الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، مارس 06، 2026

المغرب في مدارات الصحافة الدولية هذا الأسبوع: إعداد عبده حقي

 


في كل أسبوع تتبدل صور الدول في مرايا الصحافة العالمية، لكن المغرب يبدو اليوم حالة خاصة في هذه المرايا المتعددة. فالأخبار والتحليلات المنشورة في الصحافة الدولية، سواء في أوروبا أو أمريكا الشمالية أو في المواقع المتخصصة في متابعة الشأن الإفريقي، تكشف عن حضور مغربي متزايد في النقاشات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية. إن قراءة المقالات الواردة في الروابط المتعلقة بإفريقيا وأوروبا وأمريكا الشمالية تظهر أن المغرب لم يعد مجرد موضوع خبر عابر، بل تحول إلى محور جيوسياسي يثير اهتمام الصحف العالمية.

هذا الأسبوع، تركزت معظم المقالات التي تناولت المغرب حول ثلاثة محاور رئيسية: قضية الصحراء المغربية، العلاقات المغربية مع أوروبا وخاصة فرنسا وإسبانيا، ثم صورة المغرب في الإعلام الأطلسي في الولايات المتحدة وكندا. ومن خلال هذه المحاور الثلاثة يمكن رسم خريطة جديدة لموقع المغرب في الخطاب الإعلامي الدولي.

أول ما يلفت الانتباه في المقالات المنشورة في الصحافة الإفريقية والدولية هو استمرار حضور قضية الصحراء المغربية باعتبارها الملف الأكثر حساسية في السياسة الخارجية للمملكة. فمنذ عقود، يشكل هذا النزاع أحد أطول النزاعات الإقليمية في إفريقيا، وقد بدأ أساساً بعد انسحاب إسبانيا من الإقليم سنة 1975 إثر اتفاقية مدريد التي أنهت الوجود الاستعماري الإسباني في الصحراء.

لكن اللافت في التغطيات الإعلامية الحديثة هو تغير نبرة الخطاب الدولي حول هذه القضية. فعدد متزايد من الدول الغربية بدأ ينظر إلى مقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب سنة 2007 باعتباره أساساً واقعياً للحل السياسي. وقد عزز هذا التحول موقف المغرب في الساحة الدبلوماسية الدولية، خصوصاً بعد أن دعمت دول كبرى هذا المقترح أو اعتبرته حلاً عملياً للنزاع.

تنعكس هذه التحولات بوضوح في المقالات التي تناولت المغرب في الصحافة الأوروبية. ففرنسا، على سبيل المثال، لم تعد تتعامل مع قضية الصحراء بمنطق الحياد التقليدي الذي طبع سياستها لعقود، بل بدأت تميل تدريجياً إلى دعم المقاربة المغربية للحل. وقد جاء هذا التحول في سياق إعادة ترتيب العلاقات الفرنسية مع منطقة المغرب العربي، خاصة بعد توتر علاقاتها مع الجزائر خلال السنوات الأخيرة.

إن هذه الدينامية الجديدة في العلاقات المغربية الفرنسية لا تتوقف عند حدود السياسة فقط، بل تمتد أيضاً إلى الاقتصاد والثقافة والتعاون الأمني. ففي العديد من المقالات التي تناولت المغرب في الصحافة الفرنسية هذا الأسبوع، يظهر المغرب باعتباره شريكاً استراتيجياً لباريس في قضايا الهجرة ومكافحة الإرهاب والتنمية الإفريقية.

أما في إسبانيا، فإن صورة المغرب في الإعلام تبدو أكثر تعقيداً، لأنها مرتبطة بتاريخ طويل من العلاقات المتشابكة بين البلدين. فإسبانيا كانت القوة الاستعمارية السابقة في الصحراء الغربية، وقد ظلت هذه القضية تؤثر في العلاقات بين مدريد والرباط منذ سبعينيات القرن الماضي. ومع ذلك، فإن السنوات الأخيرة شهدت تحولاً مهماً في الموقف الإسباني، حيث أعلنت الحكومة الإسبانية دعمها لمبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها أساساً للحل السياسي للنزاع.

هذا التحول في السياسة الإسبانية انعكس أيضاً في التغطية الإعلامية، حيث بدأت الصحف الإسبانية تتحدث عن المغرب ليس فقط كجار جنوبي لأوروبا، بل كشريك اقتصادي وأمني أساسي في منطقة المتوسط. وتبرز في هذه المقالات إشارات متكررة إلى الدور المغربي في ضبط تدفقات الهجرة غير النظامية نحو أوروبا، إضافة إلى التعاون الأمني بين الرباط ومدريد في مكافحة الشبكات الإرهابية.

ومن خلال هذه التغطيات، يبدو المغرب كأنه أصبح جزءاً من المعادلة الاستراتيجية للأمن الأوروبي. فالقارة الأوروبية التي تواجه تحديات الهجرة والإرهاب وعدم الاستقرار في منطقة الساحل، ترى في المغرب دولة مستقرة يمكن الاعتماد عليها في إدارة هذه التحديات الإقليمية.

لكن صورة المغرب في الصحافة الدولية لا تقتصر على أوروبا فقط. فالمقالات المنشورة في الصحافة الأمريكية والكندية تشير بدورها إلى تنامي الاهتمام بالمغرب داخل الفضاء الأطلسي. ويعود ذلك إلى عدة عوامل، من بينها الموقع الجغرافي للمغرب باعتباره بوابة بين إفريقيا وأوروبا، إضافة إلى دوره المتزايد في الاقتصاد الإفريقي.

ففي العديد من التحليلات المنشورة في الإعلام الأمريكي، يظهر المغرب كقوة إقليمية صاعدة في شمال إفريقيا. وقد ساهمت عدة عوامل في تعزيز هذه الصورة، من بينها الإصلاحات الاقتصادية التي عرفتها المملكة خلال العقدين الأخيرين، والاستثمارات الكبيرة في البنية التحتية، إضافة إلى السياسة الإفريقية النشطة التي يقودها المغرب منذ عودته إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017.

كما أن التطور الملحوظ في العلاقات المغربية الأمريكية منذ اعتراف واشنطن بسيادة المغرب على الصحراء سنة 2020 ساهم في تعزيز حضور المغرب في الإعلام الأمريكي. فقد اعتُبر هذا القرار تحولاً مهماً في السياسة الأمريكية تجاه النزاع، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون الاستراتيجي بين الرباط وواشنطن.

وفي هذا السياق، تبرز في الصحافة الأمريكية تحليلات ترى أن المغرب أصبح حليفاً أساسياً للولايات المتحدة في شمال إفريقيا، خصوصاً في مجالات الأمن ومكافحة الإرهاب والتعاون العسكري. كما تشير بعض المقالات إلى الدور الذي يمكن أن يلعبه المغرب في استقرار منطقة الساحل التي تشهد تصاعداً في التهديدات الأمنية خلال السنوات الأخيرة.

لكن ما يميز صورة المغرب في الإعلام الدولي هذا الأسبوع ليس فقط الجانب السياسي أو الأمني، بل أيضاً البعد الثقافي والحضاري. فبعض المقالات تتحدث عن المغرب باعتباره فضاءً حضارياً يجمع بين إفريقيا وأوروبا والعالم العربي.

هذه الصورة الثقافية للمغرب ليست جديدة، لكنها تكتسب اليوم دلالات جديدة في سياق العولمة الثقافية. فالمغرب الذي كان في الماضي نقطة التقاء القوافل التجارية والثقافات المتوسطية، يبدو اليوم كأنه يستعيد هذا الدور التاريخي في عالم تتحرك فيه الأفكار والاقتصادات بسرعة غير مسبوقة.

ومن هنا يمكن القول إن قراءة المقالات التي تناولت المغرب في الصحافة الدولية هذا الأسبوع تكشف عن تحول عميق في صورة المغرب في العالم. فلم يعد المغرب مجرد موضوع للخبر السياسي أو السياحي، بل أصبح فاعلاً جيوسياسياً يثير اهتمام المحللين والباحثين والصحفيين في مختلف أنحاء العالم.

إن المغرب الذي يظهر في هذه المقالات هو بلد يتحرك في عدة اتجاهات في الوقت نفسه: نحو إفريقيا لتعزيز حضوره الاقتصادي والسياسي، ونحو أوروبا لتطوير شراكاته الاستراتيجية، ونحو العالم الأطلسي لتعميق علاقاته مع الولايات المتحدة وكندا.

وهكذا، فإن المرآة التي تعكسها الصحافة الدولية هذا الأسبوع تكشف عن مغرب متعدد الوجوه: مغرب دبلوماسي يتحرك بثقة في الساحة الدولية، ومغرب اقتصادي يبحث عن موقعه في الأسواق العالمية، ومغرب حضاري يواصل دوره التاريخي كجسر بين القارات والثقافات.

وفي النهاية، قد تكون هذه هي الرسالة الأعمق التي تحملها المقالات المنشورة هذا الأسبوع: أن المغرب لم يعد مجرد موضوع للنقاش الدولي، بل أصبح جزءاً من صياغة هذا النقاش نفسه. وهذا التحول في الصورة الإعلامية ليس مجرد تفصيل عابر في صفحات الجرائد، بل مؤشر على التحولات العميقة التي يعرفها موقع المغرب في النظام الدولي المعاصر.

وهكذا، بين الصحافة الإفريقية والأوروبية والأمريكية، تتشكل رواية جديدة عن المغرب: رواية دولة تسعى إلى إعادة تعريف دورها في العالم، ليس فقط عبر السياسة والدبلوماسية، بل أيضاً عبر الثقافة والاقتصاد والهوية الحضارية.


0 التعليقات: