الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، مارس 19، 2026

الترحيل الجماعي يلاحق المهاجرين: إعداد عبده حقي

 


شهدت الأيام الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في أحداث الهجرة غير النظامية للمغاربة والعرب والأفارقة، حيث برزت عمليات الترحيل الجماعي والحوادث البحرية المأساوية كسمات رئيسية في ثلاث مناطق جغرافية متباينة: دول الخليج، والاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة. تعكس هذه التطورات التوترات السياسية والإنسانية المستمرة، مع تركيز السلطات على السيطرة على الحدود وسط مخاوف حقوقية متزايدة.

في منطقة الخليج، جاءت الأخبار محدودة نسبياً لكنها مؤلمة، وتركزت على طرق العبور القريبة من الحدود السعودية واليمنية. عثر صيادون يمنيون على جثث مهاجرين أفارقة غرقوا في قارب قبالة السواحل اليمنية خلال الأسبوع الماضي، في حادث يعكس مخاطر الرحلات البحرية الخطرة نحو المنطقة. كما شهدت محافظة شبوة ارتفاعاً في أعداد المهاجرين الأفارقة الواصلين، مما دفع السلطات المحلية إلى اتخاذ إجراءات ترحيل للمهاجرين غير النظاميين. هذه الحوادث تبرز كيف أصبحت اليمن نقطة عبور مؤلمة للأفارقة المتجهين شمالاً، مع انتشار فيديوهات متداولة حول تجنيد محتمل على الحدود اليمنية السعودية، رغم نفيها من قبل وسائل إعلام موثوقة. أما داخل دول الخليج مثل السعودية والإمارات، فلم تسجل حوادث كبرى جديدة، لكن السياسات الأمنية المشددة تظل عاملاً رئيسياً في الحد من التدفقات غير الشرعية.

أما في الاتحاد الأوروبي، فسيطر طريق البحر الأبيض المتوسط على الأحداث، حيث أنقذت السلطات الإيطالية ومنظمات غير حكومية أكثر من 350 مهاجراً خلال نهاية الأسبوع الماضي. شملت العمليات إنقاذ 64 شخصاً قبالة جزيرة لامبيدوزا، من بينهم 14 امرأة و10 قاصرين، فيما أجلت سفن مثل «سي ووتش 5» و«لايف سابورت» مجموعات أخرى بلغت 93 و123 شخصاً على التوالي. غالبية المهاجرين من دول أفريقية جنوب الصحراء مثل الصومال وساحل العاج والكاميرون وإريتريا ومالي وبوركينا فاسو ونيجيريا وغانا، إلى جانب بعض السودانيين واليمنيين. لم يسلم الطريق من المآسي، إذ لا يزال طفل يبلغ عامين مفقوداً بعد غرق قارب، فيما انتشل الهلال الأحمر الليبي سبع جثث على شاطئ قصر الأخيار شرق طرابلس، بينها ثلاثة أطفال من أفريقيا جنوب الصحراء. يصل عدد الوفيات في المتوسط منذ بداية 2026 إلى 550 شخصاً، وفق منظمة الهجرة الدولية، مع تجاوز الإجمالي منذ 2014 حاجز 34 ألف ضحية. يعزى ذلك إلى قوارب متهالكة وطقس عاصف، وسط انطلاق آلاف المهاجرين من ليبيا وتونس والجزائر بحثاً عن الأمان. كما سجلت محاولات مغاربة لعبور سياج سبتة الإسباني سباحة، رغم السياج الحدودي المعزز.

في الولايات المتحدة، برزت سياسة الترحيل الجماعي تحت إدارة الرئيس دونالد ترامب كمحور الأخبار المتعلقة بالمهاجرين المغاربة والأفارقة. أبرز مثال حالة «فارة»، المرأة المغربية المثلية البالغة 21 عاماً، التي رُحلت إلى الكاميرون كدولة ثالثة رغم أمر حماية أمريكي يمنع إعادتها إلى المغرب بسبب خطر العنف الأسري والاضطهاد بسبب توجهها الجنسي. هربت فارة من المغرب بعد تعرضها للضرب والتهديد بالقتل، ووصلت إلى أمريكا عبر رحلة طويلة، لكنها احتجزت قرابة عام قبل ترحيلها في يناير 2026 إلى الكاميرون، ثم عودتها قسراً إلى المغرب حيث تعيش مختبئة الآن. أنفقت الإدارة الأمريكية 40 مليون دولار على ترحيل نحو 300 مهاجر إلى دول ثالثة، مع اتفاقيات مع سبع دول أفريقية على الأقل مثل الكاميرون وجنوب السودان ورواندا. كما صدرت أوامر ترحيل نهائية بحق 495 مغربياً، وتجري عمليات ترحيل أفارقة وآسيويين إلى بنما. تشمل هذه السياسة مهاجرين من غرب أفريقيا أعيدوا إلى بلدانهم بعد ترحيلهم من أمريكا، وسط انتقادات حقوقية لانتهاك أوامر القضاء الأمريكي.

يجمع هذا المشهد بين الترحيل المنهجي والمخاطر البحرية، مما يعكس تحديات سياسات الهجرة العالمية. في الخليج، تظل الحدود اليمنية السعودية نقطة ساخنة للأفارقة، بينما يحصد البحر المتوسط أرواحاً يومياً في أوروبا، وتشدد أمريكا قبضتها على الوافدين المغاربة والأفارقة عبر الترحيل إلى دول ثالثة. يدعو نشطاء حقوقيون إلى حلول إنسانية أكثر توازناً، لكن الاتجاهات تشير إلى استمرار الضغط الأمني. يبلغ إجمالي المهاجرين الذين يحاولون هذه الطرق آلافاً سنوياً، مدفوعين بالفقر والنزاعات والاضطهاد، فيما تظل المنظمات الدولية تطالب بتعزيز آليات الإنقاذ واللجوء العادل. هذه الأحداث تؤكد أن الهجرة لم تعد مجرد ظاهرة إقليمية، بل قضية عالمية تتطلب تنسيقاً دولياً يراعي البعد الإنساني إلى جانب الأمني.


0 التعليقات: