في عالم الرواية العربية المعاصرة تبرز أحيانًا أعمال أدبية تستطيع أن تلامس قلوب القراء قبل عقولهم، وتطرح أسئلة عميقة حول الهوية والدين والإنسان. ومن بين هذه الأعمال رواية "في قلبي أنثى عبرية" للكاتبة التونسية خولة حمدي، وهي رواية استطاعت أن تحقق انتشارًا واسعًا في العالم العربي وأن تستقطب آلاف القراء، خاصة من فئة الشباب.
هذه الرواية ليست مجرد قصة حب عادية، بل هي حكاية إنسانية مركبة تدور في فضاءات متعددة بين تونس ولبنان وأوروبا، وتتناول موضوعًا حساسًا يتمثل في العلاقة بين الأديان المختلفة، وتحديدًا بين المسلمين واليهود والمسيحيين. لكن الكاتبة لا تتعامل مع هذا الموضوع بمنطق الصراع، بل بمنطق الإنسانية المشتركة التي تتجاوز الحدود الضيقة للهويات المغلقة.
تستند الرواية إلى قصة واقعية نسبياً،
وهو ما يمنحها قوة إضافية ويجعل القارئ يشعر بأنه أمام تجربة حقيقية وليست مجرد خيال
روائي. تبدأ الحكاية في جزيرة جربة التونسية، تلك الجزيرة المعروفة تاريخياً بتعايش
المسلمين واليهود فيها منذ قرون طويلة. في هذا المكان الهادئ تولد شخصية ريما، الفتاة
اليهودية التي تعيش وسط مجتمع مسلم وتتشرب قيمه الثقافية والإنسانية.
من خلال هذه الشخصية تفتح الكاتبة بابًا
واسعًا للتأمل في معنى الهوية الدينية. فريما لا ترى العالم من زاوية التعصب أو الانغلاق،
بل من زاوية الإنسان الذي يبحث عن الحقيقة وعن السلام الداخلي. وهنا تبدأ الرواية في
طرح سؤالها المركزي: هل الدين جدار يفصل بين البشر أم جسر يمكن أن يصل بينهم؟
ومع تطور الأحداث تنتقل الرواية إلى
لبنان، حيث تظهر شخصية أخرى محورية هي شخصية أحمد، الشاب المسلم الذي يعيش تجربة إنسانية
معقدة في ظل الحروب والتوترات السياسية التي عرفها لبنان في سنوات طويلة. في هذه البيئة
المضطربة يلتقي مصير الشخصيات المختلفة، وتتشابك قصصهم بطريقة تجعل القارئ يتابع الرواية
بشغف كبير.
ما يميز أسلوب خولة حمدي في هذه الرواية
هو قدرتها على المزج بين السرد العاطفي والتأمل الفكري. فهي لا تقدم شخصياتها بطريقة
سطحية، بل تمنحها عمقًا إنسانيًا يجعل القارئ يشعر بأنها شخصيات حقيقية من لحم ودم.
كما أن الكاتبة تحرص على تقديم الحوار الديني والثقافي بلغة هادئة بعيدة عن الخطاب
الوعظي المباشر.
في صفحات الرواية نجد أنفسنا أمام أسئلة
كبرى:
ما معنى الإيمان؟
هل يولد الإنسان بهوية دينية محددة
أم أنه يبحث عنها عبر تجربته الشخصية؟
وهل يمكن للحب أن يكون جسراً للتفاهم
بين ثقافات مختلفة؟
هذه الأسئلة لا تقدم الرواية لها أجوبة
جاهزة، لكنها تفتح باب التفكير لدى القارئ وتدعوه إلى إعادة النظر في الكثير من الأفكار
المسبقة التي قد يحملها عن الآخر المختلف.
من الناحية السردية تعتمد الرواية على
تشويق متدرج يجعل القارئ ينتقل من فصل إلى آخر وهو يريد معرفة ما سيحدث بعد ذلك. كما
أن تنقل الأحداث بين أكثر من بلد يمنح النص بعدًا جغرافيًا وثقافيًا واسعًا، فنشعر
أننا نسافر مع الشخصيات من شوارع تونس الهادئة إلى أحياء لبنان المضطربة ثم إلى مدن
أوروبية حيث يعيش بعض الأبطال تجربة الاغتراب.
لكن ربما أكثر ما يلفت الانتباه في
هذه الرواية هو الرسالة الإنسانية العميقة التي تحملها. فخولة حمدي تحاول أن تقول لنا
إن البشر، مهما اختلفت أديانهم وثقافاتهم، يشتركون في شيء أساسي هو إنسانيتهم. ولذلك
فإن التعارف والحوار قد يكونان الطريق الوحيد لتجاوز الصور النمطية التي يصنعها الخوف
أو الجهل.
وقد كان لهذه الرسالة صدى واسع لدى
القراء، إذ تحولت الرواية إلى واحدة من أكثر الروايات العربية انتشارًا في السنوات
الأخيرة. وناقشها كثير من الشباب في الجامعات وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، لأنها
تلامس موضوعًا حساسًا يتعلق بالتعايش الديني في عالم مليء بالتوترات والصراعات.
ولا شك أن نجاح هذه الرواية يعود أيضًا
إلى بساطة لغتها. فخولة حمدي لا تعتمد لغة معقدة أو نخبوية، بل تكتب بأسلوب واضح وسلس
يجعل النص قريبًا من القارئ العادي. وربما لهذا السبب استطاعت الرواية أن تصل إلى جمهور
واسع خارج الدوائر الأدبية التقليدية.
بالنسبة للقارئ العربي اليوم، تبدو
رواية "في قلبي أنثى عبرية" دعوة صريحة إلى إعادة التفكير في علاقتنا بالآخر
المختلف. فهي تذكرنا بأن التاريخ العربي نفسه عرف نماذج كثيرة من التعايش بين الأديان
والثقافات، وأن هذا التعايش ليس حلمًا مستحيلًا بل تجربة إنسانية عرفتها مجتمعاتنا
في مراحل مختلفة.
وفي النهاية يمكن القول إن هذه الرواية
ليست فقط قصة شخصيات تبحث عن الحب أو الإيمان، بل هي أيضًا قصة إنسان يبحث عن معنى
وجوده في عالم متغير. وربما لهذا السبب بقيت الرواية حاضرة في ذاكرة القراء حتى بعد
سنوات من صدورها.
إنها رواية تقول لنا ببساطة:
قبل أن نسأل عن دين الإنسان أو هويته،
يجب أن نسأل أولاً عن إنسانيته.








0 التعليقات:
إرسال تعليق