الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


الاثنين، مايو 13، 2024

مكاشفات : (28) عبده حقي

539

يلواح الأفق، كلوحة قماشية غير واضحة تشوبها ألوان عدم اليقين. شخصية منعزلة، محفورة بشكل صارخ على السماء النازفة، انطلقت في رحلة حج نحو المجهول. الماضي، صورة ظلية طيفية تتلاشى في مرآة الرؤية الخلفية، لحن مؤرق على أسطوانة مكسورة.

540

التنهد، التحول. تساقط الجلد، وانسلاخ الروح. الباب، البوابة، ليس للهروب، بل للتحول. المستقبل، لوحة قماشية فارغة، لوحة تنتظر أن تُرش عليها ألوان المرونة النابضة بالحياة، لحياة لم تُكتب بعد.

541

في تجاويف متاهة الذاكرة، هناك صورة منسية، من بقايا الأيام الماضية عندما كانت الابتسامات عملة والذكريات محفورة في هاليد الفضة. داخل حدوده ذات اللون البني الداكن، يتوقف الزمن، معلقًا في وهج الحنين الكهرماني.

542

تبرز وجوه من خلف حجاب العصور، وتتجمد تعابيرها في لحظة فرح عابرة. يتردد صدى ضحكاتهم عبر هوة السنين، لحنًا مؤرقًا يتردد صداه مع تناغم الذكرى الحلو والمر.

543

في هذه اللوحة من الأحلام المنسية، نحن مجرد أشباح، ظلال عابرة ملقاة على قماش الوجود. تتشابك حياتنا مثل الكروم في حديقة منسية، وتنسج من التجارب المشتركة والأسرار الهامسة.

544

ومع ذلك، فإن الصورة، رغم جمالها، ليست سوى واجهة، قناع يخفي الحقيقة تحت سطحها اللامع. خلف الابتسامات تكمن قصص لا تُروى، وأحزان مخفية تكمن في ظلال أحضان الذاكرة.

545

ولكن حتى في أعماق اليأس، هناك بصيص من الأمل، وميض من الضوء يخترق الظلام كمنارة في الليل. ففي حدود هذه الصورة المنسية، يوجد وعد، وعد بالغد، وعد بالخلاص.

546

وهكذا، عندما أنظر إلى هذه الآثار التي تعود إلى زمن مضى، أتذكر هشاشة الوجود، والطبيعة الزائلة للحياة نفسها. ولكن في وسط هذا الزوال، هناك جمال يمكن العثور عليه، جمال اللحظات التي نتشاركها، والذكريات التي نخلقها، والابتسامات التي تضيء ظلمة أرواحنا.

547

في أحضان الطبيعة، وجدت السلام، وتجددت روحي. لقد كانت الطبيعة أمًا محبة، تغلف كياني بحبها غير المشروط. كل نسيم عناق، كل شعاع شمس قبلة، كل قطرة مطر نعمة.

548

كانت الطبيعة سيمفونية من الأصوات والألوان والأحاسيس. غناء الطيور، حفيف أوراق الشجر، حفيف الماء، كل ذلك خلق لحنًا هدأ روحي. تمتزج الألوان الخضراء المورقة، والأزرق العميق، والأحمر الناري، في لوحة ألوان أسعدت عيني. الهواء النقي، والعشب الناعم، والماء البارد، كل ذلك أيقظ حواسي وجعلني أشعر أنني على قيد الحياة.

549

وفي أحضان الطبيعة وجدت السلام. يبدو أن هموم العالم تتلاشى، ويحل محلها هدوء عميق. كان الأمر كما لو أن الطبيعة استوعبت كل آلامي، وكل حزني، وكل ضغوطي، وتركتني خفيفًا وحرًا.

550

وفي أحضان الطبيعة تجددت روحي. شعرت بطاقة جديدة تتدفق من خلالي، وتنشط كل خلية في جسدي، وتنير كل ركن من أركان ذهني. كان الأمر كما لو أن الطبيعة أعطتني حياة جديدة، ومنظورًا جديدًا، وقوة جديدة.

551

والآن أقف هنا، في أحضان الطبيعة، بسلام، متجددًا. أنا مستعد لمواجهة العالم، لاحتضان المجهول، للعيش بشكل كامل. لأنني وجدت السلام في أحضان الطبيعة، وقد تجدد ذهني.

552

تسللت رجفة منفردة عبر ذراعه، وأزهرت كوكبة من اللون الأزرق السماوي على الامتداد الصارخ. رقصت الفرشاة، وهي قناة بين عقله المكسور وفوه القماش الجائع، رقصة باليه محمومة. كل ضربة، سر هامس، شظية حلم تتصارع من الأعماق المضطربة.

553

كان الهواء من حوله يتطاير بالطاقة الخام للخلق. الأصباغ، التي كانت في السابق مساحيق خاملة، تنبض بنار داخلية، حريصة على استدعائها إلى الوجود. كانت رائحة زيت بذر الكتان ثقيلة، عطرًا مسكرًا للرقص المسكر.

554

رؤى، خصلات سريعة الزوال على حافة الإدراك، متماسكة على القماش. لفائف من اللون الأخضر على السطح، وتتحول إلى مناظر طبيعية أثيرية حيث تتحدى الشلالات الجاذبية وتتفتح الزهور بألوان مستحيلة. المحلاق القرمزي، المشبع بغضب الشمس المنسية، يتلوى في تناقض، ويولد مخلوقات غريبة ولكن جميلة بشكل غريب رقصت على شفا الوجود.

555

لقد ذاب الوقت في دوامة من الألوان والعاطفة. الفنان، مجرد قناة، أصبح واحدًا مع إبداعه. أصبحت الحدود بين الذات والقماش غير واضحة، ونزف جوهره في العالم المزدهر الذي كان يقنعه بالوجود.

556

وبمسحة أخيرة ضعيفة للفرشاة، تراجع إلى الوراء، لاهثًا. لم تعد اللوحة القماشية سطحًا سلبيًا، تنبض بحياة خاصة بها. لم تعد الألوان أصباغًا، بل كانت تهمس بالأسرار بلغة لا يفهمها إلا الفنان.

557

فهو لم يرسم صورة فحسب؛ لقد ولد الكون، وهو انعكاس فوضوي للدوامة المتماوجة في الداخل. دمعة واحدة، تتلألأ مثل نجم ساقط، رسمت طريقًا على خده، وهي شهادة على جمال ورعب انتزاع الخليقة من الفراغ. في تلك اللحظة، كان الفنان وفنه واحدًا، مرتبطين إلى الأبد بالعذاب الرائع المتمثل في جلب الحياة إلى الغيب.

558

في قلب حضن الوحدة حديقة مهجورة، ملاذ نسيه الزمن، حيث تنسج همسات الطبيعة نسيجاً من الجمال المتألق. وسط الكروم المتشابكة والأحجار المتفتتة، تزدهر الحياة بتحد، وتستعيد مكانها الصحيح في رقصة الوجود.

تابع


0 التعليقات: