 شتنبر 2026 تخصص سلسلة «سبت الشعر» جلسة بعنوان «Palestine en éclats – la poésie palestinienne féminine» للشعر الفلسطيني النسائي المعاصر. وتقوم الفعالية على أنطولوجيا أعدتها الشاعرة الفلسطينية ندى يونس وترجمها محمد قاسمي إلى الفرنسية.
تجمع الأنطولوجيا أصواتاً من غزة والضفة الغربية والأراضي الفلسطينية والشتات، وتطرح من خلالها موضوعات الاحتلال والمنفى والمجتمع الأبوي والجسد والهوية والعلاقة بين الحميمي والسياسي. وتشارك في اللقاء دارينا الجندي في القراءة العربية، ومحمد قاسمي في القراءة الفرنسية، مع مرافقة موسيقية على العود لمهند الجرمّاني.
الجمع بين الصورة الفوتوغرافية لفلسطين في معرض جوس دراي والشعر النسائي بعد أيام قليلة يكشف أن المعهد اختار مقاربة فلسطين في خريفه الثقافي عبر تعدد الوسائط لا عبر الخطاب السياسي المباشر وحده.
«تحيا العروس!».. المغرب والجزائر وتونس بين الملابس والذاكرة والفن المعاصر
ويبدو أن المعرض الكبير الذي سيشكل أحد أعمدة الموسم الخريفي والشتوي هو «Vive la mariée ! – تحيا العروس!»، من 29 شتنبر 2026 إلى 28 فبراير 2027. ويخصص المعرض لمكانة الزواج والعرس في مجتمعات المغرب والجزائر وتونس.
ويعرض المعهد مجموعة استثنائية من الأزياء والحلي التي لم يسبق عرضها في فرنسا، إلى جانب أعمال 27 فناناً وفنانة معاصرين من المغرب العربي وشتاته. والمهم في التصور الفني للمعرض أنه لا يكتفي بالاحتفاء بالفستان والزينة والاحتفال، وإنما يستخدم الزواج بوصفه مدخلاً إلى قضايا الذاكرة والهوية والجسد والأسرة ونقل التقاليد والتحولات الاجتماعية.
وسيولد عن المعرض برنامج كامل من الزيارات واللقاءات والحفلات، بينها لقاء مع الفنانتين Margaux Dehry وGhizlaine Sahli يوم 3 أكتوبر، وحفلات مرتبطة بأغاني الزواج المغاربية.
غزة على الشاشة: «Qui vit encore» وشهادة تسعة لاجئين
في الأول من أكتوبر يقدم المعهد عرضاً مسبقاً للفيلم الوثائقي «Qui vit encore – من لا يزال حياً» للمخرج السويسري نيكولا واديموف. الفيلم إنتاج سويسري فرنسي لبناني مدته 114 دقيقة، ويتابع تسعة لاجئين من غزة تمكنوا من الخروج منها.
يعتمد العمل على خريطة مبسطة لغزة مرسومة على الأرض، ومنها يستعيد المشاركون أحياءهم ومدنهم ومخيماتهم وحياتهم السابقة والأشخاص الذين فقدوهم. لا يجعلهم الفيلم أرقاماً داخل حصيلة حرب، بل يمنح كلاً منهم زمناً لسرد سيرته وذاكرته.
ويتكامل هذا الفيلم بصورة واضحة مع معرض جوس دراي وفعاليات الشعر الفلسطيني، بحيث تصبح فلسطين أحد أكثر المحاور حضوراً في برمجة المعهد خلال سبتمبر وأكتوبر.
الموسيقى تواصل السفر بين ضفاف المتوسط
الأجندة المنشورة للموسيقى لا تتوقف عند محطة شتنبر. ففي 7 أكتوبر يحتفل برنامج «Les Escales musicales» بمحطته الخمسين من خلال لقاء موسيقي كبير، ثم ينظم المعهد يوم 31 أكتوبر حفلاً لاكتشاف مجموعة Zahratane في إطار معرض «تحيا العروس».
ويجمع حفل Zahratane تقاليد موسيقية يهودية وإسلامية من المغرب العربي، من الموسيقى العربية الأندلسية والسفاردية والأمازيغية إلى أغاني دخول العروس ووداعها. ويشارك فيه صوتا إيناس كاناميراس وسلمى صداق، مع ياسر رامي على العود وأنطوان مورينو على الإيقاع.
وتستمر السلسلة في نونبر بلقاء بين الموسيقى العربية والفلامنكو، ثم في دجنبر بحوار بين الموسيقى العربية والأمازيغية.
أجندة تتجاوز مفهوم «التعريف بالعالم العربي»
عند جمع هذه الأحداث في مشهد واحد يبدو أن معهد العالم العربي يتحرك في اتجاه أعمق من تقديم «الثقافة العربية» للجمهور الفرنسي بطريقة فولكلورية. برمجة 2026، على الأقل في هذه المرحلة، تربط الآثار بالسياسة والذاكرة، واللباس بالفن المعاصر، والموسيقى بالهجرة والتعدد الديني، والأدب بتاريخ الاستعمار، والفوتوغرافيا بالاقتلاع والمنفى.
ويثير حضور لبنان والجزائر وليبيا وفلسطين وتونس والمغرب العربي داخل بضعة أسابيع ملاحظة مهمة: المؤسسة تقدم عالماً عربياً متعدد الأصوات، لا كتلة ثقافية متجانسة. جبيل ليست البليدة، وغزة ليست تونس، وأعراس المغرب الكبير ليست تراث ليبيا الأثري، لكن ما يجمع هذه الموضوعات هو محاولة قراءة الماضي من موقع الحاضر.
كما يبرز عنصر آخر شديد الأهمية هو الذاكرة. فهي تكاد تكون الخيط غير المرئي الذي يربط البرنامج كله: ذاكرة جبيل والحضارات القديمة، ذاكرة فانون ومستشفى البليدة، ذاكرة المواقع الليبية المهددة، ذاكرة حرب الجزائر، ذاكرة اللاجئ الفلسطيني، ذاكرة الصور التي ظلت خمسة وعشرين عاماً بعيدة عن الجمهور، وذاكرة العرس المغاربي وأزيائه وأغانيه.
لهذا يمكن النظر إلى أجندة معهد العالم العربي في باريس خلال الأسابيع المقبلة باعتبارها أكثر من رزنامة للمعارض والحفلات. إنها، في جانب كبير منها، مختبر لإعادة كتابة العلاقة بين أوروبا والعالم العربي من خلال الثقافة، حيث تتحول الصورة والقصيدة والرواية والفيلم والأثر واللحن إلى أدوات لفهم تاريخ مشترك ما تزال آثاره وأسئلته حاضرة حتى اليوم.
والأكثر إثارة أن موسم الخريف لم يبدأ بعد فعلياً؛ فمن شتنبر إلى نهاية السنة تعلن الأجندة عن لقاءات أدبية وسينمائية وموسيقية ومعارض جديدة، وهو ما يجعل موقع المعهد نفسه مرجعاً يستحق المتابعة الدورية لمن يريد رصد الحضور الثقافي العربي في فرنسا وأوروبا.








0 التعليقات:
إرسال تعليق