الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

السبت، مارس 21، 2026

الرواية اللامركزية وذاكرة السرد الموزعة في زمن الخوارزميات: عبده حقي


 لم يعد السرد حكراً على المخيلة الفردية أو الورق المطبوع، بل صار مجالاً مفتوحاً تتنازعه الخوارزميات وسلاسل الكتل، كما لو أن الحكاية نفسها قد تحوّلت إلى كائنٍ رقميٍّ موزّع، يعيش في أكثر من ذاكرة، ويتنفس عبر أكثر من وسيط. إن ما يُعرف اليوم بـ"الرواية المعتمدة على البلوكشين" لا يمثل مجرد تطور تقني في صناعة النشر، بل يعيد صياغة مفاهيم الملكية الأدبية، والهوية السردية، بل وحتى فكرة المؤلف ذاتها.

لقد مهدت السرديات الخوارزمية الطريق لهذا التحول، حيث أصبحت البيانات الضخمة مادة خاماً لتوليد الحكايات، مثلما كانت التجربة الإنسانية سابقاً. فوفقاً لما طرحه ليف مانوفيتش في كتابه Language of New Media، فإن الثقافة الرقمية لا تعيد إنتاج الواقع، بل تعيد تشكيله عبر أنماط حسابية تتجاوز حدود الإدراك البشري. في هذا السياق، تغدو الرواية نتاجاً لعمليات تحليل بيانات معقدة، تُستخرج منها أنماط الشخصيات، ومسارات الأحداث، والتوترات الدرامية، وكأنها تُحاك داخل مختبر رقميٍّ لا ينام.

لكن دخول تقنية البلوكشين إلى هذا المجال يفتح أفقاً جديداً يتجاوز الإنتاج إلى التملك. فالبلوكشين، باعتبارها نظاماً لامركزياً لتسجيل المعاملات، تمنح النص الأدبي بعداً جديداً من الشفافية والموثوقية. إذ يمكن تسجيل كل جزء من الرواية، وكل تعديل عليها، وكل مساهمة من القرّاء أو الكُتّاب المشاركين، ضمن سجل غير قابل للتلاعب. وهنا، تتغير العلاقة بين الكاتب والنص، لتصبح أقرب إلى علاقة مهندس بنظام مفتوح، بدلاً من خالقٍ لنص مغلق.

إن هذه اللامركزية في السرد تُشبه، إلى حد بعيد، نهرًا يتفرع إلى جداول لا حصر لها، حيث يمكن لكل قارئ أن يصبح مشاركاً في تشكيل مجراه. وقد بدأت بعض المشاريع التجريبية في هذا المجال، مثل منصات النشر القائمة على الرموز غير القابلة للاستبدال (NFTs)، حيث تُباع فصول الروايات كأصول رقمية، ويمكن للقراء امتلاك أجزاء منها، بل والمساهمة في تطويرها. هذا النموذج يذكرنا بما طرحه هنري جنكينز في Convergence Culture حول السرد التشاركي، حيث لم يعد الجمهور متلقياً سلبياً، بل شريكاً في الإنتاج.

غير أن هذا التحول يطرح إشكالات عميقة تتعلق بمفهوم المؤلف. ففي الرواية التقليدية، كان اسم الكاتب بمثابة ختمٍ نهائيٍّ يمنح النص شرعيته. أما في الرواية اللامركزية، فإن المؤلف قد يتلاشى داخل شبكة من المساهمين، لتصبح الحكاية كياناً جماعياً، بلا مركز، بلا صوت واحد. وهنا، يمكن استحضار أطروحة رولان بارت في موت المؤلف، التي تبدو اليوم أكثر واقعية من أي وقت مضى، حيث لا يعود النص ملكاً لمن كتبه، بل لمن يقرأه ويعيد تأويله.

من جهة أخرى، فإن استخدام الخوارزميات في توليد السرد يثير تساؤلات حول الأصالة والإبداع. فهل يمكن اعتبار نصٍّ تم توليده عبر تحليل ملايين البيانات عملاً إبداعياً؟ أم أنه مجرد إعادة تركيب لأنماط موجودة؟ تشير دراسات في مجال الإنسانيات الرقمية، مثل أعمال فرانكو مورِتّي، إلى أن الأدب يمكن تحليله كنظام بيانات، وأن الأنماط السردية تتكرر عبر الزمن، مما يجعل من الممكن "توليد" الأدب كما تُولد النماذج الإحصائية. غير أن هذا الطرح، رغم وجاهته، لا يلغي الحاجة إلى الحس الإنساني الذي يمنح النص روحه.

وفي هذا السياق، تبدو الرواية القائمة على البلوكشين كجسرٍ بين الإنسان والآلة، حيث تلتقي الخوارزمية بالخيال، وتلتقي الملكية الفردية بالملكية الجماعية. إنها تجربة تُعيد تعريف النشر، ليس فقط كعملية توزيع، بل كنظام بيئي متكامل، تُشارك فيه الخوارزميات، والقرّاء، والناشرون، ضمن شبكة لا مركزية.

وقد بدأت بعض دور النشر العالمية في استكشاف هذا النموذج، خاصة في ظل الأزمات التي تواجه صناعة الكتاب، من قرصنة رقمية، وتراجع المبيعات، وهيمنة المنصات الكبرى. فالبوكشين يقدم بديلاً يُمكّن الكُتّاب من التحكم في حقوقهم، وتوزيع عائداتهم بشكل مباشر، دون وسطاء. كما يتيح تتبع استخدام النصوص، وضمان نسبتها إلى أصحابها، وهو ما قد يُحدث ثورة في حقوق الملكية الفكرية.

غير أن الطريق نحو هذا المستقبل ليس مفروشاً بالسهولة. فالتحديات التقنية، مثل استهلاك الطاقة في شبكات البلوكشين، وتعقيد استخدام المحافظ الرقمية، قد تعيق انتشار هذا النموذج. كما أن الإطار القانوني لا يزال غير واضح، خاصة في ما يتعلق بملكية النصوص الجماعية، ومسؤولية المحتوى.

رغم ذلك، فإن ما نشهده اليوم ليس مجرد تجربة عابرة، بل تحوّل بنيوي في طبيعة السرد ذاته. لقد أصبحت الحكاية، في عصر البيانات، كائناً متغيراً، لا يُكتب مرة واحدة، بل يُعاد تشكيله باستمرار، عبر تفاعلات لا نهائية بين الإنسان والآلة. وكأن الرواية، التي كانت يوماً مرآة للواقع، أصبحت الآن مختبراً لإعادة اختراعه.

إن الرواية اللامركزية، بما تحمله من إمكانيات وتحديات، تفتح أمامنا أفقاً جديداً للتفكير في الأدب، ليس فقط كفن، بل كنظام معرفيٍّ يتقاطع مع التكنولوجيا، والاقتصاد، والقانون. وهي، في جوهرها، دعوة لإعادة النظر في علاقتنا بالحكاية، وبالملكية، وبالهوية.

وفي نهاية المطاف، قد لا يكون السؤال هو ما إذا كانت هذه النماذج ستنجح أو تفشل، بل كيف ستُعيد تشكيل وعينا بالسرد، في عالمٍ لم يعد فيه النص مجرد كلمات، بل شبكة من العلاقات، والبيانات، والاحتمالات المفتوحة. وكأننا نعيش، لا في زمن الرواية، بل في زمن ما بعد الرواية، حيث تصبح الحكاية فضاءً مشتركاً، يتجاوز حدود الصفحة، ويتنفس في فضاء رقميٍّ لا نهائي.


0 التعليقات: