الأسبوع السينمائي الممتد من منتصف فبراير إلى اليوم (22 فبراير 2026) بدا مثل شريطٍ واحدٍ طويل تتقاطع فيه السياسة مع السوق، والجوائز مع أسئلة الأخلاق، وتتحوّل فيه المدن إلى “منصّات عرض” تتنافس على جذب العدسات والمنتجين والجمهور. وفي ما يلي خلاصةٌ مسترسلة لأبرز العناوين التي صنعت نبض السينما خلال الأيام الأخيرة عبر المغرب والعالم العربي وإفريقيا وأوروبا وأمريكا، مع قراءةٍ تلتقط الدلالات وراء الأخبار لا الأخبار وحدها.
المغرب: حضورٌ في السوق قبل أن يكون على الشاشة
في قلب برلين، لم يكن المغرب “ضيفًا عابرًا” هذا العام، بل ظهر كبلد مكرّم داخل السوق الأوروبية للفيلم (EFM) 2026 المصاحبة لمهرجان برلين، وفق إعلان المركز السينمائي المغربي الذي قدّم الأمر بوصفه لحظة ترويج صناعي: إبراز آليات التمويل والإنتاج المشترك، وتسويق المغرب كوجهة تصوير دولية، وربط المنتجين المغاربة بشبكات توزيع أوسع.
هذا النوع من الحضور يعني شيئًا واضحًا: السينما لم تعد تُقاس فقط بعدد الأفلام التي نُنجزها، بل بمدى قدرتنا على الدخول إلى “اقتصاد الفيلم”؛ حيث تُصنع القرارات الحاسمة في الأجنحة المغلقة، وتُوقّع الشراكات قبل أن تُرفع الستارة في قاعة العرض. وتقاطعت هذه الرسالة مع تغطيات مغربية ركّزت على الرهان نفسه: تحويل المشاركة إلى رافعةٍ لتدويل الدراما/السينما المغربية عبر بوابة السوق لا عبر المجاملة الاحتفالية.
العالم العربي: مهرجانات تُعلن مبكرًا… وصناعة تبحث عن تثبيت مكاسبها
على الضفة العربية، ظهرت موجة أخبار “التواريخ والإعلانات التنظيمية” كعلامة على احتدام المنافسة بين المهرجانات والأسواق الإقليمية. من أبرزها إعلان مهرجان الجونة السينمائي موعد دورته القادمة (15–23 أكتوبر 2026)، وهو خبر يبدو بسيطًا، لكنه في منطق الصناعة إعلانٌ عن العودة المبكرة إلى لعبة الرعاة والبرمجة واستقطاب العروض الأولى.
وفي الخليج، حضرت السينما السعودية في برلين بخطاب “التوسع الدولي” عبر مشاركة رسمية تُسوّق المواقع والقدرات، مع إبراز محطات تُستعمل عادةً كعناوين رمزية لتقدّم القطاع.
وإذا كان “الحدث” في حد ذاته خارج الأسبوع، فإن أثره ظل حاضرًا في الأخبار الأخيرة: مبادرات تعبئة الجمهور مثل “أيام/عروض السينما” التي رفعت الحضور في القاعات خلال أوائل فبراير، تُقرأ كرسالة مفادها أن السوق المحلي لم يعد هامشًا، بل صار شرطًا لصمود الإنتاج وتراكمه.
إفريقيا: مهرجانات الشتات تعيد تعريف الخريطة
في إفريقيا وما حولها، بدت الأخبار كأنها تُكتب بيدين: يدٌ على القارة، ويدٌ على الشتات. على مستوى “السينما الإفريقية العابرة للحدود”، لفتت الأنظار أخبار تخص مهرجانات تُقدّم السرديات الإفريقية للجمهور الدولي وتبني جسور توزيع جديدة، مثل الإعلان عن ترتيبات دورة جديدة لمهرجان إفريقي في نيويورك مع برامج تستحضر محطات تاريخية للسينما النيجيرية وحضورها العالمي.
وفي أمريكا، واصل مهرجان بان-أفريكان للفيلم والفنون (PAFF) في لوس أنجلِس نشاطه خلال هذا الأسبوع ببرمجة عروض وأمسيات تستقطب جمهورًا واسعًا، بما يجعل “المنصة الأمريكية” جزءًا من مسار الفيلم الإفريقي لا مجرد نافذة لاحقة.
هذه الحركة تُنتج واقعًا جديدًا: الفيلم الإفريقي لا ينتظر الاعتراف من بوابة واحدة، بل يبني “شبكة اعتراف” من مهرجانات متعددة، بعضها داخل القارة وبعضها في الشتات، حيث تتحول الدعاية والبرمجة إلى شكلٍ من أشكال العدالة الرمزية.
أوروبا: برلين تُتوّج… والجوائز تتحول إلى ساحة سجال
أوروبا عاشت ذروة أسبوعها مع ختام مهرجان برلين السينمائي الدولي وإعلان الفائزين؛ حيث حصد فيلم Yellow Letters الدب الذهبي، وسط أجواء مشحونة بالنقاش حول علاقة السينما بالسياسة ومسؤولية المهرجانات في زمن الأزمات.
اللافت هنا أن الخبر لم يعد “من فاز؟” فقط، بل “ماذا يعني الفوز داخل سياق جدل؟”: مهرجانات الدرجة الأولى باتت تُدار كفضاءات رأي عام، وكل جائزة تصير قابلة للقراءة بوصفها موقفًا، أو على الأقل بوصفها حدثًا لا ينفصل عن الأسئلة الأخلاقية التي تحيط به. وتزامن ذلك مع احتفاء برلين بصناع سينما من إفريقيا (مثل تكريم المخرج الإثيوبي هايلي جريما) في إشارةٍ إلى أن مركز الثقل الأوروبي يحاول، ولو جزئيًا، توسيع دوائر الاعتراف خارج أوروبا التقليدية.
وفي لندن، جاءت جوائز البافتا 2026 كخلاصة ثانية للأسبوع الأوروبي: سباق محتدم بين أفلام تصدرت الترشيحات وحصدت جوائز رئيسية، مع حضور إعلامي كثيف باعتبار البافتا محطةً مؤثرة على طريق الأوسكار.
أمريكا: شباك التذاكر والمهرجانات الهوياتية… نبضان متوازيان
في الولايات المتحدة، يشتغل الأسبوع السينمائي على إيقاعين متوازيين. الإيقاع الأول هو شباك التذاكر: أخبار افتتاحات قوية وأرقام تُقرأ كمؤشر على مزاج الجمهور في موسم شتوي، مثل تقارير تتبعت افتتاح فيلم Wuthering Heights وأدائه التجاري.
أما الإيقاع الثاني فهو المهرجانات المتخصصة التي تُعيد توزيع الضوء على قصص بعينها: من بان-أفريكان في لوس أنجلِس إلى مهرجانات لاتينية داخل الجامعات والمدن الأمريكية خلال هذا الأسبوع (19–22 فبراير) حيث تُعرض أفلام من بلدان متعددة وتُصنع جماهير جديدة خارج المركز التجاري لهوليوود.
وعلى الهامش، يظل “ظلّ الأوسكار” حاضرًا في الخلفية؛ فموسم الجوائز لا يكتفي بالتكريم، بل يخلق اقتصادًا من الحملات والنقاشات والتوقعات، ويؤثر في خيارات التوزيع والبرمجة حول العالم.
الخلاصة: أسبوعٌ واحد… وخمسة مشاهد لصناعة واحدة
إذا جمعنا الخيوط، سنرى أن السينما هذا الأسبوع قدّمت درسًا بسيطًا:
-
المغرب يراهن على السوق والشراكات كطريقٍ لتكبير حجم الصناعة.
-
العالم العربي يؤكد أن “الموعد” جزء من المعركة، وأن المهرجانات تُعلن مبكرًا لتضمن مكانها في الرزنامة الدولية.
-
إفريقيا تُثبت أن الاعتراف يُصنع أيضًا في الشتات، حيث تتحول المهرجانات إلى منصات قوة ناعمة.
-
أوروبا تُعيد إنتاج دورها عبر الجوائز، لكن مع توترٍ سياسي صار مكوّنًا ثابتًا في المشهد.
-
أمريكا تمزج بين منطق السوق ومنطق الهوية/التمثيل، وكلاهما يكتب قصة العام.







0 التعليقات:
إرسال تعليق