الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، مارس 04، 2026

الزرادشتية بين العقيدة الفارسية والوعي الإسلامي: عبده حقي

 


حين نتأمل تاريخ الأديان في المشرق القديم، ندرك أن الإسلام لم يولد في فراغ ثقافي أو روحي، بل جاء في فضاء إنساني غني بالتجارب الدينية والفلسفية. ففي تلك الرقعة الممتدة من فارس إلى العراق إلى الجزيرة العربية كانت الديانات الكبرى تتجاور وتتلاقح: اليهودية، المسيحية، المانوية، والزرادشتية. ومن بين هذه الديانات القديمة تبرز الزرادشتية بوصفها إحدى أقدم الديانات التوحيدية في التاريخ، وقد تركت بصمات ثقافية وفكرية عميقة في المنطقة التي جاء فيها الإسلام لاحقاً.

الزرادشتية، المنسوبة إلى النبي الفارسي زرادشت أو زاراثوسترا، قامت على فكرة الصراع الكوني بين الخير والشر، بين النور والظلمة. وكان الإله الأعلى في هذه العقيدة هو "أهورامزدا"، إله الحكمة والنور، الذي يقف في مواجهة قوى الشر التي يمثلها "أهريمان". هذا التصور الكوني للصراع الأخلاقي ترك أثراً كبيراً في المخيال الديني للشرق القديم، بل إن بعض الباحثين يرون أن فكرة الثنائية الأخلاقية في الفكر الديني الإنساني قد وجدت في الزرادشتية صياغة مبكرة واضحة.

وحين ظهر الإسلام في القرن السابع الميلادي، كانت الزرادشتية لا تزال الديانة الرسمية للإمبراطورية الساسانية في فارس. لذلك كان من الطبيعي أن يلتقي المسلمون الأوائل مع الزرادشتيين سواء في ميادين الحرب أو في فضاءات الحوار الديني والثقافي. وقد ورد ذكر المجوس في القرآن الكريم في قوله تعالى: "إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة"، وهو ذكر يعكس إدراك القرآن لوجود هذه الجماعة الدينية ضمن الخريطة الروحية للعالم آنذاك.

لقد تعامل الإسلام مع المجوس ــ وهم أتباع الزرادشتية ــ بطريقة خاصة نسبياً. فقد اعتبرهم كثير من الفقهاء في منزلة قريبة من أهل الكتاب، وإن لم يكونوا كذلك بشكل صريح مثل اليهود والنصارى. لذلك أُقرّ لهم نظام الذمة في الدولة الإسلامية بعد الفتح الإسلامي لفارس، وهو ما سمح لهم بالحفاظ على دينهم وممارسة شعائرهم مقابل الجزية، مثلهم في ذلك مثل الجماعات الدينية الأخرى.

لكن الحضور الزرادشتي في الإسلام لم يكن مجرد حضور سياسي أو قانوني، بل كان أيضاً حضوراً ثقافياً وفكرياً. فقد دخلت عناصر من التراث الفارسي إلى الثقافة الإسلامية عبر الترجمة والاحتكاك الحضاري. فالفرس الذين اعتنقوا الإسلام حملوا معهم جزءاً من تراثهم القديم، سواء في الأدب أو الفلسفة أو الأخلاق.

يكفي أن نتأمل مثلاً الأدب الفارسي الإسلامي لنجد صدى بعيداً لبعض القيم الأخلاقية التي عرفتها الزرادشتية، مثل تمجيد الصدق والعمل الصالح والنقاء الروحي. كما أن بعض المؤرخين المسلمين، مثل المسعودي والبيروني، كتبوا باهتمام واضح عن الديانة الزرادشتية، محاولين فهمها ووصف طقوسها ونصوصها المقدسة.

وقد كان البيروني على وجه الخصوص من أكثر العلماء المسلمين إنصافاً في مقاربته للديانات الأخرى. ففي كتابه الشهير عن الهند، كما في كتاباته عن الفرس، أظهر قدرة نادرة على النظر إلى الأديان بعين الباحث لا بعين الخصومة. وقد وصف الزرادشتيين باعتبارهم أمة ذات تراث ديني عريق، حتى وإن اختلفت عقيدتهم عن الإسلام.

ومن بين المظاهر التي يثيرها الباحثون في موضوع التأثير المتبادل بين الإسلام والزرادشتية مسألة بعض الطقوس أو المفاهيم الأخلاقية التي تشابهت في الثقافتين، مثل أهمية الطهارة والنظافة، واحترام النار بوصفها رمزاً للنور الإلهي في الزرادشتية، في مقابل حضور مفهوم النور في التصوف الإسلامي. غير أن هذه التشابهات لا تعني بالضرورة انتقالاً مباشراً، بل قد تكون أحياناً تعبيراً عن خلفية حضارية مشتركة عاشتها شعوب المنطقة.

كما أن الفتح الإسلامي لفارس لم يؤدِّ إلى اختفاء الزرادشتية فوراً. فقد استمرت هذه الديانة لقرون طويلة في ظل الحكم الإسلامي، وإن تقلص عدد أتباعها تدريجياً. ومع مرور الزمن هاجر قسم من الزرادشتيين إلى الهند حيث أصبحوا يُعرفون اليوم باسم "البارسيين"، وهم جماعة حافظت على تقاليدها الدينية القديمة حتى العصر الحديث.

غير أن الأثر الزرادشتي الأعمق في الحضارة الإسلامية ربما لا يكمن في العقيدة نفسها، بل في الإسهام الحضاري الذي قدمه الفرس المسلمون لاحقاً. فقد أصبح الفرس بعد إسلامهم من كبار بناة الحضارة الإسلامية في مجالات الفكر والعلوم والأدب. ومن بينهم ظهر كبار العلماء مثل ابن سينا والرازي والفارابي، الذين أسهموا في صياغة العقل الفلسفي والعلمي في الإسلام.

وفي هذا السياق يمكن القول إن الزرادشتية كانت جزءاً من الذاكرة الثقافية التي حملها الفرس معهم إلى الحضارة الإسلامية، حتى بعد اعتناقهم الإسلام. إنها أشبه بطبقة جيولوجية عميقة في تربة الثقافة، لا تظهر دائماً على السطح لكنها تظل حاضرة في البنية العميقة للتاريخ.

إن دراسة العلاقة بين الإسلام والزرادشتية تكشف لنا حقيقة مهمة: الحضارات لا تُبنى في العزلة، بل في الحوار والتفاعل. فالإسلام، وهو الدين الذي جاء برسالة عالمية، استطاع أن يتفاعل مع تراثات الشعوب التي دخلت في فضائه الحضاري، وأن يستوعب الكثير من عناصرها الثقافية دون أن يفقد جوهره الروحي.

ولهذا فإن الحضور الزرادشتي في الإسلام لا ينبغي فهمه باعتباره تأثيراً عقائدياً مباشراً، بل باعتباره جزءاً من التفاعل الحضاري الكبير الذي شهدته المنطقة منذ قرون طويلة. فالأديان، مثل الأنهار، تسير في مجرى التاريخ، تتقاطع أحياناً وتتباعد أحياناً أخرى، لكنها جميعاً تترك أثرها في الأرض التي تمر بها.

وهكذا تبقى الزرادشتية صفحة قديمة من كتاب الشرق الروحي، صفحة قرأها المسلمون الأوائل، وناقشوها، وكتبوا عنها، ثم مضوا في بناء حضارتهم الخاصة التي ستصبح لاحقاً واحدة من أعظم حضارات التاريخ الإنساني.


0 التعليقات: