في السنوات الأخيرة، صار من الصعب تجاهل الزحف الهادئ — وأحياناً الصاخب — الذي تقوم به الرياضات الإلكترونية نحو صدارة المشهد الرياضي العالمي. لم يعد الأمر شأناً يخصّ المراهقين أو عشّاق الألعاب فقط؛ إنّه عالم كامل يتكاثر، يتمدد، ويعيد رسم الحدود التي اعتدنا أن نرى عندها «الرياضة» بمعناها التقليدي. والصحافة، كما يحدث دائماً مع التحولات الكبرى، تجد نفسها أمام امتحان جديد يشبه السير في ممرّ ضيّق بين المستقبل والماضي.
من يتابع تقارير “Newzoo” يلاحظ أنّ الأعداد لم تعد قابلة للتجاهل. ملايين البشر يتابعون بطولات تُبثّ على شاشات لا تهدأ، فيما نجوم الرياضات الإلكترونية يتعاملون مع عالمهم كما لو أنهم في ملاعب فعلية — بمدرّبين، وخطط، ورعاة. هذا الازدحام الرقمي يفرض على الصحافي الرياضي أن يُغيّر مقاربته، وأن يتعلم كيف يقرأ الاستراتيجيات الرقمية كما كان يقرأ سابقاً خطط “4-4-2” في كرة القدم.
وليس خافياً أنّ هذا التحول أخذ شكله الأوضح مع صعود الألعاب الكبرى مثل “League of Legends” و “Valorant”، حيث أصبح التحليل التقني جزءاً من المادة الصحفية نفسها. هنا، لا يكفي أن تقول: «فاز الفريق الفلاني». ينبغي أن تدخل إلى المتاهات الرقمية، تراقب حركة المؤشر، وسرعة ردّ الفعل، وتغيّر القرارات في أجزاء من الثانية. اللعبة نفسها أشبه بمتتالية موسيقية تتداخل فيها السرعة مع الذكاء في تناغم لا يسمح للسهو.
ربما يساعدنا كتاب “Reality+” لديفيد تشالمرز على فهم هذا التحوّل. فالفيلسوف يرى أنّ الواقع الافتراضي ليس نسخة ناقصة من الواقع، بل مساحة لها قوانينها وتأثيرها. ولذلك يتعامل الجمهور مع المباريات الرقمية وكأنّ لها وزناً فعلياً في حياتهم. وهذا يفرض على الصحافة لغة جديدة تتناسب مع جمهور شديد التفاعل، جمهور يريد التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة.
من ناحية أخرى، تُذكّرنا أفكار مانيويل كاستلز حول مجتمع الشبكات بأنّ المعلومة أصبحت مركز السلطة، وأنّ التفوق في هذا العصر ليس لمن يملك القدرة على إنتاج الحدث فقط، بل لمن يستطيع تفسيره بسرعة وذكاء. وهذا يضع الصحافي الرياضي في منافسة مباشرة مع صنّاع المحتوى السريع، مع محلّلي البث المباشر، ومع الخوارزميات التي تتكفّل بتوجيه انتباه الجمهور خلال ثوانٍ.
ورغم أنّ الصناعة تبدو مغرية بوعودها الاقتصادية — إذ تجاوزت إيراداتها العالمية مليار دولار وفق Bloomberg — فإنّ بريقها يخفي كثيراً من الأسئلة الإنسانية: الضغط النفسي على اللاعبين، انقطاعهم عن العالم الواقعي، وتحول الشهرة الرقمية إلى عبء حقيقي على من لم يكملوا حتى العشرين من عمرهم. وتحذّر شيري توركل في كتابها “Alone Together” من هذا الانفصال المتزايد بين الإنسان وعالمه الواقعي، وهي ملاحظة تتجلى بوضوح في يوميات اللاعبين المحترفين.
وإذا أضفنا الواقع الافتراضي والواقع المعزز، تتسع الدائرة أكثر. المشاهد لم يعد مجرّد متلقٍّ، بل يصبح جزءاً من التجربة. والصحافي مطالب بأن يعثر على لغة تصف ما لا يُرى، وتشرح ما يُحسّ أكثر مما يُشاهَد.
لذلك، يبدو مستقبل الصحافة الرياضية في الرياضات الإلكترونية كأنه ورشة مفتوحة لا تنتهي. طريقها مليء بالتحديات، لكنها طريق لا يمكن تجاهله. فالعالم يتغيّر، والرياضة تتغيّر، وما على الصحافة إلا أن تجد لنفسها مكاناً في هذا المشهد الجديد، مكاناً لا يقتصر على المتابعة بل يمتد إلى الفهم، التحليل، والمساءلة.








0 التعليقات:
إرسال تعليق