في هذا الشهر الكريم من رمضان، ترددت على ألسنة كثير من الجزائريين أسئلة بدت في ظاهرها بسيطة، لكنها تكشف في العمق عن إشكاليات أعمق في إدارة السوق والاقتصاد. السؤال الذي شغل الناس في الأيام الأخيرة هو: لماذا اختفى الملح من الأسواق الجزائرية؟ وهل تعيش البلاد فعلاً أزمة في هذه المادة الأساسية؟
منذ بداية شهر فبراير 2026 بدأت ملامح توترٍ واضح تظهر في سوق الملح الغذائي بالجزائر. ومع حلول الأيام الأولى من شهر رمضان، تحول هذا التوتر إلى حديث يومي بين المواطنين، بعد أن لاحظ الكثيرون اختفاء ملح الطعام من رفوف المحلات أو صعوبة العثور عليه. والواقع أن الملح ليس مادة ثانوية في حياة الناس؛ إنه عنصر غذائي أساسي يدخل في كل وجبة تقريباً، بل يزداد الطلب عليه في شهر الصيام بسبب تحضير أطباق تقليدية تحتاج إلى كميات أكبر من التوابل والمواد الأساسية.
لكن المفارقة أن الجزائر ليست بلداً فقيراً في هذه المادة. بل على العكس تماماً، فهي من الدول القادرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي في إنتاج الملح، بل وتصدير جزء منه إلى الخارج. فالإحصاءات تشير إلى أن الإنتاج الوطني يتراوح سنوياً بين 450 ألفاً و500 ألف طن، بينما لا يتجاوز الاستهلاك الداخلي نحو 350 ألف طن. وهذا يعني أن الجزائر تمتلك فائضاً يسمح لها بتصدير ما بين خمسين ألفاً إلى مئة ألف طن سنوياً.
تتولى الشركة الوطنية للملح، المعروفة باسم “إيناسل” (ENASEL)، دوراً محورياً في هذا القطاع. وهي مؤسسة عمومية عريقة تشرف على إنتاج أنواع متعددة من الملح، ليس فقط الملح الغذائي الذي نستخدمه في المطبخ، بل أيضاً الملح الصناعي والزراعي والصيدلاني وملح معالجة المياه وملح إزالة الجليد الذي يُستعمل في الدول الباردة. وتملك الشركة عدة مواقع إنتاج وتكرير في مناطق مختلفة من البلاد، مثل بطيوة وسيدي بنين وڨجي وغيرها.
وبالرغم من هذه القدرات الإنتاجية الكبيرة، فإن السوق الجزائرية شهدت فجأة حالة من الندرة. وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: إذا كانت المادة متوفرة في الأصل، فلماذا اختفت من الأسواق؟
الجواب لا يتعلق بنقص الإنتاج بقدر ما يتعلق بطريقة إدارة القطاع. ففي بداية شهر فبراير، أطلقت الدرك الوطني الجزائري حملة رقابية واسعة استهدفت عدداً من مصانع الملح الخاصة، خصوصاً في ولاية وادي سوف. وقد أسفرت التحقيقات عن اتهام بعض المنتجين بتسويق ملح غير مطابق للمعايير الصحية، وخاصة بسبب نقص مادة اليود أو بسبب عمليات تصنيع غير قانونية.
وبناء على ذلك، تم إغلاق عدد من هذه الوحدات الصناعية الخاصة مؤقتاً في انتظار نتائج التحقيقات. ورغم أن الهدف المعلن من هذه الإجراءات كان حماية سلامة المستهلك، فإن النتائج على أرض الواقع كانت مختلفة تماماً. فقد أدى سحب إنتاج هذه المصانع الخاصة من السوق بشكل مفاجئ إلى حدوث فراغ في العرض لم تستطع الشركة العمومية تعويضه فوراً.
تشير التقديرات إلى أن المؤسسات الخاصة كانت توفر ما بين 30 و35 في المئة من احتياجات السوق الجزائرية من الملح الغذائي. وعندما توقفت هذه الحصة فجأة عن الوصول إلى الأسواق، لم تتمكن المؤسسة العمومية من سد هذا العجز بسرعة. وهكذا بدأت رفوف بعض المتاجر، خاصة في شرق البلاد وجنوبها الشرقي، تخلو تدريجياً من هذه المادة.
لكن الأزمة لم تتوقف عند هذا الحد. فمع انتشار الأخبار الأولى عن نقص الملح، دخل عامل نفسي قوي على الخط: الخوف الجماعي من الندرة. ومع اقتراب شهر رمضان، بدأ كثير من المواطنين يشترون كميات أكبر من المعتاد لتخزينها في المنازل. وهذه الظاهرة معروفة في العديد من البلدان خلال الفترات الحساسة، حيث يؤدي الخوف من النقص إلى تسريع حدوثه فعلياً.
وهكذا تحولت الأزمة من مجرد اختلال مؤقت في العرض إلى موجة شراء واسعة أنهكت مخزون التجار الصغار. وفي الوقت نفسه، بدأت تنتشر شائعات متعددة على مواقع التواصل الاجتماعي، من بينها خبر غير مؤكد عن نية تونس تزويد الجزائر بكميات من الملح لإنقاذ السوق. ورغم أن هذه الأخبار لم تثبت صحتها، فإنها ساهمت في زيادة القلق بين المستهلكين.
وفي مواجهة هذه الأوضاع، حاولت جمعيات حماية المستهلك طمأنة الرأي العام مؤكدة أن الإنتاج الوطني كافٍ لتغطية الطلب. غير أن هذه التصريحات لم تكن كافية لإعادة التوازن سريعاً إلى السوق، لأن المشكلة لم تكن في حجم الإنتاج بقدر ما كانت في سرعة توزيعه وقدرة المؤسسات القائمة على تعويض النقص المفاجئ.
ومن المتوقع، بحسب بعض التقديرات، أن يستعيد السوق توازنه تدريجياً مع منتصف شهر مارس، حين تتمكن الشركة الوطنية للملح من زيادة وتيرة الإنتاج والتوزيع لتعويض الكميات التي كانت توفرها المصانع الخاصة.
غير أن هذه الأزمة، رغم بساطتها الظاهرية، تكشف في العمق عن مشكلة أكبر تتعلق بطريقة إدارة القطاعات الاقتصادية. فبلد قادر على إنتاج نصف مليون طن من الملح سنوياً لا ينبغي أن يجد نفسه أمام رفوف فارغة في المتاجر. كما أن الاعتماد شبه الكامل على مؤسسة واحدة بعد إغلاق المنتجين الآخرين يخلق وضعاً قريباً من الاحتكار، وهو ما يخل بالتوازن الطبيعي بين العرض والطلب.
فالاقتصاد الحديث يقوم على تنوع الفاعلين وتكامل أدوارهم، لا على تركيز الإنتاج في يد جهة واحدة. وعندما يصبح السوق معتمداً على فاعل واحد، فإن أي اضطراب صغير قد يتحول سريعاً إلى أزمة حقيقية.
وهكذا تحولت قصة الملح في الجزائر إلى درس اقتصادي بليغ: ليس الفقر في الموارد هو ما يصنع الأزمات، بل أحياناً سوء الإدارة وغياب التوازن في السياسات الاقتصادية. فالمادة موجودة في الأرض، والمصانع موجودة، والطلب معروف، لكن الحلقة الأضعف تبقى دائماً في كيفية تنظيم السوق وتدبيره.
وفي النهاية، قد تعود أكياس الملح قريباً إلى رفوف المتاجر، لكن الأسئلة التي أثارتها هذه الأزمة ستظل مطروحة: كيف يمكن لاقتصاد يملك الوفرة أن يقع في فخ الندرة؟ وكيف يمكن تحويل إدارة الموارد من مصدر للمشكلات إلى رافعة للاستقرار والثقة؟







0 التعليقات:
إرسال تعليق