في لحظة رقمية خاطفة، اهتزّت عاصمة السينما العالمية على وقع تطبيق جديد لا يحمل كاميرا ولا يستأجر ممثلين ولا يبني ديكورات، ومع ذلك ينتج مشاهد تضاهي أضخم الإنتاجات. إنه تطبيق Seedance 2.0 الذي طورته بايت دانس، الشركة الصينية المالكة لتطبيق تيك توك، والذي بدا وكأنه يفتح باباً سرياً في جدار الصناعة السينمائية التقليدية.
هذا التطبيق لا يحتاج إلى استوديوهات عملاقة في لوس أنجلوس، ولا إلى جيوش من التقنيين. يكفيه نص قصير من بضعة أسطر، ليحوّله إلى مشهد متكامل: صورة عالية الدقة، مؤثرات صوتية، حوار، إضاءة، حركة كاميرا افتراضية، بل وحتى إيقاع درامي يشي بخبرة مخرج متمرس. هنا، لم يعد الخيال مجرد فكرة تُكتب، بل صار مادة خام تُصاغ فوراً في صورة متحركة.
ما هو Seedance 2.0؟
يقدم "سيدانس 2" نموذجاً متقدماً في توليد الفيديو بالذكاء الاصطناعي، قادراً على إنتاج مقاطع تبدو وكأنها خرجت من استوديو سينمائي محترف. يعتمد على تقنيات تعلم عميق تمكّنه من فهم النص، وتحويله إلى لقطات بصرية متسلسلة، مع محاكاة دقيقة للصوت والحوار.
انتشرت خلال أيام مقاطع يُقال إنها صُنعت باستخدامه، تُظهر شخصيات شهيرة من عالم القصص المصورة مثل سبايدرمان وديدبول في مشاهد جديدة تماماً، لم تُنتجها أي شركة رسمية. كانت تلك اللحظة أشبه بجرس إنذار: إذا كان بإمكان أي شخص أن يخلق بطلاً خارقاً في منزله، فما معنى الاحتكار الإبداعي بعد اليوم؟
هوليوود بين الدهشة والقلق
لم تنتظر الاستوديوهات الكبرى طويلاً. فقد سارعت شركات مثل ديزني وباراماونت إلى توجيه اتهامات بانتهاك حقوق الملكية الفكرية. فالذكاء الاصطناعي، في نظرها، لا يكتفي بالإبداع، بل يستعير ملامح شخصياتها، وأكوانها السردية، ويعيد إنتاجها خارج سيطرتها.
لكن القلق الحقيقي لا يقف عند حدود القانون. المسألة أعمق من دعوى قضائية. إنها تمسّ جوهر الصناعة: ماذا سيحدث لو أصبح بإمكان كاتب مبتدئ أن ينتج فيلماً كاملاً من غرفته؟ ماذا سيبقى من أدوار المخرجين والممثلين وكتّاب السيناريو، إذا صار "النص" وحده كافياً لخلق العالم؟
ثورة في الصناعات الإبداعية
لا يمكن قراءة هذه الظاهرة بمعزل عن السياق الأوسع لتحولات الذكاء الاصطناعي. فكما غيّر البث الرقمي شكل مشاهدة الأفلام، وكما قلبت المنصات الاجتماعية معادلة الشهرة، يأتي "سيدانس 2" ليقترح نموذجاً جديداً للإنتاج.
قد يرى البعض في ذلك ديمقراطية للإبداع: لم يعد الإنتاج حكراً على أصحاب الميزانيات الضخمة. يمكن لصانع محتوى شاب في الرباط أو القاهرة أو جاكرتا أن يكتب فكرة، ويحوّلها إلى مشهد بصري مدهش خلال دقائق. هنا، يتحرر الخيال من قيود التمويل.
لكن الوجه الآخر يحمل أسئلة أخلاقية ومهنية. إذا كان التطبيق يتغذى على أرشيف بصري عالمي، فإلى أي مدى يحترم حقوق من صنعوا ذلك الأرشيف؟ وإذا كان بإمكانه تقليد أسلوب مخرج بعينه أو استنساخ ملامح ممثل، فهل نحن أمام إبداع جديد أم إعادة تدوير رقمية؟
بين الخوف والفرصة
هوليوود ليست غريبة عن التحولات التقنية. من السينما الصامتة إلى الناطقة، من الأبيض والأسود إلى الألوان، من المؤثرات التقليدية إلى الرسوم الحاسوبية. كل مرحلة أثارت مخاوف، ثم تحولت إلى أداة جديدة في يد المبدعين.
غير أن الفارق اليوم يكمن في السرعة والاتساع. الذكاء الاصطناعي لا يضيف أداة إلى صندوق الأدوات، بل يعيد تعريف الصندوق كله. إنه لا يساعد المخرج، بل يمكن أن يحلّ محله في بعض المراحل. لا يساند الكاتب، بل يشاركه صياغة المشهد.
ومع ذلك، قد يكون المستقبل أقل سوداوية مما يُتخيل. فكما لم تلغِ الكاميرا الرقمية الحاجة إلى المصور، بل وسّعت مجاله، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يصبح شريكاً إبداعياً، لا خصماً. الموهبة البشرية تظل قادرة على توجيه الأداة، على منحها روحاً لا تُبرمج.
سؤال المستقبل
ما أثاره "سيدانس 2" ليس مجرد ضجة عابرة. إنه سؤال وجودي للصناعات الثقافية: من يملك الصورة؟ من يملك الخيال؟ ومن يحدد حدود الإبداع في زمن الخوارزميات؟
قد تكون المعركة القانونية طويلة، وقد تتدخل تشريعات جديدة لضبط الاستخدامات، لكن الأكيد أن العالم دخل مرحلة جديدة، تتجاور فيها الكاميرا التقليدية مع الكود البرمجي، ويجلس المخرج إلى جانب المهندس.
في النهاية، لا يبدو أن الذكاء الاصطناعي جاء ليطفئ أضواء هوليوود، بل ليعيد ترتيبها. بين الرعب والفرصة، تقف الصناعة أمام مفترق طرق: إما أن تنغلق دفاعاً عن إرثها، أو أن تعيد ابتكار ذاتها، وتحوّل الخوارزمية إلى حليف في رحلة السرد الإنساني.
وهكذا، يتحول تطبيق رقمي إلى مرآة كبرى تعكس هشاشة الحدود بين الإنسان والآلة، بين الفن والتقنية، بين الخيال وملكيته. وربما، في عمق هذا القلق، تكمن بداية فصل جديد من تاريخ الصورة المتحركة.







0 التعليقات:
إرسال تعليق