الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الثلاثاء، مارس 03، 2026

الصحراء المغربية تكتب فصلًا جديدًا في دفاتر الاعتراف الدولي: عبده حقي


في زمن تتكاثر فيه الضبابيات الجيوسياسية، وتتشابك فيه خرائط المصالح كما تتشابك خيوط السجاد الصحراوي، يطلّ ملف الصحراء المغربية من جديد لا بوصفه نزاعًا عالقًا في أدراج الأمم المتحدة، بل كقضية تعيد صياغة موازين الدعم الدولي، وتؤكد أن الزمن الدبلوماسي لا يسير على إيقاع الشعارات، بل على إيقاع الوقائع.

في الثاني من مارس 2026، حملت الأخبار ثلاث إشارات متقاطعة في معناها، متكاملة في دلالتها: بلجيكا توسّع خدماتها القنصلية في الأقاليم الجنوبية، وتخطط لمبادرات اقتصادية هناك؛ أربعون دولة داخل مجلس حقوق الإنسان تجدد دعمها لسيادة المغرب؛ وبلجيكا نفسها تعيد التأكيد على أن مقترح الحكم الذاتي هو المسار الأكثر جدية وواقعية لحل هذا النزاع الإقليمي طويل الأمد.

هذه ليست مجرد عناوين عابرة في شريط الأخبار، بل هي علامات في مسار يتبلور منذ سنوات، عنوانه: انتقال ملف الصحراء من دائرة “النزاع المجمد” إلى فضاء “الحل الممكن”.

حين تعلن دولة أوروبية مثل بلجيكا عن توسيع نطاق خدماتها القنصلية في الأقاليم الجنوبية، فإن الأمر يتجاوز البعد الإداري البحت. القنصلية ليست مجرد مكتب لإصدار التأشيرات، بل هي إعلان حضور، وترجمة فعلية للاعتراف بالأمر الواقع السياسي والمؤسساتي. إن توجيه مبادرات اقتصادية إلى تلك الأقاليم يعكس قناعة بأن الاستثمار هناك ليس مغامرة في أرض متنازع عليها، بل شراكة في فضاء مستقر يسير ضمن سيادة واضحة المعالم.

وليس خافيًا أن الاتحاد الأوروبي، بمكوناته المختلفة، ظل يتعامل مع المغرب بوصفه شريكًا استراتيجيًا في ملفات الأمن والهجرة والطاقة والتعاون المتوسطي. غير أن انتقال بعض الدول من موقع “الحياد الدبلوماسي الحذر” إلى موقع “الدعم الصريح لمقترح الحكم الذاتي” يعكس تحوّلًا في قراءة الواقعية السياسية. فالعالم اليوم لا يبحث عن حلول مثالية، بل عن حلول قابلة للتطبيق، تضمن الاستقرار وتحفظ الكرامة.

إن وصف بلجيكا لمبادرة الحكم الذاتي بأنها “الأكثر جدية وواقعية” ليس تعبيرًا لغويًا عابرًا، بل هو تبنٍ لمقاربة ترى في هذا المقترح إطارًا عمليًا لإنهاء نزاع طال أكثر مما ينبغي. فمنذ أن قدم المغرب مبادرته سنة 2007، ظل يروج لها كحل يوازن بين وحدة التراب الوطني ومنح الأقاليم الجنوبية صلاحيات واسعة في التدبير المحلي. واليوم، ومع توالي بيانات الدعم من عواصم متعددة، يبدو أن هذه المبادرة تخرج تدريجيًا من خانة “المقترح المغربي” إلى خانة “المرجعية الدولية الممكنة”.

أما في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، فإن تجديد أربعين دولة دعمها لسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية يحمل بعدًا رمزيًا وقانونيًا في آن واحد. فرغم أن المجلس ليس هيئة تقرير مصير سياسي، إلا أن مواقف الدول داخله تعكس توجهات الرأي العام الدولي، خاصة في ما يتعلق بالاستقرار والتنمية وحقوق الإنسان. وحين يتشكل تحالف من هذا الحجم ليعبر عن موقف منسجم، فإن الرسالة تتجاوز جدران قاعة الاجتماعات في جنيف.

لقد راهن المغرب، منذ سنوات، على مقاربة مزدوجة: دبلوماسية نشطة في المحافل الدولية، وتنمية ميدانية في الأقاليم الجنوبية. فالموانئ، والطرق السريعة، والمشاريع الطاقية، والمناطق الصناعية، ليست مجرد استثمارات، بل هي حجج ملموسة على أن الصحراء ليست ورقة تفاوض، بل فضاء حياة يومية لمواطنين يشاركون في الانتخابات، وينتخبون ممثليهم، ويدبرون شؤونهم المحلية.

في هذا السياق، لا يمكن فصل الدعم البلجيكي والأوروبي عن التحولات الأوسع في البيئة الدولية. فالقارة العجوز، التي تواجه تحديات أمنية واقتصادية غير مسبوقة، باتت أكثر حرصًا على استقرار جوارها الجنوبي. والمغرب، بموقعه الجغرافي وتوازنه السياسي، يقدّم نفسه كجسر بين إفريقيا وأوروبا، وكفاعل موثوق في محيط إقليمي مضطرب.

ثم إن الاعترافات المتتالية، سواء عبر فتح قنصليات أو عبر بيانات سياسية واضحة، تعيد رسم صورة الصحراء في المخيال الدولي. لم تعد تلك الرقعة مجرد “ملف نزاع”، بل صارت تُرى من زاوية الاستثمار، والطاقة المتجددة، والربط الأطلسي الإفريقي. ومن يقرأ خريطة المصالح الكبرى، يدرك أن الاستقرار في الصحراء المغربية ليس شأنًا مغربيًا صرفًا، بل عنصرًا في معادلة أوسع تتعلق بأمن الساحل وغرب إفريقيا.

غير أن هذا الزخم الداعم لا يعني غياب التحديات. فالملف لا يزال مطروحًا في الأمم المتحدة، ولا تزال أطراف أخرى متمسكة بقراءات مختلفة. لكن الفرق اليوم أن ميزان المبادرة بات يميل نحو المقاربة الواقعية، لا نحو إعادة إنتاج أطروحات سبعينيات القرن الماضي. إن العالم، الذي أنهكته النزاعات الطويلة، يميل إلى تسويات تحفظ ماء الوجه للجميع، وتمنع انفجار الأزمات.

في العمق، يمكن قراءة ما جرى في الثاني من مارس 2026 كحلقة في مسلسل أطول عنوانه “ترسيخ السيادة عبر الاعتراف التدريجي”. فالدبلوماسية لا تحقق انتصارات صاخبة بين ليلة وضحاها، بل تبني شرعيتها حجرًا فوق حجر، بيانًا بعد بيان، واستثمارًا بعد استثمار.

وقد يكون من المفيد التأمل في رمزية تزامن هذه المواقف: دعم سياسي في مجلس دولي، وتأكيد أوروبي على واقعية الحكم الذاتي، وخطوات عملية نحو حضور قنصلي واقتصادي في الأقاليم الجنوبية. كأن الرسالة تقول إن السيادة ليست مجرد نص دستوري، بل شبكة من العلاقات والاعترافات والمصالح المتبادلة.

هكذا، تكتب الصحراء المغربية فصلًا جديدًا في دفاتر الاعتراف الدولي. فصل لا يُكتب بالحبر وحده، بل بالطرقات المعبدة، والمشاريع المنجزة، والبيانات الدبلوماسية التي تتكاثر كما تتكاثر أشجار الأركان في أرض تعرف جيدًا معنى الصمود. وبين السياسة والشعر، بين البيان والواقع، يتشكل مشهد جديد عنوانه: الواقعية تنتصر، والخرائط تُراجع بهدوء، بعيدًا عن صخب الشعارات.

وفي نهاية المطاف، تبقى الصحراء امتحانًا لجدية المجتمع الدولي في البحث عن حلول عملية. وإذا كان الثاني من مارس قد حمل إشارات واضحة، فإن الأيام المقبلة قد تحمل ما هو أعمق: ترسيخ قناعة بأن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية لم يعد مجرد خيار مطروح، بل أفقًا يتقدم بثبات في ضمير العالم.


0 التعليقات: