في كتابه الشعري الجديد «هجرة الشمس»، الصادر عن دار الساقي سنة 2026، لا يعود أدونيس إلى الشعر كما يعود شاعر إلى أرض يعرفها، بل يعود إليه كما يعود الإنسان، في آخر المطاف، إلى أكثر الأسئلة التي ظلت تؤجله طوال حياته: ماذا يبقى منا حين تتقدم الأعمار؟ ماذا تصنع الذاكرة حين تبدأ الأشياء في الانسحاب؟ وهل يستطيع الشعر، بعد كل هذه العقود من المغامرة والتمرد والتجريب، أن يؤخر الغياب، ولو بجملة واحدة؟
أقرأ «هجرة الشمس» باعتباره واحداً من أكثر كتب أدونيس قرباً من الإنسان الذي ظل طويلاً مختبئاً خلف الشاعر الكبير. فهنا يبدو الصوت أقل رغبة في إعلان القطيعة مع العالم، وأكثر ميلاً إلى الإصغاء إلى ما تركه العالم فيه. الأب يعود. المدن تعود. الأصدقاء يعودون. الجسد نفسه يعود، ولكن لا بوصفه جسداً يحتفل بالطاقة والرغبة فقط، بل بوصفه زمناً محسوساً، وسجلاً للانطفاءات الصغيرة التي لا يلتفت إليها الإنسان إلا عندما تبدأ المسافة بينه وبين شبابه في الاتساع.
ليس من السهل قراءة شاعر مثل أدونيس في الشيخوخة. نحن لا نقرأ شاعراً عرفه تاريخ الأدب العربي الحديث فحسب، بل نقرأ مشروعاً شعرياً وفكرياً كاملاً وهو يتأمل نهاياته المفتوحة. أدونيس الذي أمضى عقوداً في مساءلة التراث والدين واللغة والسياسة والحداثة، يجد نفسه هنا أمام السؤال الذي لا يستطيع أي مشروع فكري أن يتجاوزه: سؤال الفناء الشخصي.
ولهذا يبدو «هجرة الشمس» مختلفاً في نبرته حتى حين يظل وفياً لعالم أدونيس المعروف. هناك اللغة الكثيفة نفسها، والانزياح، والشذرة، والتأمل، لكن هناك أيضاً شيء أكثر حميمية وأقل تنظيراً. كأن القصيدة، بعد رحلة طويلة في التاريخ والأسطورة والمجرد، عادت فجأة إلى الجسد، إلى البيت، إلى الأب، إلى الصديق، إلى المدينة التي عبرها الشاعر ذات يوم ثم اكتشف، بعد سنوات طويلة، أنها لم تخرج منه أبداً.
العنوان نفسه، «هجرة الشمس»، يفتح الباب أمام قراءة وجودية عميقة. الشمس في المخيال الإنساني رمز للحياة والضياء والاستمرار، لكن ماذا يعني أن تهاجر الشمس؟ هل يعني ذلك أن الضوء نفسه أصبح مسافراً؟ أم أن الإنسان هو الذي يبدأ، مع العمر، في الإحساس بأن الأشياء التي كانت ثابتة في حياته تتحول تدريجياً إلى أشياء عابرة؟
أدونيس لا يكتب هنا عن الموت باعتباره حادثاً يقع في نهاية الطريق، بل عن حضوره الهادئ داخل الحياة نفسها. فالموت يبدأ، في كثير من الأحيان، قبل أن يقع. يبدأ في غياب الأصدقاء، في موت الأب، في اختفاء أماكن عرفناها، في تغير المدن التي سكنّاها، وفي تحول الجسد من أداة نعيش بها إلى موضوع نتأمله ونتساءل عن قدرته على مواصلة الطريق.
وهذا ما يجعل «هجرة الشمس» قريباً من السيرة، وإن لم يكن سيرة بالمعنى التقليدي. إنه أقرب إلى سيرة شعرية متقطعة، إلى شظايا حياة تستعاد لا وفق ترتيب زمني، بل وفق منطق الذاكرة. والذاكرة لا تحترم التقويم؛ قد تستعيد وجهاً من خمسين سنة كما لو أنه غادر الغرفة قبل دقائق، وقد تنسى حادثة وقعت بالأمس.
في هذا الكتاب، تصبح الذاكرة أحد الأبطال الحقيقيين. ليست مجرد مستودع للماضي، بل قوة تقاوم المحو. فالإنسان، كلما اقترب من الشيخوخة، لا يخشى فقط النهاية البيولوجية، بل يخشى أن تختفي الأشياء التي صنعته. يخشى أن يفقد ملامح وجوه أحبها، ونبرة صوت أبيه، ورائحة بيت قديم، وطريقاً كان يسلكه في مدينة لم تعد هي المدينة نفسها.
لهذا أرى أن «هجرة الشمس» ليس كتاباً عن الماضي بقدر ما هو كتاب عن مقاومة اختفاء الماضي. والكتابة هنا تصبح شكلاً من أشكال الإنقاذ. حين يكتب الشاعر أباه، فهو لا يستعيده فقط، بل يمنحه حياة أخرى داخل اللغة. وحين يستعيد المدن، فهو يحميها من زوالها الداخلي. وحين يكتب عن أصدقائه، فإنه يخلق لهم مكاناً آخر لا تصل إليه قوانين الغياب بسهولة.
لكن الجسد يظل الحضور الأكثر قسوة في هذه المواجهة. ففي الشباب، نعيش داخل أجسادنا من دون أن نفكر كثيراً فيها. نتحرك ونحب ونسافر ونمرض ونتعافى، ونعتقد، بطريقة غامضة، أن هذا الجسد سيظل معنا بالطريقة نفسها. أما في الشيخوخة، فإن الجسد يبدأ في فرض نفسه على الوعي.
تصير الخطوات أبطأ، والاستيقاظ مختلفاً، والنوم أكثر هشاشة، والمسافات أطول، والألم أكثر حضوراً. وهنا يتحول الجسد إلى ساعة أخرى تقيس الزمن بطريقة لا تستطيع التقويمات قياسها.
في «هجرة الشمس» تبدو هذه الحقيقة واضحة: العمر ليس رقماً، بل تجربة جسدية. والجسد هو أكثر أجهزة الزمن صدقاً.
لكن ما يميز أدونيس هو أنه لا يكتفي بتسجيل هذا التحول، بل يحوله إلى مادة شعرية وفلسفية. فهو لا يقول ببساطة إن الإنسان يشيخ، بل يسأل: ماذا يفعل الوعي حين يكتشف أن جسده لم يعد يطيعه كما في السابق؟ ماذا يحدث للذات حين تبدأ في الإحساس بأن الزمن لم يعد فكرة خارجية، بل شيئاً يسكن العضلات والعظام والذاكرة؟
هذه الأسئلة تجعل «هجرة الشمس» قريباً من أدب الشيخوخة العظيم في الثقافات العالمية، حيث يصبح تقدم العمر لحظة معرفية لا مجرد مرحلة بيولوجية. فالشيخوخة قد تكون، paradoxically، أكثر المراحل التي يرى فيها الإنسان حياته كاملة.
في الشباب نعيش اللحظة. وفي منتصف العمر نعيش المشروع. أما في الشيخوخة فنعيش المشهد من بعيد: نرى البدايات والنهايات معاً.
ربما لهذا يصبح حضور الأب مهماً في هذا الكتاب. الأب، في أي سيرة، ليس مجرد شخص؛ إنه بداية الزمن. ومن خلاله تبدأ حكاية الذات مع العالم. واستعادة الأب في العمر المتقدم ليست مجرد حنين، بل عودة إلى نقطة البداية، إلى الأصل الذي أصبح هو الآخر غائباً.
وحين يستدعي الشاعر الأب، فهو يستدعي في الوقت نفسه الطفل الذي كانه. وهنا تحدث واحدة من أكثر مفارقات الشيخوخة إثارة: كلما تقدم الإنسان في العمر، اقترب أكثر من طفولته.
فالذاكرة البعيدة تصبح أحياناً أكثر وضوحاً من الأمس. والوجوه الأولى تصبح أكثر حضوراً من الوجوه الجديدة. والبيت الأول، والمدرسة الأولى، والقرية الأولى، كلها تستعيد سلطتها على الوعي.
ومن هذا المنظور، يمكن قراءة «هجرة الشمس» باعتباره رحلة عكسية: شاعر تقدم طويلاً في الزمن، ثم بدأ يعود إلى الوراء. لا لكي يستسلم للماضي، بل لكي يفهم ماذا صنعه ذلك الماضي.
أما المدن، فهي جزء آخر من هذه السيرة المتشظية. أدونيس شاعر المدن بقدر ما هو شاعر الصحراء والأسطورة. في حياته الطويلة، عبر أمكنة كثيرة، وتحوّل المنفى والهجرة والإقامة والتنقل إلى عناصر أساسية في تجربته.
والمدينة، في الذاكرة، ليست حجارة وشوارع فقط. إنها الأشخاص الذين عرفناهم فيها، والأفكار التي اكتشفناها، والمقاهي التي جلسنا فيها، والكتب التي قرأناها، والحوارات التي غيّرتنا.
لهذا فإن استعادة المدن في «هجرة الشمس» ليست جغرافيا، بل سيرة للذات عبر الأمكنة.
والأصدقاء أيضاً جزء من هذا الأرشيف الإنساني. كل صديق يغيب يأخذ معه جزءاً من حياتنا، لأن الإنسان لا يتذكر نفسه وحده، بل يتذكر نفسه من خلال الآخرين. نحن نحتاج إلى الذين عاشوا معنا لكي يؤكدوا أن ما عشناه كان حقيقياً.
وحين يرحل هؤلاء، يصبح الإنسان الشاهد الأخير على زمن كامل.
وهنا يصل الكتاب إلى إحدى أكثر أفكاره حزناً وعمقاً: الذاكرة ليست امتلاكاً للماضي، بل مسؤولية تجاهه.
الشاعر الذي يتذكر يصبح حارساً لما اختفى.
أدونيس في هذا الكتاب لا يبدو راغباً في كتابة وصية أدبية، ولا ينبغي اختزال العمل في هذا المعنى. لكنه يكتب من موقع زمني مختلف تماماً عن موقع الشاعر الذي كتب «أغاني مهيار الدمشقي» أو «هذا هو اسمي» أو أعماله الكبرى في سنوات الصعود والتجريب.
فالشاعر الشاب يكتب ليغير العالم، أما الشاعر الذي خبر الزمن طويلاً فقد يكتب لكي يفهم ماذا فعل العالم به.
وهذه المسافة هي التي تمنح «هجرة الشمس» خصوصيته.
إنه كتاب لا يتخلى عن الأسئلة الكبرى، لكنه يجعلها أكثر شخصية. الزمن لم يعد مفهوماً فلسفياً، بل صار جسداً يتغير. والموت لم يعد موضوعاً ميتافيزيقياً، بل غياب أصدقاء وأماكن ووجوه. والذاكرة لم تعد فكرة عن التاريخ، بل محاولة لإنقاذ الذات من النسيان.
ومن هنا تتغير وظيفة الشعر أيضاً.
الشعر هنا ليس زينة للغة، ولا استعراضاً للصور، ولا مجرد مغامرة شكلية. إنه أحد الوسائل القليلة التي يستطيع بها الإنسان أن يفاوض الفناء.
الشاعر يعرف أنه لا يستطيع إيقاف الزمن، لكنه يستطيع أن يمنح ما يزول شكلاً لغوياً.
وهذا، في جوهره، هو أحد أسرار الشعر منذ بداياته: أن الإنسان يكتب لأنه يعرف أنه سيموت.
لو كان الإنسان خالداً، ربما لم يكن سيحتاج إلى القصيدة بالطريقة نفسها.
القصيدة ولدت، في جزء كبير منها، من وعي الإنسان بأن الأشياء تنتهي.
ولهذا تبدو «هجرة الشمس» عنواناً مناسباً تماماً لهذه المرحلة من تجربة أدونيس. فالشمس لا تختفي، لكنها تهاجر. والضوء لا يموت، بل ينتقل من مكان إلى آخر.
وربما في هذا الاختيار ما يوحي بأن الكتاب، رغم حضوره القوي للموت والشيخوخة، ليس كتاباً يائساً.
هناك حزن بلا شك، وهناك إحساس عميق بالفقد، لكن هناك أيضاً إيمان ضمني بأن اللغة تستطيع أن تمنح الأشياء حياة ثانية.
الشمس التي تغادر السماء قد تعود في القصيدة.
والأب الذي غاب يعود في الذاكرة.
والمدينة التي تغيرت تبقى في اللغة كما عرفها الشاعر.
والصديق الذي رحل يستعيد صوته لحظة يكتب اسمه.
هذه هي مقاومة الشعر للموت: ليست انتصاراً عليه، بل رفضاً لأن يكون الغياب كاملاً.
وأنا أقرأ «هجرة الشمس»، لا أستطيع أن أفصل الكتاب عن عمر صاحبه وتجربته الطويلة. أدونيس الذي بدأ قبل عقود طويلة مشروعاً لإعادة بناء علاقة الشعر العربي باللغة والتراث والحداثة، يجد نفسه اليوم أمام أكثر الأسئلة بساطة وتعقيداً: ماذا يبقى بعد كل شيء؟
قد تتغير المدارس الأدبية، وتتبدل النظريات، وتنهار الأيديولوجيات، لكن الإنسان يظل في النهاية أمام جسده وذاكرته وموت الذين أحبهم.
وهنا يستعيد الشعر وظيفته الأولى: أن يكون بيتاً مؤقتاً للكائن.
ليس المطلوب أن نتفق مع أدونيس في كل أفكاره لكي ندرك قيمة هذه اللحظة في تجربته. فقد أثار الرجل طوال حياته سجالات كثيرة حول التراث والدين والحداثة والسياسة، وما زال حضوره الفكري والثقافي موضوع نقاش واختلاف.
لكن «هجرة الشمس» يتيح لنا أن نرى وجهاً آخر من الشاعر: الإنسان الذي يقف أمام الزمن مجرداً تقريباً من خطاباته الكبرى.
وهذا الوجه، في نظري، هو الأكثر إثارة في الكتاب.
لأن الشيخوخة توحد البشر أكثر مما تفعل الأفكار.
عندما يبدأ الجسد في التراجع، تصبح الأسئلة الكبرى أكثر بساطة: من أحببنا؟ من فقدنا؟ ماذا بقي منا في ذاكرة الآخرين؟ ماذا ستفعل الكلمات بعد رحيلنا؟
هذه الأسئلة التي يحملها «هجرة الشمس» تتجاوز أدونيس نفسه.
إنها أسئلة كل إنسان يقترب من اللحظة التي يبدأ فيها الماضي بأن يصبح أكبر من المستقبل.
وعندها تتحول الحياة كلها إلى أرشيف داخلي هائل: صور ووجوه ومدن وندم وحب وأصوات.
الشاعر فقط يملك امتيازاً إضافياً: أنه يستطيع تحويل هذا الأرشيف إلى لغة.
لهذا أرى أن «هجرة الشمس» ليس مجرد إصدار شعري جديد في مسيرة شاعر كبير، بل محطة إنسانية تستحق القراءة بعناية.
إنه كتاب عن شاعر يراقب الضوء وهو يتحرك بعيداً، لكنه لا يغلق النافذة.
كتاب عن جسد يعرف أن الزمن مرّ فيه، وذاكرة ترفض أن تسلم كل شيء إلى العدم.
كتاب عن الأب والمدن والأصدقاء، لكن أيضاً عن سؤال أكبر بكثير: ماذا يفعل الإنسان بما تبقى له من الضوء؟
وربما يكون جواب أدونيس بسيطاً رغم كل تعقيد شعره: يكتب.
يكتب لكي لا يكون الغياب كاملاً.
يكتب لكي يمنح الراحلين مكاناً آخر.
يكتب لكي تتحول الشيخوخة من مجرد خسارة إلى معرفة.
ويكتب، في النهاية، لأن الشمس حتى حين تهاجر تترك وراءها ضوءاً يكفي لقصيدة أخرى.
الكاتب المغربي عبده حقي







0 التعليقات:
إرسال تعليق