أَحْلَامُ مُسْتَغَانِمِي كَاتِبَةٌ وَرِوَائِيَّةٌ جَزَائِرِيَّةٌ بَارِزَةٌ، وُلِدَتْ فِي 13 أَبْرِيلَ 1953 بِتُونُسَ، وَعَادَتْ مَعَ أُسْرَتِهَا إِلَى الجَزَائِرِ بَعْدَ الاِسْتِقْلَالِ سَنَةَ 1962. تُعَدُّ مِنْ أَوَائِلِ الكَاتِبَاتِ الجَزَائِرِيَّاتِ اللَّاتِي كَتَبْنَ بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، وَقَدْ سَاهَمَتْ فِي تَكْرِيسِ حُضُورِ الأَدَبِ النِّسْوِيِّ العَرَبِيِّ عَلَى نِطَاقٍ وَاسِعٍ.
بَدَأَتْ مَسِيرَتَهَا الأَدَبِيَّةَ شَاعِرَةً، وَاشْتُهِرَتْ فِي سِنٍّ مُبَكِّرَةٍ مِنْ خِلَالِ عَمَلِهَا فِي الإِذَاعَةِ الوَطَنِيَّةِ، حَيْثُ قَدَّمَتْ بَرَامِجَ أَدَبِيَّةً لَقِيَتْ إِقْبَالًا كَبِيرًا. ثُمَّ اِنْتَقَلَتْ إِلَى فَرَنْسَا، حَيْثُ حَصَلَتْ عَلَى شَهَادَةِ الدُّكْتُورَاهِ فِي عِلْمِ الاِجْتِمَاعِ مِنْ جَامِعَةِ السُّورْبُونِ.
تُعْرَفُ
مُسْتَغَانِمِي بِأُسْلُوبِهَا الشِّعْرِيِّ الَّذِي يَمْزِجُ بَيْنَ اللُّغَةِ
الرَّاقِيَةِ وَالسَّرْدِ الرِّوَائِيِّ، مِمَّا جَعَلَ أَعْمَالَهَا تَحْظَى
بِشُهْرَةٍ وَاسِعَةٍ فِي العَالَمِ العَرَبِيِّ. وَتُعَدُّ رِوَايَتُهَا
«ذَاكِرَةُ الجَسَدِ» (1993) نُقْطَةَ تَحَوُّلٍ فِي مَسَارِ الرِّوَايَةِ
العَرَبِيَّةِ، وَحَصَلَتْ بِفَضْلِهَا عَلَى جَائِزَةِ نَجِيبِ مَحْفُوظٍ سَنَةَ
1998، كَمَا أَصْبَحَتْ أَعْمَالُهَا مِنْ بَيْنِ الأَكْثَرِ مَبِيعًا فِي
العَالَمِ العَرَبِيِّ.
مِنْ
أَبْرَزِ مُؤَلَّفَاتِهَا: «ذَاكِرَةُ الجَسَدِ»، وَ«فَوْضَى الحَوَاسِّ»،
وَ«عَابِرُ سَرِيرٍ»، وَ«الأَسْوَدُ يَلِيقُ بِكِ»، وَهِيَ أَعْمَالٌ تَتَنَاوَلُ
قَضَايَا الحُبِّ وَالوَطَنِ وَالذَّاكِرَةِ بِرُؤْيَةٍ إِنْسَانِيَّةٍ عَمِيقَةٍ.
حَصَلَتْ
أَحْلَامُ مُسْتَغَانِمِي عَلَى عِدَّةِ تَكْرِيمَاتٍ دُوَلِيَّةٍ، وَصُنِّفَتْ
ضِمْنَ أَكْثَرِ الشَّخْصِيَّاتِ تَأْثِيرًا فِي العَالَمِ العَرَبِيِّ، كَمَا
عُيِّنَتْ سَفِيرَةً لِلنَّوَايَا الحَسَنَةِ، وَمُنِحَتْ لَقَبَ «فَنَّانَةِ
السَّلَامِ» مِنْ قِبَلِ مُنَظَّمَةِ اليُونِسْكُو، تَقْدِيرًا لِإِسْهَامَاتِهَا
الأَدَبِيَّةِ وَالثَّقَافِيَّةِ.
وَتَبْقَى
مُسْتَغَانِمِي صَوْتًا أَدَبِيًّا مُتَفَرِّدًا، جَمَعَ بَيْنَ الشِّعْرِيَّةِ
وَالسَّرْدِ، وَجَسَّدَ تَجْرِبَةَ الإِنْسَانِ العَرَبِيِّ بَيْنَ الحُبِّ
وَالفِقْدَانِ وَحِنِينِ الذَّاكِرَةِ.
سَوَادٌ يُزْهِرُ فِي جِبِينِ الذَّاكِرَةِ
وَيَتَوَّهَّجُ فِي مِرْآةِ الحُبِّ مقال نقدي من إنجاز عبده حقي
تَأْتِي
رِوَايَةُ «الأَسْوَدُ يَلِيقُ بِكِ» لِلرِّوَائِيَّةِ الجَزَائِرِيَّةِ أَحْلَامِ
مُسْتَغَانِمِي كَنَصٍّ مُشْبَعٍ بِالشِّعْرِيَّةِ، يَتَأَرْجَحُ بَيْنَ نَبْضِ
العَاطِفَةِ وَوَعْيِ التَّارِيخِ، وَيَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهِ تَجْرِبَةً
إِنْسَانِيَّةً تُشْبِهُ لَوْحَةً سُودَاءَ يَتَفَتَّحُ فِيهَا الضَّوْءُ
كَوَرْدَةٍ مُتَأَخِّرَةٍ.
تَدُورُ
أَحْدَاثُ الرِّوَايَةِ حَوْلَ شَخْصِيَّةِ «هَالَةَ الوَافِي»، وَهِيَ مُطْرِبَةٌ
جَزَائِرِيَّةٌ شَابَّةٌ تَحْمِلُ فِي صَوْتِهَا جُرْحَ الوَطَنِ، وَفِي
لِبَاسِهَا السَّوَادِ ذِكْرَى الفَقْدِ، بَعْدَ أَنْ فَقَدَتْ وَالِدَهَا
وَشَقِيقَهَا فِي خِضَمِّ العَشْرِيَّةِ السَّوْدَاءِ الَّتِي عَصَفَتْ
بِالجَزَائِرِ . لَا يَكُونُ السَّوَادُ عِنْدَهَا مُجَرَّدَ
لَوْنٍ، بَلْ يَتَحَوَّلُ إِلَى بَيَانٍ وُجُودِيٍّ، وَإِلَى لُغَةٍ صَامِتَةٍ
تَقُولُ مَا لَا يُقَالُ.
فِي
الجِهَةِ الأُخْرَى، يَظْهَرُ «طَلَّالُ هَاشِم»، رَجُلُ الأَعْمَالِ
اللُّبْنَانِيُّ الثَّرِيُّ، الَّذِي يَرَى فِي هَالَةَ مَشْرُوعَ حُبٍّ وَتَحَدٍّ
فِي آنٍ وَاحِدٍ، بَعْدَ أَنْ لَمَحَهَا صُدْفَةً عَلَى شَاشَةِ التِّلْفَازِ . وَمِنْ هُنَا، تَبْدَأُ حِكَايَةٌ تُشْبِهُ رِقْصَةً بَيْنَ نَارَيْنِ:
نَارِ الرَّغْبَةِ وَنَارِ الكِبْرِيَاءِ.
لَا
تَقِفُ الرِّوَايَةُ عِنْدَ حُدُودِ قِصَّةِ حُبٍّ تَقْلِيدِيَّةٍ، بَلْ
تَتَحَوَّلُ إِلَى مِجْهَرٍ سَرْدِيٍّ يَكْشِفُ عَنِ التَّوَتُّرِ بَيْنَ
الأُنُوثَةِ وَالسُّلْطَةِ، وَبَيْنَ الحُرِّيَّةِ وَالاِحْتِوَاءِ. فَهَالَةُ
لَيْسَتْ امْرَأَةً تُرِيدُ أَنْ تُحَبَّ فَقَط، بَلْ تُرِيدُ أَنْ تُحَافِظَ
عَلَى ذَاتِهَا، وَأَنْ تَكُونَ «أُنْثَى تَرْفُضُ الاِمْتِلَاكَ» كَمَا تُشِيرُ
قِرَاءَاتٌ نَقْدِيَّةٌ لِلرِّوَايَةِ .
يَتَجَلَّى
أُسْلُوبُ أَحْلَامِ مُسْتَغَانِمِي فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ كَتَدَفُّقٍ
شِعْرِيٍّ يَذُوبُ فِي السَّرْدِ، حَيْثُ تَتَحَوَّلُ الجُمْلَةُ إِلَى نَبْضٍ،
وَتُصْبِحُ الكَلِمَةُ شَبِيهَةً بِوَتَرٍ مُوسِيقِيٍّ يَرْتَعِشُ فِي أُذُنِ
القَارِئِ. وَقَدْ أَشَارَتْ دِرَاسَاتٌ نَقْدِيَّةٌ إِلَى أَنَّ الرِّوَايَةَ
تَزَاوَجَتْ فِيهَا الشِّعْرِيَّةُ بِالفِكْرِ، فَأَنْتَجَتْ نَصًّا يُخَاطِبُ
القَلْبَ وَالعَقْلَ مَعًا .
إِنَّ
«الأَسْوَدَ» فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَيْسَ لَوْنًا عَابِرًا، بَلْ هُوَ رَمْزٌ
مُرَكَّبٌ؛ فَهُوَ لَوْنُ الحِدَادِ، وَلَوْنُ الكَرَامَةِ، وَلَوْنُ
المُقَاوَمَةِ أَيْضًا. وَكَأَنَّ الكَاتِبَةَ تُرِيدُ أَنْ تَقُولَ إِنَّ
الحُزْنَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ زِينَةً، وَإِنَّ الجُرْحَ قَدْ يَتَحَوَّلُ إِلَى
هُوِيَّةٍ جَمَالِيَّةٍ. وَفِي ذَلِكَ تَتَقَاطَعُ الرِّوَايَةُ مَعَ سِيَاقِهَا
التَّارِيخِيِّ، حَيْثُ تَسْتَحْضِرُ ذِكْرَى العُنْفِ فِي الجَزَائِرِ
وَتُحَوِّلُهُ إِلَى مَادَّةٍ سَرْدِيَّةٍ .
وَلَا
يَخْلُو النَّصُّ مِنْ بُعْدٍ فِلْسَفِيٍّ عَمِيقٍ، إِذْ يَطْرَحُ أَسْئِلَةً
حَوْلَ الحُبِّ: هَلْ هُوَ فِعْلُ اِمْتِلَاكٍ أَمْ اِعْتِرَافٌ بِحُرِّيَّةِ
الآخَرِ؟ وَحَوْلَ الذَّاكِرَةِ: هَلْ يُمْكِنُ لِلإِنْسَانِ أَنْ يَتَخَلَّصَ
مِنْ مَاضِيهِ أَمْ أَنَّهُ يَظَلُّ يَسْكُنُهُ كَظِلٍّ لَا يُفَارِقُهُ؟ وَحَوْلَ
الهُوِيَّةِ: هَلْ هِيَ جُغْرَافِيَا أَمْ جُرْحٌ؟
إِنَّ
مَا يُمَيِّزُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ أَيْضًا هُوَ قُدْرَتُهَا عَلَى تَحْوِيلِ
القِصَّةِ الشَّخْصِيَّةِ إِلَى حِكَايَةٍ جَمَاعِيَّةٍ. فَهَالَةُ لَيْسَتْ
شَخْصِيَّةً مُنْعَزِلَةً، بَلْ هِيَ صَدَى لِجِيلٍ كَامِلٍ عَاشَ تَجْرِبَةَ
الفَقْدِ وَالعُنْفِ، وَحَاوَلَ أَنْ يُعِيدَ اخْتِرَاعَ نَفْسِهِ مِنْ خِلَالِ
الفَنِّ وَالحُبِّ.
وَإِذَا
كَانَتِ الرِّوَايَةُ قَدْ بَدَأَتْ بِلُقَاءٍ عَابِرٍ، فَإِنَّهَا تَنْتَهِي
بِمَصِيرٍ مَأْسَاوِيٍّ يُذَكِّرُنَا بِهَشَاشَةِ الحُبِّ أَمَامَ قَسْوَةِ
القَدَرِ، حَيْثُ تَصِلُ الحِكَايَةُ إِلَى نِهَايَةٍ تُجَسِّدُ الصِّرَاعَ بَيْنَ
الحُبِّ وَالمَوْتِ . وَكَأَنَّ مُسْتَغَانِمِي تُلَمِّحُ إِلَى
أَنَّ الحُبَّ، مَهْمَا كَانَ جَمِيلًا، يَظَلُّ عُرْضَةً لِلاِنْكِسَارِ.
لِمُتَابِعِي
صَفْحَتِي عَلَى تِيكْ تُوك، يُمْكِنُ القَوْلُ إِنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ
لَيْسَتْ مُجَرَّدَ كِتَابٍ لِلْقِرَاءَةِ، بَلْ تَجْرِبَةٌ شُعُورِيَّةٌ تُعَاشُ،
وَمِرْآةٌ نَرَى فِيهَا أَنْفُسَنَا فِي لَحَظَاتِ الحُبِّ وَالضَّعْفِ
وَالكِبْرِيَاءِ. إِنَّهَا رِوَايَةٌ تَسْأَلُنَا أَكْثَرَ مِمَّا تُجِيبُ،
وَتُثِيرُ فِينَا ذَاكِرَةً قَدْ لَا نَكُونُ نُرِيدُ اِسْتِعَادَتَهَا،
وَلَكِنَّنَا نَجِدُ أَنْفُسَنَا مَجْبُورِينَ عَلَى مُوَاجَهَتِهَا.
فِي
النِّهَايَةِ، تَبْقَى «الأَسْوَدُ يَلِيقُ بِكِ» نَصًّا يُشْبِهُ قَصِيدَةً
طَوِيلَةً كُتِبَتْ بِحِبْرِ الفَقْدِ، وَزُيِّنَتْ بِأَلْوَانِ الحُبِّ،
وَتُرِكَتْ لِتَعِيشَ فِي قَلْبِ القَارِئِ كَذِكْرَى لَا تَذْبُلُ.








0 التعليقات:
إرسال تعليق