في قلب مدينة الصويرة، حيث تتلاقى رائحة البحر بإيقاعات القراقب وأصوات المعلمين الكناويين، يفتح مهرجان كناوة وموسيقى العالم صفحة جديدة في مشروعه الثقافي العالمي بإعلان فتح باب التسجيل في برنامج “بيركلي بمهرجان كناوة وموسيقى العالم”، وهو برنامج موسيقي وتكويني يربط بين التراث المغربي العريق وأحدث مناهج التعليم الموسيقي في العالم. ويأتي هذا الإعلان ليؤكد أن مهرجان كناوة لم يعد مجرد تظاهرة فنية موسمية، بل أصبح فضاءً حقيقياً لتلاقح الثقافات ولتكوين جيل جديد من الموسيقيين القادرين على إعادة ابتكار الموسيقى العالمية انطلاقاً من الجذور الإفريقية للمغرب.
لقد تحوّل مهرجان كناوة وموسيقى العالم منذ تأسيسه سنة 1998 إلى أحد أبرز المواعيد الموسيقية الدولية، حيث يستقطب مئات الآلاف من الزوار والفنانين من مختلف القارات. وفي كل دورة، تتحول مدينة الصويرة إلى مسرح مفتوح يلتقي فيه معلمو كناوة مع موسيقيي الجاز والبلوز والروك والموسيقى الإفريقية واللاتينية، في تجربة فنية تُجسد ما يمكن أن نسميه “الدبلوماسية الموسيقية” التي تعبر الحدود والثقافات.
ضمن هذا الأفق الثقافي الواسع، جاءت الشراكة بين مهرجان كناوة وكلية بيركلي للموسيقى في بوسطن، إحدى أشهر المؤسسات الأكاديمية الموسيقية في العالم. وقد أُطلق البرنامج التكويني المشترك تحت اسم “Berklee at the Gnaoua and World Music Festival” ليكون بمثابة مختبر موسيقي دولي يجمع بين التكوين الأكاديمي والتجربة الميدانية في قلب أحد أهم فضاءات الموسيقى التقليدية في إفريقيا.
ويهدف هذا البرنامج إلى تمكين الموسيقيين الشباب من تطوير مهاراتهم الفنية عبر ورشات تدريبية مكثفة يقودها أساتذة وفنانون من كلية بيركلي، إضافة إلى لقاءات موسيقية حية مع معلمي كناوة وفنانين من مختلف أنحاء العالم. وتشمل هذه الورشات مجالات متعددة مثل التأليف الموسيقي، والارتجال، وتطوير الأداء، وفهم التداخل بين الأنماط الموسيقية المختلفة.
وبحسب المعلومات التي أعلنها المنظمون، فإن الدورة الجديدة من البرنامج ستُقام في مدينة الصويرة خلال الفترة الممتدة من 22 إلى 27 يونيو 2026، بالتزامن مع فعاليات مهرجان كناوة وموسيقى العالم، ما يمنح المشاركين فرصة استثنائية للعيش في قلب التجربة الموسيقية للمهرجان، والتفاعل المباشر مع موسيقيين عالميين.
ويستهدف البرنامج الموسيقيين المحترفين وشبه المحترفين الذين لا تقل أعمارهم عن ثمانية عشر عاماً، شرط أن يكون لديهم حد أدنى من الخبرة الموسيقية في العزف أو الغناء. كما أنه مفتوح لمختلف الأنماط الموسيقية، من الموسيقى الكلاسيكية إلى الجاز والروك والبوب، وصولاً إلى الموسيقى التقليدية الإفريقية وموسيقى كناوة.
ولا يقتصر البرنامج على التكوين التقني فحسب، بل يسعى إلى بناء جسر ثقافي بين الموسيقى التقليدية الإفريقية والأنماط الموسيقية الحديثة. فالموسيقى الكناوية نفسها تحمل في أعماقها ذاكرة تاريخية تعود إلى قرون، حين جلبت طرق التجارة والهجرات الإفريقية إلى المغرب طقوساً موسيقية وروحية تحولت مع الزمن إلى أحد أهم مكونات الهوية الثقافية المغربية.
في هذا السياق، يبدو برنامج بيركلي أشبه بمحاولة لإعادة قراءة هذه الذاكرة الموسيقية بلغة معاصرة. فالمشاركون لا يدرسون فقط تقنيات العزف أو التأليف، بل يكتشفون أيضاً فلسفة الموسيقى الكناوية التي تقوم على الإيقاع الجماعي والارتجال الروحي والتواصل العميق بين الموسيقيين والجمهور.
ومن اللافت أن هذا البرنامج استطاع منذ إطلاقه سنة 2024 أن يجمع عشرات الموسيقيين من مختلف أنحاء العالم، من بينهم فنانون من المغرب وإفريقيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية، في تجربة موسيقية متعددة الثقافات تسعى إلى إعادة تعريف مفهوم “موسيقى العالم”.
إن فتح باب التسجيل في هذه الدورة الجديدة لا يمثل مجرد إعلان إداري، بل هو دعوة مفتوحة إلى الموسيقيين الشباب للانخراط في مغامرة فنية تتجاوز حدود الأكاديمية التقليدية. فالصويرة، خلال أيام المهرجان، تتحول إلى ما يشبه “جامعة موسيقية مفتوحة”، حيث يمكن للموسيقي أن يتعلم في النهار داخل الورشات، ثم يختبر ما تعلمه ليلاً على منصات المهرجان وبين جمهور عالمي متنوع.
وهذا ما يجعل تجربة “بيركلي بمهرجان كناوة” فريدة من نوعها في العالم، لأنها تجمع بين ثلاثة عناصر قلما تجتمع في مشروع واحد:
أولاً، مؤسسة أكاديمية مرموقة ذات خبرة طويلة في تعليم الموسيقى الحديثة.
ثانياً، مهرجان دولي يحتفي بالتراث الموسيقي الإفريقي ويمنحه فضاءً عالمياً.
وثالثاً، مدينة تاريخية مثل الصويرة التي تحولت عبر القرون إلى ملتقى حضارات وثقافات متعددة.
في هذا التلاقي المدهش بين التاريخ والحداثة، تبدو موسيقى كناوة وكأنها تعيد اكتشاف نفسها من جديد. فبعد أن كانت موسيقى روحية مرتبطة بالطقوس الصوفية، أصبحت اليوم لغة فنية عالمية قادرة على الحوار مع الجاز والبلوز والريغي والإلكترونيك.
وهكذا يثبت مهرجان كناوة مرة أخرى أن الثقافة المغربية ليست مجرد تراث محفوظ في المتاحف، بل طاقة إبداعية متجددة قادرة على إنتاج معانٍ جديدة للعالم. فبين أزقة الصويرة القديمة وأصوات القراقب العتيقة، يولد جيل جديد من الموسيقيين الذين يكتبون مستقبل الموسيقى العالمية بنبض إفريقي وروح مغربية.







0 التعليقات:
إرسال تعليق