حين نفتش في حصيلة ما قيل وكُتب عن الكاتب المغربي عبده حقي داخل الصحافة الإلكترونية والجرائد الرقمية والمنصات الثقافية، سنلاحظ أن صورته العامة لا تُختزل في خانة واحدة: فهو يُقرأ بوصفه قاصًا وروائيًا، ويُتابَع باعتباره كاتب رأي ومقالة ثقافية، ويُستعاد—بشكل لافت—كرجلٍ راهن مبكرًا على الكتاب الإلكتروني والأدب الرقمي بوصفهما أفقًا جديدًا للكتابة والتلقي. وهذه “التعددية” هي نفسها مصدر الإعجاب لدى البعض، ومصدر التحفّظ لدى آخرين.
أولى الزوايا التي
يتكرر فيها ذكر عبده حقي هي زاوية المشروع الثقافي الرقمي. فقد ارتبط اسمه بتجربة
“اتحاد كتاب الإنترنت” وما انبثق عنها من نشر إلكتروني وملفات ثقافية ومحاولات لصناعة
عادة قرائية جديدة عبر وسيط غير ورقي، مع التأكيد في بعض المواد التعريفية على أن الغاية
كانت إشاعة ثقافة رقمية تواصلية ومعرفية أكثر من كونها مشروعًا تجاريًا. وفي هذا السياق
يظهر خطابٌ إشادي يرى أن رهان حقي على الوسيط الرقمي لم يكن “موضة تقنية”، بل خيارًا
ثقافيًا يواكب التحولات، ويمنح الكاتب المغربي منفذًا إضافيًا خارج اختناقات النشر
التقليدي.
في المقابل، يبرز نقدٌ
ملازم لأي مشروع رقمي: هل يمكن للمنصة أن تُغري بسرعة الانتشار على حساب “المصفاة النقدية”
التي كانت تقوم بها دور النشر والملاحق الثقافية؟ هذا السؤال لا يُصاغ دائمًا كاتهام
مباشر لعبده حقي، لكنه حاضرٌ في البيئة التي يشتغل داخلها. ويظهر جزء من هذا النقاش
في حديثه عن منصات التواصل وتحوّل الذائقة، حيث يقرّ بأن وتيرة الاستهلاك السريعة والضغط
على الإنتاج المتكرر قد يؤثران في جمالية وجودة العمل، وأن الطبيعة التجارية للمنصات
قد تعطي أولوية للمثير على حساب الدقيق والتجريبي. هنا تتحول “الملاحظة” إلى شكل من
النقد غير العدائي: نجاح الكاتب الرقمي لا يُعفيه من امتحان العمق، ولا يضمن تلقائيًا
اعترافًا نقديًا راسخًا.
أما الزاوية الثانية
فهي الكتابة بين الصحافة والثقافة. أرشيف المنصات التي تنشر لعبده حقي يبيّن وفرة في
المقالات ذات الطابع الثقافي/الفكري المرتبط بالتحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي وحقوق
الملكية وغيرها، بما يوحي بأنه يشتغل على “الأسئلة” أكثر من اشتغاله على “الخبر” الخالص.
هذا النوع من الحضور يلقى عادة تقديرًا من القراء الذين يبحثون عن ربط الثقافة بسياقها
الاجتماعي والتقني، لكنه يفتح أيضًا باب نقدٍ معروف: حين يقترب الكاتب من اليوميّ والسياسيّ
والتقنيّ، قد يتهمه البعض بالمباشرة أو بتغليب الفكرة على الحسّ الجمالي. والإنصاف
هنا يقتضي القول إن هذا النقد ليس حكرًا عليه؛ إنه ثمنُ الكتابة في منطقة تماس بين
المقالة والقراءة النقدية والرأي العام.
الزاوية الثالثة تتصل
بأعماله السردية—وخاصة ما يُتداول عن عودته إلى الرواية وإصداراته المتعددة، ومنها
رواية “مايا” وما يرافقها من حديث عن جسور الترجمة وإمكان وصول الأدب المغربي إلى قارئ
أوسع. كما تظهر مواد صحافية/أرشيفية تتحدث عن مساره مع الرواية والذاكرة و”اختبار إمكانيات
الحكي”، بما يجعل جانبًا من صورة الكاتب مرتبطًا بفكرة السيرة الإبداعية: الكتابة كمكتبة
عمر، وكاعترافات متدرجة، وكبناء لأمكنة سردية تُسائل الذات والهوية. هذا المسار يُقرأ
إيجابيًا بوصفه وفاءً للسرد، ويُقرأ نقديًا أيضًا من زاوية أن تزاوج الاعتراف بالتصور
النظري قد يرفع سقف توقعات القارئ، فلا يعود يكتفي بالحكاية وحدها، بل يطلب “الإنجاز
الفني” الذي يوازي خطاب الكاتب عن الكتابة.
ثم تأتي الزاوية الأكثر
إثارة للجدل حديثًا: الكتابة والذكاء الاصطناعي. ففي تغطية لندوة رقمية، نُقل عن عبده
حقي حديثه عن تجربة روائية “بالتعاون مع الذكاء الاصطناعي”، مع وصف العملية بأنها أقرب
إلى “الصناعة” من كونها كتابة بالمعنى الكلاسيكي، وأنه وضع تصميمًا سرديًا عامًا وطلب
من المنصة المساعدة في توليد الفصول وتطوير الشخصيات. هذه العبارة وحدها تكشف طبيعة
الانقسام في تلقيه: مؤيدون يرونها شجاعة في اقتحام مختبر جديد للسرد، وخصوم يتحفظون
بدعوى أن “الآلة” تُربك مفهوم المؤلف والأصالة، وتضع العمل أمام سؤال: من يملك الصوت
النهائي؟ النقد هنا لا يهاجم شخص الكاتب بقدر ما يهاجم التحول نفسه، لكنه يتجسد عمليًا
في تجربة الكاتب الذي يعلن أنه يختبر حدود التأليف.
وعند محاولة تلخيص
“حصيلة الآراء” حول عبده حقي، يمكن القول إن المديح الأكثر ثباتًا يدور حول كونه كاتبًا
مبادرًا في مجال الرقمي: يكتب، وينشر، ويحرّك أسئلة الأدب والقراءة في زمن المنصات،
ويظهر في حوارات تؤكد الانحياز لقيم الحوار والديمقراطية وصوت المثقف الحداثي. أما
التحفظات الأكثر تكرارًا فمرجعها ثلاثة مخاوف عامة: أن يغلب الوسيط على النص، أو أن
تبتلع السرعةُ عمقَ التجربة، أو أن يفتح الذكاء الاصطناعي بابًا رماديًا بين الإبداع
و”التوليد”.
الخلاصة أن عبده حقي
يُقرأ اليوم كعلامة على تحوّل أكبر من شخصه: تحوّل الكاتب المغربي من الورقي الصافي
إلى الهجين، ومن النص المنعزل إلى النص المتصل بشبكات القراءة والنشر والذكاء. لذلك
فإن نقده أو الاحتفاء به لا ينفصلان عن سؤال المرحلة نفسها: أي أدب نريد في زمن لا
يهدأ، وأي “صوت” يستطيع أن يظل إنسانيًا وسط ضجيج الخوارزميات؟
تتقدّم “المواقف السياسية” في كتابة الكاتب والإعلامي المغربي عبده حقي بوصفها امتدادًا طبيعيًا لخياراته الأسلوبية: كتابةٌ تُزاوج بين الحسّ الوطنيّ الصريح، والنزعة النقدية التي تُجيد مساءلة الخطاب العام، وبينهما ميلٌ واضح إلى تفكيك “الأفكار الجاهزة” التي تُصنع على عجل داخل منصّات التواصل ثم تُقدَّم كحقائق نهائية. وحين نتتبع ما كُتب عنه وما قيل حول هذه المواقف في المواقع والجرائد الإلكترونية—إلى جانب ما تسرّب من ردود القرّاء وتعليقاتهم—نكتشف أن صورته السياسية في الفضاء العمومي تُقرأ غالبًا عبر ثلاث عتبات: الدولة والمجتمع، الوحدة الترابية، ثمّ رهانات الإقليم وتوازنات الخارج.
في العتبة الأولى، يظهر حقي عند كثيرين بوصفه “كاتبًا مسكونًا بسؤال المشاركة العمومية”، حتى حين يكتب من خارج الممارسة الحزبية الضيقة. فمداخلته حول علاقة المثقف بالحراك، التي أوردها تقريرٌ صحافيٌّ مطوّل، لا تُصنّفه فقط ضمن الأصوات المتابعة للشأن العام، بل تقدّمه أيضًا كمن يُحمّل النخب الثقافية مسؤولية التراجع عن أدوارها التاريخية، ويتحدث بلهجة نقدية عن انتقال المثقف من “قضايا التحرر والديمقراطية” إلى “برج الذاتية الضيقة”، كما يربط هذا التحول بصعود الوسائط الرقمية وشبكات التواصل وتراجع الحاجة إلى “الوسيط المثقف” في التعبئة والتأطير.
وفي السياق نفسه، يقرأ متابعون مقالاته عن واقع السياسة والأحزاب في المغرب باعتبارها محاولة لاستعادة معنى السياسة كـ“بناء للثقة” لا كعرضٍ انتخابيّ سريع الاستهلاك، وهو ما يمنح خطابه—وفق مؤيديه—ميزة “التأني” في التشخيص والابتعاد عن السجال اللحظي.
لكنّ القراءة النقدية المقابلة لا تغفل أن هذا الخطاب نفسه يضعه—عند بعض خصومه—في منطقة “المُشاغب على المعارضة” أكثر من مشاغبته على بنية السلطة. ويُستدلّ على هذا التأويل بما ورد في التقرير ذاته من توصيفٍ لانقسام المثقفين إلى فرق، أحدها يختار الاصطفاف مع “الموقف الرسمي للسلطة” لأسبابٍ مختلفة؛ وهو توصيفٌ لا يخصّ شخصًا بعينه، لكنه يشرح الإطار الذي تُستقبل فيه كتابات الرأي السياسية، وكيف يمكن للمتلقي أن يقرأ الكاتب من زاوية تموقعه لا من زاوية حجته.
أما العتبة الثانية، أي الوحدة الترابية وقضية الصحراء، فهي الأكثر حساسية في استقبال مواقف عبده حقي. في نصوصه المنشورة على منصات متعددة، يصرّ على أن النزاع لا يُحلّ بالضجيج الرمزي بل بمنطق “الواقعية السياسية”، ويستحضر تحولات مواقف دولية بعينها ليؤكد أن السياسة تُقاس بقرارات الدول المركزية لا بحماسة البرلمانات الجهوية أو الشعارات.
ومقاله عن مواقف بعض القيادات الفلسطينية من الصحراء المغربية يوضح كيف يربط بين التضامن التاريخي المغربي مع فلسطين وبين مطلب المعاملة بالمثل في احترام السيادة الوطنية، وهو ما جعل أنصاره يرون فيه “وضوحًا سياديًا” لا لبس فيه، بينما يرى معارضوه أن اللغة الحادّة قد تُربك مسافة التعاطف الأخلاقي مع القضية الفلسطينية حتى إن لم تنفه.
وبين القراءتين، يُسجَّل أن مقالاته حول الصحراء تُعاد نشرها في أكثر من موقع رأي، بما يعني أن خطابه يجد جمهورًا واسعًا داخل فضاء “الأعمدة” السياسية.
العتبة الثالثة ترتبط بملفات الإقليم: الجزائر، التطبيع، وصورة المغرب خارجيًا. فحقي يكتب كثيرًا بمنطق “الملفّات المتقاطعة”: التاريخ والحدود، الدعاية والشرعية، الأمن والاقتصاد. ويظهر ذلك في مقالاته التي تشتبك مع التوتر المغربي-الجزائري بمنظور طويل النفس (التاريخ، الحدود، السرديات المتنافسة)، وهي نصوص تُستقبل عادةً—بحسب المدافعين عنها—كـ“إعادة توازن سردي” في مواجهة دعاية مضادة، بينما يقرأها منتقدون باعتبارها تُكثّف نزعة سجالية قد تزيد الاستقطاب بدل تهدئته.
وفي ملف التطبيع تتجلى الثنائية الأكثر إثارة للجدل حوله: فهو يرفض منطق “التخوين السهل” كما يرفض “التصفيق بلا شروط”، ويهاجم ما يسميه “الفانتازيا السياسية” التي تروّج لوهم “الوطن البديل”، محاولًا تفكيك هذه الفرضية تاريخيًا وجيوسياسيًا وربط القرار بمفهوم “المصلحة الوطنية”، وعلى رأسها ملف الصحراء. مؤيدوه يرون في هذا الموقف شجاعةً في مقاومة الابتزاز العاطفي وإعادة النقاش إلى أرض العقلانية، بينما يرى معارضوه أن توسيع دائرة التبرير السياسي قد يهمّش الكلفة الأخلاقية للحرب في غزة ويمنح الواقعية معنىً أحاديًا.
وتُظهر إعادة نشر المقال نفسه في مواقع مختلفة أن هذا الملف بالذات هو الذي يصنع حوله أعلى درجات التفاعل والاحتكاك القرائي.
يبقى أن ما كُتب عن “مواقف عبده حقي السياسية” لا ينفصل عن طريقة حضوره: كاتب رأي يكتب من تخوم الأدب إلى السياسة، ويستعير أحيانًا لغة الصورة والاستعارة لتقديم موقفٍ عموميّ. لذلك تتراوح أحكام القرّاء والناشرين بين ثلاثة اتجاهات واضحة: اتجاهٌ يُثمن “الوضوح السيادي” والنبرة التي تُقاوم الشعبوية، واتجاهٌ ينتقد ما يراه ميلًا إلى تمتين سردية الدولة أكثر من مساءلتها، واتجاهٌ ثالث يقرأه كصوتٍ يحاول التوفيق بين الوطني والحقوقي والواقعي، لكنّه يدفع ثمن الكتابة في منطقة رمادية لا تُرضي المتطرفين في أيّ معسكر. وبين هذه الاتجاهات، تظلّ القيمة الأوضح: أن مواقفه—سواء اتُّفِق معها أو اختُلِف—نجحت في أن تجعل من نصّه السياسي مادةً للنقاش وإعادة النشر، لا مجرد “منشور عابر” يبتلعه تيار اليوم الواحد.







0 التعليقات:
إرسال تعليق