الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الاثنين، مارس 16، 2026

سلسلة الكتب الأكثر شهرة ومبيعا في العالم العربي (مجنون الحكم ) إعداد عبده حقي


وُلِدَ الأَدِيبُ وَالرِّوَائِيُّ الْمَغْرِبِيُّ بِنْسَالِمْ حيميش، الْمَعْرُوفُ فِي الْمَشْرِقِ بِاسْمِ سَالِمْ حيميش، فِي مَدِينَةِ مَكْنَاسَ بِالْمَغْرِبِ سَنَةَ 1948. وَهُوَ كَاتِبٌ وَمُفَكِّرٌ وَرَوَائِيٌّ وَشَاعِرٌ، إِلَى جَانِبِ كَوْنِهِ أُسْتَاذًا جَامِعِيًّا فِي مَجَالِ الْفَلْسَفَةِ، وَيَكْتُبُ بِاللُّغَتَيْنِ الْعَرَبِيَّةِ وَالْفَرَنْسِيَّةِ. وَيُعَدُّ مِنْ أَبْرَزِ الأَسْمَاءِ فِي الرِّوَايَةِ الْمَغْرِبِيَّةِ الْمُعَاصِرَةِ، لِمَا تَمَيَّزَتْ بِهِ أَعْمَالُهُ مِنْ مَزْجٍ بَيْنَ الْفِكْرِ الْفَلْسَفِيِّ وَالسَّرْدِ الرِّوَائِيِّ.

تَلَقَّى حيميش تَعْلِيمَهُ الأَوَّلِيَّ فِي مَكْنَاسَ، ثُمَّ تَابَعَ دِرَاسَتَهُ الْعُلْيَا فِي الرِّبَاطِ، لِيَلْتَحِقَ بَعْدَ ذَلِكَ بِجَامِعَةِ السُّورْبُونِ فِي بَارِيس، حَيْثُ حَصَلَ عَلَى الإِجَازَةِ فِي الْفَلْسَفَةِ وَعِلْمِ الاِجْتِمَاعِ سَنَةَ 1970، ثُمَّ نَالَ دُكْتُورَاهُ السِّلْكِ الثَّالِثِ سَنَةَ 1974، وَدُكْتُورَاهُ الدَّوْلَةِ سَنَةَ 1983. وَاشْتَغَلَ أُسْتَاذًا لِلْفَلْسَفَةِ فِي كُلِّيَّةِ الآدَابِ وَالْعُلُومِ الإِنْسَانِيَّةِ بِجَامِعَةِ مُحَمَّدٍ الْخَامِسِ بِالرِّبَاطِ، وَانْخَرَطَ مُبَكِّرًا فِي الْحَيَاةِ الثَّقَافِيَّةِ مِنْ خِلَالِ عُضْوِيَّتِهِ فِي اِتِّحَادِ كُتَّابِ الْمَغْرِبِ مُنْذُ سَنَةِ 1968.

تَمَيَّزَتِ التَّجْرِبَةُ الأَدَبِيَّةُ لِسَالِمْ حيميش بِانْشِغَالِهَا بِالتَّارِيخِ الْفِكْرِيِّ وَالشَّخْصِيَّاتِ التَّارِيخِيَّةِ، حَيْثُ قَدَّمَ فِي رِوَايَاتِهِ قِرَاءَاتٍ سَرْدِيَّةً لِشَخْصِيَّاتٍ كُبْرَى فِي التَّارِيخِ الإِسْلَامِيِّ وَالْعَرَبِيِّ. وَمِنْ أَشْهَرِ أَعْمَالِهِ الرِّوَائِيَّةِ: «مَجْنُونُ الْحُكْمِ» (1990) الَّتِي تَتَنَاوَلُ شَخْصِيَّةَ الْحَاكِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ الْفَاطِمِيِّ، وَرِوَايَةُ «الْعَلَّامَة» (1997) الَّتِي تَسْتَلْهِمُ سِيرَةَ الْمُفَكِّرِ ابْنِ خَلْدُون، وَرِوَايَةُ «هَذَا الأَنْدَلُسِيّ» الَّتِي تَتَنَاوَلُ شَخْصِيَّةَ ابْنِ سَبْعِين. وَتُعَدُّ هَذِهِ الأَعْمَالُ مِنَ الرِّوَايَاتِ الَّتِي تَجْمَعُ بَيْنَ التَّأَمُّلِ الْفَلْسَفِيِّ وَالْبُعْدِ التَّارِيخِيِّ فِي السَّرْدِ الرِّوَائِيِّ.

وَقَدْ حَصَلَ حيميش عَلَى عَدَدٍ مِنَ الْجَوَائِزِ الأَدَبِيَّةِ الْمُهِمَّةِ، مِنْهَا جَائِزَةُ نَجِيبِ مَحْفُوظٍ لِلرِّوَايَةِ سَنَةَ 2002 عَنْ رِوَايَتِهِ «الْعَلَّامَة»، وَكَذَلِكَ جَائِزَةُ الشَّارِقَةِ لِلثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ مِنَ اليُونِسْكُو سَنَةَ 2003، إِلَى جَانِبِ جَوَائِزَ أُخْرَى فِي مَجَالِ التَّرْجَمَةِ وَالإِبْدَاعِ الرِّوَائِيِّ.

وَإِلَى جَانِبِ نَشَاطِهِ الأَدَبِيِّ وَالأَكَادِيمِيِّ، تَوَلَّى سَالِمْ حيميش مَنْصِبَ وَزِيرِ الثَّقَافَةِ فِي الْمَغْرِبِ بَيْنَ 2009 وَ2011، حَيْثُ سَاهَمَ فِي تَعْزِيزِ السِّيَاسَاتِ الثَّقَافِيَّةِ وَدَعْمِ الْمُؤَسَّسَاتِ الثَّقَافِيَّةِ وَالْإِبْدَاعِ الأَدَبِيِّ فِي الْمَمْلَكَةِ.

وَيُعَدُّ بِنْسَالِمْ حيميش مِنَ الْأَصْوَاتِ الْفِكْرِيَّةِ وَالرِّوَائِيَّةِ الْبَارِزَةِ فِي الْمَغْرِبِ الْمُعَاصِرِ، حَيْثُ جَمَعَ فِي مَسَارِهِ بَيْنَ الْفَلْسَفَةِ وَالرِّوَايَةِ وَالْفِكْرِ النَّقْدِيِّ، مُقَدِّمًا أَعْمَالًا تُعَالِجُ قَضَايَا التَّارِيخِ وَالْهُوِيَّةِ وَالْفِكْرِ الإِسْلَامِيِّ فِي سِيَاقٍ أَدَبِيٍّ عَمِيقٍ.

 

أَصْدِقَائِي الأَعِزَّاء، فِي هَذِهِ الحَلْقَةِ مِنْ سِلْسِلَةِ التَّعْرِيفِ بِأَهَمِّ الرِّوَايَاتِ الْعَرَبِيَّةِ، أُقَدِّمُ لَكُمْ عَمَلًا رِوَائِيًّا بَارِزًا مِنْ أَعْمَالِ الأَدِيبِ وَالمُفَكِّرِ الْمَغْرِبِيِّ سَالِمْ حُمَيْش (بِنْسَالِمْ حُمَيْش)، وَهُوَ رِوَايَةُ «مَجْنُونُ الحُكْمِ»، الَّتِي تُعَدُّ مِنْ أَهَمِّ الرِّوَايَاتِ التَّارِيخِيَّةِ فِي الأَدَبِ الْعَرَبِيِّ الْمُعَاصِرِ. صَدَرَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ سَنَةَ 1990، وَسُرْعَانَ مَا لَفَتَتِ الاِنْتِبَاهَ إِلَى مَوْهِبَةِ كَاتِبِهَا، لِمَا قَدَّمَتْهُ مِنْ رُؤْيَةٍ سَرْدِيَّةٍ جَدِيدَةٍ لِلتَّارِيخِ الْعَرَبِيِّ، وَخَاصَّةً لِفَتْرَةِ حُكْمِ الْخَلِيفَةِ الفَاطِمِيِّ الحَاكِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ فِي مِصْرَ.

تَنْتَمِي رِوَايَةُ «مَجْنُونُ الحُكْمِ» إِلَى مَا يُسَمِّيهِ النُّقَّادُ الرِّوَايَةَ التَّارِيخِيَّةَ التَّأَمُّلِيَّةَ، أَيْ تِلْكَ الَّتِي لا تَكْتَفِي بِإِعَادَةِ سَرْدِ الأَحْدَاثِ التَّارِيخِيَّةِ، بَلْ تَسْعَى إِلَى تَفْكِيكِهَا وَإِعَادَةِ تَأْوِيلِهَا فِي ضَوْءِ الحَاضِرِ. فَالْكَاتِبُ سَالِمْ حُمَيْش، الَّذِي جَمَعَ بَيْنَ التَّفْكِيرِ الفَلْسَفِيِّ وَالْخَيَالِ الرِّوَائِيِّ، لَمْ يَقْتَرِبْ مِنْ التَّارِيخِ اقْتِرَابَ المُؤَرِّخِ، بَلِ اقْتَرَبَ مِنْهُ اقْتِرَابَ الرَّوَائِيِّ الَّذِي يَبْحَثُ عَنْ مَعْنَى السُّلْطَةِ وَمَأْسَاةِ الإِنْسَانِ فِي قَلْبِهَا.

تَدُورُ أَحْدَاثُ الرِّوَايَةِ حَوْلَ شَخْصِيَّةِ الْخَلِيفَةِ الفَاطِمِيِّ الحَاكِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَهُوَ مِنْ أَغْرَبِ الشَّخْصِيَّاتِ الَّتِي عَرَفَهَا التَّارِيخُ الإِسْلَامِيُّ. فَقَدْ حَكَمَ مِصْرَ فِي أَوَاخِرِ القَرْنِ العَاشِرِ وَبِدَايَةِ القَرْنِ الحَادِي عَشَرَ، وَارْتَبَطَ اسْمُهُ فِي المَصَادِرِ التَّارِيخِيَّةِ بِقَرَارَاتٍ غَرِيبَةٍ وَمُتَنَاقِضَةٍ، حَتَّى أَصْبَحَ شَخْصًا يَتَأَرْجَحُ بَيْنَ صُورَةِ الحَاكِمِ العَادِلِ وَصُورَةِ الطَّاغِيَةِ المُتَقَلِّبِ. وَمِنْ هُنَا يَبْنِي حُمَيْشُ عَالَمَ رِوَايَتِهِ، فَيَغُوصُ فِي أَعْمَاقِ هَذِهِ الشَّخْصِيَّةِ، وَيَحَاوِلُ فَهْمَ مَا يَجْرِي فِي دَاخِلِهَا مِنْ صِرَاعٍ نَفْسِيٍّ وَفِكْرِيٍّ.

لَا تَكْتَفِي الرِّوَايَةُ بِرَصْدِ وَقَائِعِ التَّارِيخِ، بَلْ تَحْوِّلُهَا إِلَى مَادَّةٍ تَخْيِيلِيَّةٍ حَيَّةٍ. فَالأَحْدَاثُ التَّارِيخِيَّةُ تُقَدَّمُ فِي الرِّوَايَةِ مَمْزُوجَةً بِأَصْوَاتِ الرُّوَاةِ وَالشُّهُودِ وَالشَّخْصِيَّاتِ المُحِيطَةِ بِالْخَلِيفَةِ، وَكَأَنَّ القَارِئَ يَجِدُ نَفْسَهُ أَمَامَ لَوْحَةٍ كَبِيرَةٍ لِلْقَاهِرَةِ الفَاطِمِيَّةِ، بِشَوَارِعِهَا وَأَسْوَاقِهَا وَمُؤَامَرَاتِ قُصُورِهَا. وَهَذَا الأُسْلُوبُ السَّرْدِيُّ جَعَلَ الرِّوَايَةَ تَتَجَاوَزُ حُدُودَ التَّارِيخِ إِلَى تَأَمُّلٍ أَعْمَقَ فِي طَبِيعَةِ الحُكْمِ وَالسُّلْطَةِ.

وَمِنْ أَهَمِّ مَا يُمَيِّزُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ أَنَّهَا لَا تَتَعَامَلُ مَعَ الحَاكِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ عَلَى أَنَّهُ شَخْصِيَّةٌ تَارِيخِيَّةٌ فَقَطْ، بَلْ تُقَدِّمُهُ كَرَمْزٍ لِمُشْكِلَةٍ أَزَلِيَّةٍ فِي التَّارِيخِ الإِنْسَانِيِّ، وَهِيَ مُشْكِلَةُ السُّلْطَةِ المُطْلَقَةِ. فَالْحَاكِمُ فِي الرِّوَايَةِ لَيْسَ مَجْرَدَ خَلِيفَةٍ مِنْ عُصُورٍ بَعِيدَةٍ، بَلْ هُوَ صُورَةٌ لِكُلِّ حَاكِمٍ يَتَحَوَّلُ السُّلْطَانُ فِي يَدِهِ إِلَى وَسِيلَةٍ لِفَرْضِ الأَهْوَاءِ وَالأَوْهَامِ. وَلِذَلِكَ فَإِنَّ الرِّوَايَةَ تُقْرَأُ اليَوْمَ كَأَنَّهَا نَصٌّ يَتَحَدَّثُ عَنْ الْحَاضِرِ بِقَدْرِ مَا يَتَحَدَّثُ عَنِ المَاضِي.

وَفِي هَذَا الإِطَارِ يَتَجَلَّى أُسْلُوبُ سَالِمْ حُمَيْش الَّذِي يَمْزِجُ بَيْنَ اللُّغَةِ الأَدَبِيَّةِ وَالرُّؤْيَةِ الفَلْسَفِيَّةِ. فَالرِّوَايَةُ مَلِيئَةٌ بِالحِوَارَاتِ التَّأَمُّلِيَّةِ وَالمَقَاطِعِ التَّحْلِيلِيَّةِ الَّتِي تَجْعَلُ القَارِئَ يُفَكِّرُ فِي مَعْنَى الحُكْمِ وَمَصِيرِ الحُكَّامِ وَمَأْسَاةِ الإِنْسَانِ الَّذِي يَجِدُ نَفْسَهُ فِي قِمَّةِ السُّلْطَةِ وَحِيدًا وَمُحَاصَرًا بِالشُّكُوكِ وَالمُؤَامَرَاتِ.

وَلَمْ تَكُنْ أَهَمِّيَّةُ «مَجْنُونِ الحُكْمِ» أَدَبِيَّةً فَقَطْ، بَلْ حَظِيَتِ الرِّوَايَةُ أَيْضًا بِتَقْدِيرٍ نَقْدِيٍّ وَاسِعٍ. فَقَدْ حَصَلَتْ عَلَى جَائِزَةِ النَّاقِدِ سَنَةَ 1990، كَمَا أُدْرِجَتْ ضِمْنَ أَهَمِّ الرِّوَايَاتِ العَرَبِيَّةِ فِي القَرْنِ العِشْرِينَ، وَتُرْجِمَتْ إِلَى عِدَّةِ لُغَاتٍ، مِمَّا سَاهَمَ فِي التَّعْرِيفِ بِالأَدَبِ المَغْرِبِيِّ عَلَى نِطَاقٍ دُوَلِيٍّ.

وَيَرَى كَثِيرٌ مِنَ النُّقَّادِ أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ تُعَدُّ بِدَايَةَ مَشْرُوعٍ رِوَائِيٍّ تَارِيخِيٍّ لِسَالِمْ حُمَيْش، سَيَتَوَاصَلُ فِيمَا بَعْدُ فِي رِوَايَاتٍ أُخْرَى مِثْلَ «العَلَّامَة» الَّتِي تَتَنَاوَلُ سِيرَةَ ابْنِ خَلْدُون، وَ«هَذَا الأَنْدَلُسِيّ» الَّتِي تَتَحَدَّثُ عَنِ المُفَكِّرِ الصُّوفِيِّ ابْنِ سَبْعِين. وَفِي كُلِّ هَذِهِ الأَعْمَالِ يَبْقَى التَّارِيخُ عِنْدَ حُمَيْش مَخْزَنًا لِلأَسْئِلَةِ الكُبْرَى حَوْلَ السُّلْطَةِ وَالفِكْرِ وَمَصِيرِ الحَضَارَةِ العَرَبِيَّةِ.

إِنَّ رِوَايَةَ «مَجْنُونِ الحُكْمِ» لَيْسَتْ مُجَرَّدَ حِكَايَةٍ عَنْ خَلِيفَةٍ قَدِيمٍ، بَلْ هِيَ مِرْآةٌ لِتَارِيخٍ طَوِيلٍ مِنَ الصِّرَاعِ بَيْنَ الإِنْسَانِ وَالسُّلْطَةِ. وَمِنْ هُنَا تَكْمُنُ قُوَّتُهَا الأَدَبِيَّةُ؛ فَهِيَ رِوَايَةٌ تَجْعَلُ القَارِئَ يَعِيدُ التَّفْكِيرَ فِي التَّارِيخِ، وَيَتَسَاءَلُ: هَلْ كَانَ الحَاكِمُ بِأَمْرِ اللَّهِ مَجْنُونًا حَقًّا؟ أَمْ أَنَّ الجُنُونَ الحَقِيقِيَّ هُوَ جُنُونُ السُّلْطَةِ نَفْسِهَا؟

وَهُنَا تَكْمُنُ عَبْقَرِيَّةُ الرِّوَائِيِّ المَغْرِبِيِّ سَالِمْ حُمَيْش؛ فَهُوَ لا يُقَدِّمُ إِجَابَةً جَاهِزَةً، بَلْ يَتْرُكُ القَارِئَ يَتَأَمَّلُ هَذَا اللُّغْزَ الإِنْسَانِيَّ الكَبِيرَ الَّذِي يُسَمَّى الحُكْمَ.

 



0 التعليقات: