الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الثلاثاء، مارس 03، 2026

الرواية المسرحية الغامرة بوصفها أفقًا جديدًا للسرد التفاعلي: عبده حقي


 لم تعد الرواية، في تحوّلاتها المعاصرة، ذلك الكيان الورقي المغلق الذي يكتفي بتشييد عالمه بين دفّتين، بل أضحت فضاءً مفتوحًا يتقاطع فيه الأدبي مع البصري، والحيّ مع الرقمي، والقراءة مع المشاركة. وفي هذا السياق برز مفهوم «الرواية المسرحية الغامرة» بوصفه محاولة جريئة لإعادة تعريف العلاقة بين السرد والمتلقّي، عبر استلهام تقنيات المسرح الغامر ودمجها داخل بنية النص الروائي. إننا بإزاء مشروع جمالي يسعى إلى تحويل القارئ من مراقب صامت إلى مشارك فعّال، ومن مستهلك للحكاية إلى شريك في إنتاج معناها.

لقد شهد المسرح الغامر، منذ تجارب فرقة Punchdrunk في عرضها الشهير Sleep No More، تحوّلًا نوعيًّا في طبيعة التلقّي؛ إذ لم يعد الجمهور يجلس في عتمة الصالة متأملًا خشبة بعيدة، بل صار يتجوّل داخل فضاء العرض، يختار مساره، ويقترب من الشخصيات، ويصوغ تجربته الخاصة. هذا التحوّل في مفهوم الفرجة يوازي، على مستوى السرد، ما تحدّث عنه هنري جينكنز في كتابه Convergence Culture حول تلاقي الوسائط وتحوّل الجمهور إلى «مستهلك-منتج» في آن واحد. وإذا كان جينكنز قد ركّز على الثقافة الرقمية، فإن الرواية المسرحية الغامرة تمثّل امتدادًا لهذا المنظور داخل الحقل الأدبي، حيث تتقاطع تقنيات الأداء الحيّ مع إمكانات السرد الرقمي.

إن السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه هنا لا يتعلّق بإضافة عناصر بصرية أو سمعية إلى النص فحسب، بل بإعادة بناء هندسة الرواية ذاتها. فالرواية التقليدية تقوم، في الغالب، على خطّ سردي متماسك، وعلى راوٍ يتحكّم في توزيع المعلومات. أما في الرواية المستلهمة من المسرح الغامر، فإن البنية تميل إلى التشظّي، وإلى توزيع مركزية السرد بين مسارات متعدّدة، بحيث يغدو النص أقرب إلى متاهة تتفرّع فيها الحكايات كما تتفرّع الأزقّة في مدينة قديمة. هنا يمكن استحضار تجربة إيتالو كالفينو في لو أن مسافرًا في ليلة شتاء، حيث يتكسّر الإيهام السردي ويُدعى القارئ إلى وعي موقعه داخل النص. غير أن الرواية الغامرة تذهب أبعد من ذلك، إذ تمنح القارئ إمكان التأثير الفعلي في مسار الحكاية عبر خيارات تفاعلية أو عبر روابط رقمية تُفضي إلى فصول بديلة.

لقد أسهمت تقنيات الواقع الافتراضي والواقع المعزّز في توسيع أفق هذا النمط السردي. فبدل أن تبقى الرواية محصورة في الحروف، يمكن أن تتضمّن مقاطع صوتية، أو مشاهد مصوّرة، أو خرائط تفاعلية تتيح للقارئ التجوّل في فضاء القصة. وفي هذا الإطار، يكتسب ما طرحته نيكولاس كار في كتابه The Shallows حول أثر الوسائط الرقمية في بنية التفكير أهمية خاصة؛ إذ يحذّر كار من تشتّت الانتباه في البيئة الرقمية، بينما يرى أنصار السرد الغامر أن التفاعل لا يعني بالضرورة السطحية، بل قد يفضي إلى تعميق الانخراط العاطفي والمعرفي. فالقارئ الذي يختار مسار الشخصية، أو يقرّر مصيرها، يعيش التجربة كما لو كان داخلها، لا خارجها، فيتحوّل النص إلى فضاء خبرة، لا إلى مجرّد حكاية تُروى.

ومع ذلك، فإن دمج تقنيات المسرح الغامر في الرواية يطرح تحدّيات جمالية وأخلاقية. فهل يبقى العمل الأدبي نصًّا إذا تداخل مع الأداء الحيّ؟ وأين تقف حدود المؤلّف في عمل يتيح للمتلقّي إعادة تشكيله؟ لقد ناقش رولان بارت، في مقاله الشهير «موت المؤلف»، فكرة تحرير النص من سلطة منتجه، غير أن الرواية الغامرة تضع هذه الفكرة موضع اختبار عملي؛ إذ يصبح المؤلف مصمّم تجربة، أشبه بمخرج مسرحي يهيّئ فضاءً مفتوحًا لاحتمالات متعدّدة. هنا تتبدّل وظيفة الكتابة من صياغة خطاب أحادي إلى هندسة بيئة سردية.

إن التجارب المعاصرة في الأدب الرقمي، سواء في أوروبا أو في العالم العربي، تكشف عن ميل متزايد إلى هذا النوع من التهجين. فقد شهدت بعض المهرجانات الأدبية عروضًا تجمع بين القراءة الحيّة والتفاعل عبر تطبيقات رقمية، بحيث يتلقّى الجمهور إشعارات على هواتفهم تقودهم إلى مشاهد إضافية أو حوارات جانبية. وتُذكّرنا هذه المبادرات بما أشار إليه ليف مانوفيتش في The Language of New Media من أن الوسيط الرقمي يعيد تشكيل منطق السرد عبر مفاهيم مثل التفرّع والقاعدة البيانية. فالرواية لم تعد سلسلة أحداث مرتّبة زمنيًّا فحسب، بل شبكة من العقد السردية التي يمكن إعادة ترتيبها بطرق شتّى.

غير أن القيمة الحقيقية للرواية المسرحية الغامرة لا تكمن في بهرجة التقنية، بل في قدرتها على إعادة صياغة العلاقة بين الجسد والنص. ففي المسرح الغامر، يتحرّك المتلقّي داخل فضاء العرض، ويشعر بوجوده الفيزيائي ضمن الحدث. وإذا انتقلت هذه الفلسفة إلى الرواية، فإنها تعيد الاعتبار للحضور الحسيّ داخل القراءة. يمكن للنص أن يدعو القارئ إلى النهوض من مقعده، إلى البحث عن رمز مخفي في مكان محدّد، أو إلى التفاعل مع مؤدّين في فضاء عام، فيتحوّل السرد إلى تجربة عيش، لا إلى نشاط ذهني مجرّد. إن الرواية هنا تشبه مدينة مفتوحة، لا تُستكشف دفعة واحدة، بل تُعاش عبر مسارات متعدّدة، كما لو كانت نهرًا يتفرّع إلى جداول صغيرة، يحمل كلّ جدول منها احتمالًا سرديًّا مختلفًا.

ومن منظور أكاديمي، يمكن النظر إلى هذا الاتجاه بوصفه استجابة لتحوّلات الثقافة المعاصرة التي باتت تتّسم بالتشاركية والتعدّدية. فالأجيال الجديدة، التي نشأت في بيئة ألعاب الفيديو والمنصّات التفاعلية، تبحث عن سرد يسمح لها بالمشاركة، لا بالاكتفاء بالتلقّي. وقد أظهرت تقارير حديثة حول صناعة النشر الرقمي أن الأعمال التفاعلية تجذب جمهورًا أوسع من الفئات الشابة، ما يعكس تحوّلًا في الذائقة الثقافية. ومع ذلك، ينبغي الحذر من الوقوع في اختزال الرواية إلى مجرّد منتج ترفيهي؛ إذ تبقى مهمتها الأساسية مساءلة الواقع، وتعميق الوعي، واستنطاق التجربة الإنسانية.

إن الرواية المسرحية الغامرة، في نهاية المطاف، ليست قطيعة مع التراث السردي، بل امتداد له في سياق جديد. فهي تستلهم من المسرح حضوره الحيّ، ومن الرقمي مرونته التفاعلية، ومن الرواية عمقها التأمّلي. إنها محاولة لإعادة وصل ما انقطع بين الفنون، ولإعادة تعريف معنى القراءة في زمن الشاشات. وكما تتداخل الظلال والأضواء في عرض مسرحي غامر، تتداخل في هذا النمط السردي طبقات النص والأداء والتقنية، فتنتج تجربة مركّبة تشبه فسيفساء حيّة، تتغيّر ألوانها بتغيّر زاوية النظر.

وهكذا يمكن القول إن الرواية، وهي تعبر هذا المنعطف، لا تفقد هويتها، بل تعيد اكتشافها. إنها تتخلّى عن صمتها الورقي لتدخل فضاءً نابضًا بالحركة، وتتحوّل من نص يُقرأ إلى حدث يُعاش. وفي هذا التحوّل يكمن رهان المستقبل: أن تبقى الحكاية حيّة، قادرة على التجدّد، وأن يظلّ الإنسان، رغم سطوة التقنية، في قلب التجربة السردية، لا على هامشها.


0 التعليقات: