الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الاثنين، مارس 16، 2026

عائشة المكي: صوت الهامش في الصحافة المغربية: عبده حقي

 


تحتفظ الذاكرة الثقافية المغربية باسم الكاتبة والصحفية عائشة المكي بوصفها إحدى الشخصيات النسائية البارزة التي تركت بصمتها في تاريخ الصحافة المغربية خلال النصف الثاني من القرن العشرين. فقد تميزت تجربتها بأسلوب خاص جمع بين التحقيق الصحفي والسرد الأدبي، كما ارتبط اسمها بكتابة تقارير إنسانية عميقة عن الجرائم والهامش الاجتماعي، وهو مجال كان نادراً أن تخوضه النساء في الصحافة المغربية آنذاك. وقد شكلت مسيرتها مثالاً لصحفية اختارت أن تجعل من الكتابة وسيلة للكشف عن معاناة الفئات المهمشة في المجتمع.

النشأة والبدايات

ولدت عائشة المكي، واسمها الحقيقي رقية فتح، في مدينة تازة بالمغرب حوالي سنة 1950، في أسرة متواضعة عانت ظروفاً اجتماعية صعبة. وقد تركت تلك البيئة أثراً واضحاً في شخصيتها وفي اهتماماتها الفكرية لاحقاً. عاشت طفولة اتسمت بالفقر وبعض مظاهر العنف الأسري، الأمر الذي جعلها منذ سن مبكرة أكثر حساسية تجاه الألم الإنساني وقضايا الفئات المهمشة في المجتمع.

تلقت تعليمها الأولي في مدرسة يهودية بمدينة تازة، حيث اكتسبت معرفة جيدة باللغة الفرنسية، وهي اللغة التي ستصبح لاحقاً أداة رئيسية في كتاباتها الصحفية. بعد ذلك انتقلت مع أسرتها إلى الحي المحمدي في الدار البيضاء، وهو حي شعبي عُرف في تلك الفترة بكثافته السكانية وتنوعه الاجتماعي. وقد أسهمت هذه التجربة في توسيع رؤيتها للعالم الاجتماعي، إذ عايشت عن قرب حياة الطبقات الشعبية ومشكلاتها اليومية.

في تلك المرحلة بدأت ملامح شخصيتها الثقافية تتشكل، إذ كانت قارئة نهمة للأدب العالمي، خاصة الروايات الفرنسية مثل «البؤساء» لفيكتور هوغو و**«مدام بوفاري» لغوستاف فلوبير**، وهي أعمال ساعدت على صقل حسها السردي والإنساني.

المسيرة المهنية في الصحافة

بدأت عائشة المكي مسيرتها المهنية في بداية السبعينيات عندما التحقت بالعمل في الصحافة المغربية، حيث عملت في جريدة «الرأي» (L’Opinion) الناطقة بالفرنسية، وهي إحدى الصحف البارزة في المغرب. وقد تميزت تجربتها بكونها واحدة من قلة من الصحفيات اللواتي اشتغلن في مجال تغطية الجرائم في تلك الفترة.

ومنذ سنة 1977 شرعت في كتابة عمود صحفي أسبوعي بعنوان
«Au ban de la société» أي «خارج المجتمع». واستمر هذا العمود حتى وفاتها سنة 1992، ليصبح أحد أشهر الأعمدة الصحفية في المغرب. وقد تميز بأسلوب يجمع بين التحقيق الصحفي والسرد شبه الروائي، حيث كانت المكي تروي القضايا الجنائية بطريقة قريبة من الأدب الواقعي.

لم تكن تقاريرها مجرد سرد للأحداث الجنائية، بل كانت تحاول فهم السياق الاجتماعي الذي أدى إلى وقوع الجريمة. لذلك كانت تعود إلى حياة المتهمين والضحايا وتستكشف خلفياتهم الاجتماعية والنفسية، كما تتابع تفاصيل التحقيقات وإجراءات المحاكم.

وقد ركزت كتاباتها على قضايا الفئات المهمشة مثل الفقراء، والنساء ضحايا العنف، والبغايا، ومدمني المخدرات، والسجناء، وغيرهم من الأشخاص الذين يعيشون في هامش المجتمع. وكانت ترى أن فهم المجتمع الحقيقي يبدأ من فهم معاناة هؤلاء الذين لا يجدون صوتاً في الإعلام الرسمي.

أسلوبها الصحفي

اتسم أسلوب عائشة المكي بعدة خصائص جعلت كتاباتها مميزة في الصحافة المغربية:

أولاً، الطابع السردي الأدبي؛ إذ كانت تقاريرها تشبه القصص القصيرة، حيث تبدأ بوصف المشهد أو الشخصية ثم تنتقل إلى تفاصيل القضية.

ثانياً، المنظور الإنساني؛ فقد كانت تنظر إلى الجريمة ليس بوصفها حدثاً قانونياً فقط، بل باعتبارها نتيجة لظروف اجتماعية قاسية.

ثالثاً، الاقتراب من الهامش الاجتماعي؛ فقد ركزت على الأشخاص الذين يعيشون خارج دائرة الاهتمام الإعلامي، وجعلت من قصصهم مادة أساسية لكتابتها.

بفضل هذه الخصائص اعتبرها بعض الباحثين من رواد التغطية الصحفية الحديثة للجرائم في المغرب، كما اعتُبرت كتاباتها نموذجاً للصحافة الإنسانية التي تحاول فهم المجتمع من الداخل.

تأثيرها في الصحافة المغربية

مثلت تجربة عائشة المكي محطة مهمة في تاريخ الصحافة المغربية، خاصة في ما يتعلق بحضور المرأة في المجال الإعلامي. ففي زمن كانت الصحافة فيه مجالاً يهيمن عليه الرجال، استطاعت أن تفرض نفسها كصحفية جريئة تتناول موضوعات حساسة مثل الجريمة والهامش الاجتماعي.

كما أسهمت كتاباتها في فتح المجال أمام أسلوب جديد من الصحافة يجمع بين التحقيق والسرد الأدبي، وهو ما جعل بعض الباحثين يربطون تجربتها بما يعرف اليوم بـ الصحافة السردية أو الصحافة الأدبية.

وقد جمعت بعض مقالاتها لاحقاً في كتب، كما اهتم عدد من الباحثين بدراسة تجربتها ضمن دراسات حول الثقافة الشعبية والتمثيلات الاجتماعية للجريمة في المغرب.

وفاتها وإرثها الثقافي

توفيت عائشة المكي في مايو سنة 1992 في ظروف مأساوية نسبياً، حيث عُثر على جثتها في شقتها بعد نحو أسبوعين من توقفها عن العمل. وقد كانت تعيش بمفردها في تلك الفترة، وهو ما أضفى على رحيلها طابعاً مأساوياً يشبه القصص التي كتبت عنها في مقالاتها.

ورغم قصر حياتها، فقد تركت إرثاً مهماً في الصحافة المغربية، إذ ما زالت تجربتها تُذكر بوصفها تجربة فريدة لصحفية اختارت أن تنظر إلى المجتمع من زاوية الهامش لا من مركز السلطة أو الشهرة.

لقد كتبت عائشة المكي عن المنسيين والمهمشين، لكنها في الوقت نفسه تركت نصوصاً تكشف عن روح إنسانية عميقة ورؤية نقدية للمجتمع. ومن هنا يمكن القول إن كتاباتها لم تكن مجرد تقارير صحفية، بل كانت نوعاً من الشهادة الإنسانية على زمن اجتماعي معقد.

المصادر والمراجع


  • موسوعة ويكيبيديا العربية: عائشة مكي.


  • المختار العنقا الإدريسي، عائشة مكي.. سيرة قلم ولد من الألم، موقع السؤال الآن، 2026.

  • Smolin, Jonathan. Moroccan Noir: Police, Crime, and Politics in Popular Culture. Indiana University Press.

  • Akyeampong, Emmanuel K.; Gates, Henry Louis (eds.). Dictionary of African Biography. Oxford University Press.



0 التعليقات: