في زمنٍ تتقاطع فيه البيانات مع اللغة كما تتقاطع الأنهار في دلتا الوعي البشري، لم يعد السرد مجرد فعل إنساني خالص، بل أصبح فضاءً هجيناً تتداخل فيه الخوارزميات مع المخيلة، وتعيد فيه البيانات الضخمة تشكيل الحكاية كما يعيد الضوء تشكيل الظلال على جدران التاريخ. إن ما يُعرف اليوم بـ"السرديات المُولَّدة خوارزمياً" لم يعد مجرد تجربة تقنية عابرة، بل تحوّل إلى مشروع معرفي عميق يعيد تعريف مفهوم النص، المؤلف، والقارئ، ضمن سياق جديد تتقاطع فيه علوم الحاسوب مع الإنسانيات الرقمية.
إن مفهوم "السرد القائم على البيانات" (Data Narrative) يرتكز على فكرة أن الحكاية يمكن أن تُستخرج، أو بالأحرى تُركّب، من خلال تحليل كميات هائلة من البيانات النصية، كما في الأرشيفات الصحفية التاريخية. هنا، لا تكون الخوارزمية مجرد أداة، بل تصبح شريكاً ضمنياً في إنتاج المعنى، أشبه بعازف خفي يعيد ترتيب النوتات القديمة ليخلق سيمفونية جديدة. وقد أشار عالم الإعلام الرقمي ليف مانوفيتش (Lev Manovich) في كتابه The Language of New Media إلى أن البيانات لم تعد مادة خام، بل أصبحت شكلاً ثقافياً قائماً بذاته، قابلاً للسرد والتأويل.
في هذا السياق، تلعب الإنسانيات الرقمية دوراً محورياً في فك شيفرات الأرشيف الصحفي التاريخي، الذي ظل لعقود طويلة حبيس الورق أو الميكروفيلم. فبفضل تقنيات التعلم الآلي ومعالجة اللغة الطبيعية، أصبح بالإمكان تحليل آلاف المقالات الصحفية القديمة لاستخراج الأنماط السردية، ورصد التحولات في الخطاب الإعلامي، وإعادة بناء "ذاكرة صحفية" جديدة تتجاوز حدود الزمن. إن هذا التحول لا يقتصر على الرقمنة فحسب، بل يتجاوزها إلى "إعادة كتابة التاريخ" من خلال أدوات تحليلية جديدة.
ولعل من أبرز المشاريع في هذا المجال، ما قامت به مكتبة الكونغرس الأمريكية بالتعاون مع جامعات بحثية، حيث تم تحليل ملايين الصفحات من الصحف التاريخية ضمن مشروع Chronicling America. وقد أتاح هذا المشروع للباحثين إمكانية تتبع تطور الخطاب الإعلامي حول قضايا مثل الهجرة، الحرب، والهوية، باستخدام خوارزميات قادرة على التعرف على الأنماط اللغوية والتكرارات الدلالية. كما أن مشروع NewsEye الأوروبي، الذي يركز على الصحافة الأوروبية في القرنين التاسع عشر والعشرين، يُعد نموذجاً آخر على كيفية توظيف الذكاء الاصطناعي في قراءة الأرشيف الصحفي.
غير أن السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه هنا هو: هل يمكن للخوارزمية أن "تروي" قصة؟ أم أنها تكتفي بإعادة ترتيب القصص الموجودة؟ إن هذا السؤال يعيدنا إلى أطروحات روزاليند بيكارد (Rosalind Picard) في كتابها Affective Computing، حيث تؤكد أن فهم العاطفة هو شرط أساسي لفهم السرد. فإذا كانت الخوارزميات قادرة على تحليل النصوص، فهل هي قادرة على استشعار العاطفة الكامنة فيها؟ وهل يمكنها أن تُنتج سرداً يحمل حساسية إنسانية حقيقية؟
في الواقع، تشير الدراسات الحديثة في مجال الذكاء الاصطناعي العاطفي إلى أن النماذج اللغوية أصبحت قادرة على محاكاة أنماط التعبير العاطفي، من خلال تدريبها على مجموعات بيانات ضخمة تتضمن نصوصاً أدبية وصحفية. إلا أن هذه المحاكاة تظل، في جوهرها، انعكاساً إحصائياً لأنماط بشرية، وليست تجربة شعورية أصيلة. وهنا يكمن التوتر بين "التمثيل" و"التجربة"، بين ما يمكن للخوارزمية أن تقوله، وما يمكن للإنسان أن يشعر به.
ومع ذلك، فإن القيمة الحقيقية للسرديات الخوارزمية لا تكمن في استبدال الكاتب، بل في توسيع أفق الكتابة. فهي تتيح للباحثين والكتّاب إمكانية استكشاف مسارات سردية جديدة، واكتشاف علاقات غير مرئية بين الأحداث، كما لو أنهم ينقبون في طبقات الذاكرة الجماعية باستخدام مجهر رقمي. إن الأرشيف الصحفي، الذي كان يُنظر إليه سابقاً كمجرد سجل للأحداث، يتحول اليوم إلى "منجم سردي" يمكن استخراجه وإعادة تشكيله بطرق متعددة.
وقد أشار الباحث فرانكو موريتي (Franco Moretti) في إطار ما يُعرف بـ"القراءة البعيدة" (Distant Reading) إلى أن تحليل النصوص على نطاق واسع يمكن أن يكشف عن أنماط لا يمكن ملاحظتها من خلال القراءة التقليدية. وهذا ما يتقاطع مع السرديات الخوارزمية، التي تعتمد على تحليل مجموعات ضخمة من النصوص لاستخلاص بنى سردية متكررة، مثل أنماط الشخصيات، تطور الحبكة، أو التحولات الزمنية.
في هذا الأفق، يصبح الكاتب أشبه بمهندس بيانات، يعيد تصميم الحكاية باستخدام أدوات تحليلية، دون أن يفقد حساسيته الجمالية. وتصبح الكتابة فعلاً تركيبياً، يجمع بين الحدس الإبداعي والدقة الحسابية، كما يجمع الرسام بين الألوان والخطوط. إن هذا التحول يفتح الباب أمام أشكال جديدة من السرد، مثل الرواية التفاعلية، والسرد الشبكي، وحتى "الرواية البيومترية" التي تستجيب لحالة القارئ النفسية.
غير أن هذا التقدم لا يخلو من تحديات أخلاقية ومعرفية. فالسؤال حول "ملكية السرد" يصبح أكثر تعقيداً في ظل استخدام بيانات مأخوذة من نصوص بشرية. كما أن خطر "تجانس السرد" يلوح في الأفق، إذا ما أصبحت الخوارزميات تعتمد على أنماط متكررة قد تؤدي إلى إنتاج نصوص متشابهة. وهنا، تبرز الحاجة إلى تطوير نماذج أكثر تنوعاً، قادرة على احتضان الاختلاف والتجريب.
في النهاية، يمكن القول إن السرديات الخوارزمية تمثل مرحلة جديدة في تطور الكتابة، حيث لم يعد النص مجرد انعكاس للواقع، بل أصبح نتيجة لتفاعل معقد بين الإنسان والآلة. إنها دعوة لإعادة التفكير في مفهوم الحكاية، ليس بوصفها مجرد تسلسل للأحداث، بل كشبكة من العلاقات التي يمكن اكتشافها وإعادة تركيبها بطرق لا نهائية. وكما قال والتر بنيامين في تأمله حول الراوي، فإن "فن الحكي في طريقه إلى الزوال"، لكن ربما، في عصر الخوارزميات، هو في طريقه إلى التحول، لا الزوال.








0 التعليقات:
إرسال تعليق