الطَّاهِرُ بِنْ جَلُّون كَاتِبٌ وَرِوَائِيٌّ وَشَاعِرٌ مَغْرِبِيٌّ فَرَنْسِيٌّ، وُلِدَ فِي مَدِينَةِ فَاسَ بِالمَغْرِبِ فِي 1 دِيسَمْبِرَ 1944، وَيُعَدُّ مِنْ أَبْرَزِ الكُتَّابِ المَغَارِبَةِ الَّذِينَ يَكْتُبُونَ بِاللُّغَةِ الفَرَنْسِيَّةِ، وَمِنْ أَشْهَرِ الأَصْوَاتِ الأَدَبِيَّةِ فِي العَالَمِ الفَرَنْكُوفُونِيِّ.
نَشَأَ بِنْ جَلُّون فِي فَاسَ، ثُمَّ انْتَقَلَ فِي صِغَرِهِ إِلَى مَدِينَةِ طَنْجَةَ حَيْثُ تَابَعَ دِرَاسَتَهُ فِي مَدْرَسَةٍ فَرَنْسِيَّةٍ، قَبْلَ أَنْ يَلْتَحِقَ بِجَامِعَةِ مُحَمَّدٍ الخَامِسِ بِالرِّبَاطِ لِدِرَاسَةِ الفَلْسَفَةِ. وَبَعْدَ ذَلِكَ انْتَقَلَ إِلَى فَرَنْسَا فِي سَبْعِينِيَّاتِ القَرْنِ العِشْرِينَ، حَيْثُ أَتْمَمَ دِرَاسَاتٍ عُلْيَا فِي عِلْمِ النَّفْسِ وَعَمِلَ فِي الصَّحَافَةِ وَالكِتَابَةِ الأَدَبِيَّةِ، وَخَاصَّةً فِي صَحِيفَةِ Le Monde الفَرَنْسِيَّةِ.
بَدَأَ
مَسَارَهُ الأَدَبِيَّ بِنَشْرِ قَصَائِدِهِ الأُولَى فِي سَبْعِينِيَّاتِ
القَرْنِ العِشْرِينَ، ثُمَّ اتَّجَهَ إِلَى الرِّوَايَةِ وَالمَقَالَةِ
الفِكْرِيَّةِ. وَحَازَ شُهْرَةً وَاسِعَةً بَعْدَ صُدُورِ رِوَايَتِهِ «الطِّفْلُ الرَّمْلِيُّ» (L’Enfant de sable) سَنَةَ 1985، الَّتِي لَفَتَتِ الانْتِبَاهَ إِلَى عَالَمِهِ السَّرْدِيِّ
الَّذِي يَمْزِجُ بَيْنَ الخِيَالِ وَالنَّقْدِ الاجْتِمَاعِيِّ وَالثَّقَافِيِّ.
وَقَدْ
حَقَّقَ بِنْ جَلُّون مَكَانَةً عَالَمِيَّةً بَعْدَ فَوْزِهِ بِـ جَائِزَةِ غُونْكُور الفَرَنْسِيَّةِ سَنَةَ
1987 عَنْ رِوَايَتِهِ «لَيْلَةُ القَدْرِ» (La Nuit sacrée)، لِيُصْبِحَ أَوَّلَ كَاتِبٍ مِنَ المَغْرِبِ العَرَبِيِّ
يَحْصُلُ عَلَى هَذِهِ الجَائِزَةِ الأَدَبِيَّةِ المَرْمُوقَةِ.
تَتَنَاوَلُ
أَعْمَالُهُ قَضَايَا مُتَعَدِّدَةً مِثْلَ الهُوِيَّةِ، وَالهِجْرَةِ،
وَالعُنْصُرِيَّةِ، وَعَلَاقَةِ الثَّقَافَاتِ بَيْنَ الشَّمَالِ وَالجَنُوبِ،
كَمَا كَتَبَ كُتُبًا فِكْرِيَّةً مُبَسَّطَةً لِلشَّبَابِ مِنْهَا كِتَابُ «العُنْصُرِيَّةُ كَمَا شَرَحْتُهَا
لِابْنَتِي» الَّذِي تُرْجِمَ إِلَى عِدَّةِ لُغَاتٍ.
وَقَدْ
تُرْجِمَتْ أَعْمَالُهُ إِلَى عَشَرَاتِ اللُّغَاتِ، وَنَالَ عَدَدًا مِنَ
الجَوَائِزِ الأَدَبِيَّةِ الدَّوْلِيَّةِ، مِنْ بَيْنِهَا جَائِزَةُ دَبْلِنَ الدَّوْلِيَّةُ لِلأَدَبِ
عَنْ رِوَايَتِهِ «تِلْكَ العَتَمَةُ البَاهِرَةُ»، كَمَا مُنِحَ وَسَامَ جُوقَةِ الشَّرَفِ الفَرَنْسِيَّةِ تَقْدِيرًا
لِإِسْهَامِهِ الثَّقَافِيِّ.
وَيُعَدُّ
الطَّاهِرُ بِنْ جَلُّون اليَوْمَ مِنْ أَكْثَرِ الكُتَّابِ المَغَارِبَةِ
حُضُورًا فِي السَّاحَةِ الأَدَبِيَّةِ العَالَمِيَّةِ، إِذْ يَجْمَعُ فِي
كِتَابَاتِهِ بَيْنَ التَّجْرِبَةِ المَغْرِبِيَّةِ وَالأُفُقِ الإِنْسَانِيِّ
الكُونِيِّ، مِمَّا جَعَلَ أَدَبَهُ جِسْرًا بَيْنَ الثَّقَافَتَيْنِ
العَرَبِيَّةِ وَالأُورُوبِّيَّةِ.
فِي خَرِيطَةِ الرِّوَايَةِ العَرَبِيَّةِ
المُعَاصِرَةِ يَبْرُزُ اسْمُ الرِّوَائِيِّ المَغْرِبِيِّ الفَرَنْسِيِّ الطَّاهِرِ بِنْ جَلُّون كَوَاحِدٍ مِنْ
أَبْرَزِ الأَصْوَاتِ السَّرْدِيَّةِ الَّتِي اسْتَطَاعَتْ أَنْ تَجْمَعَ بَيْنَ
التَّجْرِبَةِ المَغَارِبِيَّةِ وَالأُفُقِ الإِنْسَانِيِّ الكُونِيِّ. وَمِنْ
بَيْنِ أَعْمَالِهِ الَّتِي حَقَّقَتْ صَدًى عَالَمِيًّا رِوَايَتُهُ الشَّهِيرَةُ
«لَيْلَةُ
القَدْرِ»، الَّتِي صَدَرَتْ سَنَةَ 1987، وَنَالَتْ
فِي العَامِ نَفْسِهِ جَائِزَةَ غُونْكُور،
أَعْلَى جَائِزَةٍ أَدَبِيَّةٍ فِي فَرَنْسَا، لِيُصْبِحَ بِنْ جَلُّون أَوَّلَ
كَاتِبٍ مِنَ المَغْرِبِ العَرَبِيِّ يَحْصُلُ عَلَيْهَا.
تَأْتِي
هَذِهِ الرِّوَايَةُ فِي الحَقِيقَةِ اسْتِمْرَارًا لِرِوَايَةٍ سَابِقَةٍ
لِلكَاتِبِ هِيَ «طِفْلُ الرَّمْلِ»،
حَيْثُ تَتَوَاصَلُ حِكَايَةُ الشَّخْصِيَّةِ الغَامِضَةِ الَّتِي وُلِدَتْ
أُنْثَى، وَلَكِنَّ الأَبَ فَرَضَ عَلَيْهَا هُوِيَّةَ الذُّكُورَةِ لِأَسْبَابٍ
اجْتِمَاعِيَّةٍ وَتَقَالِيدَ أُسَرِيَّةٍ تُفَضِّلُ الذَّكَرَ عَلَى الأُنْثَى.
وَفِي «لَيْلَةِ القَدْرِ» تَبْدَأُ القِصَّةُ مِنْ لَحْظَةٍ فَاصِلَةٍ: مَوْتُ
الأَبِ وَاعْتِرَافُهُ لِابْنَتِهِ بِحَقِيقَتِهَا قَبْلَ الرَّحِيلِ، فَتَخْرُجُ
الشَّخْصِيَّةُ الرَّئِيسَةُ إِلَى العَالَمِ بِاسْمٍ جَدِيدٍ وَهُوِيَّةٍ
جَدِيدَةٍ هِيَ زَهْرَة.
وَمِنْ
هُنَا تَبْدَأُ رِحْلَةٌ وُجُودِيَّةٌ عَبْرَ المَغْرِبِ، رِحْلَةٌ تَبْحَثُ
فِيهَا الشَّخْصِيَّةُ عَنْ ذَاتِهَا وَمَكَانِهَا فِي العَالَمِ. تَتَحَرَّكُ
الرِّوَايَةُ بَيْنَ الحُلْمِ وَالوَاقِعِ، بَيْنَ الأَسْطُورَةِ وَالحَيَاةِ
اليَوْمِيَّةِ، فَنَرَى الشَّخْصِيَّةَ تَلْتَقِي بِأَشْخَاصٍ غَرِيبِينَ
وَتَعِيشُ أَحْدَاثًا قَاسِيَةً تَكْشِفُ لَهَا عَنِ الوَجْهِ الخَفِيِّ
لِلْمُجْتَمَعِ. وَفِي كُلِّ مَرْحَلَةٍ مِنْ هَذِهِ الرِّحْلَةِ تَكُونُ زَهْرَةُ
أَمَامَ سُؤَالٍ وَاحِدٍ: مَنْ أَنَا؟ وَأَيُّ مَكَانٍ يُمْكِنُ أَنْ يَحْتَوِي
هُوِيَّةً صُنِعَتْ مِنَ الكَذِبِ وَالخَوْفِ وَالتَّقَالِيدِ؟
لَا
تَكْتَفِي الرِّوَايَةُ بِرَوَايَةِ قِصَّةٍ فَرْدِيَّةٍ، بَلْ تَتَحَوَّلُ إِلَى
مِرْآةٍ نَقْدِيَّةٍ لِبَعْضِ البُنَى الاجْتِمَاعِيَّةِ فِي المُجْتَمَعِ
التَّقْلِيدِيِّ، خُصُوصًا فِي مَا يَتَعَلَّقُ بِمَوْقِعِ المَرْأَةِ
وَبِالسُّلْطَةِ الأَبَوِيَّةِ. فَالطَّاهِرُ بِنْ جَلُّون يَسْتَخْدِمُ السَّرْدَ
لِيَكْشِفَ عَنِ التَّنَاقُضَاتِ الَّتِي تَعِيشُهَا المُجْتَمَعَاتُ
التَّقْلِيدِيَّةُ بَيْنَ القِيَمِ المُعْلَنَةِ وَالمُمَارَسَاتِ الفِعْلِيَّةِ.
وَهُوَ فِي ذَلِكَ يَقْتَرِبُ مِنْ أُفُقِ الرِّوَايَةِ النَّقْدِيَّةِ الَّتِي
تُسَلِّطُ الضَّوْءَ عَلَى قَضَايَا الظُّلْمِ الاجْتِمَاعِيِّ وَالتَّمْيِيزِ
وَالنِّفَاقِ الأَخْلَاقِيِّ.
مِنَ
النَّاحِيَةِ الفَنِّيَّةِ، تَتَمَيَّزُ «لَيْلَةُ القَدْرِ» بِلُغَةٍ شِعْرِيَّةٍ
مُكَثَّفَةٍ تَمْزِجُ بَيْنَ الوَاقِعِيَّةِ وَالخَيَالِ، وَبِأَجْوَاءٍ
تَقْتَرِبُ أَحْيَانًا مِنَ الوَاقِعِيَّةِ
السِّحْرِيَّةِ، حَيْثُ تَتَدَاخَلُ الحُلُومُ وَالرُّؤَى وَالأَحْدَاثُ
الغَرَائِبِيَّةُ مَعَ الحَيَاةِ اليَوْمِيَّةِ. وَهَذَا المَزْجُ بَيْنَ
الوَاقِعِ وَالمُتَخَيَّلِ يَجْعَلُ الرِّوَايَةَ قَرِيبَةً مِنَ الحِكَايَاتِ
الشَّعْبِيَّةِ وَمِنْ أَجْوَاءِ أَلْفِ
لَيْلَةٍ وَلَيْلَةٍ، وَكَأَنَّ القَارِئَ يَتَجَوَّلُ فِي مَدُنٍ
وَحُلُومٍ وَمَتَاهَاتٍ فِي آنٍ وَاحِدٍ.
وَلَعَلَّ
أَهَمَّ مَا يَمْنَحُ الرِّوَايَةَ قُوَّتَهَا هُوَ ذَلِكَ السُّؤَالُ الكَبِيرُ
الَّذِي تَطْرَحُهُ: سُؤَالُ الهُوِيَّةِ. فَالشَّخْصِيَّةُ الرَّئِيسَةُ لَا تَبْحَثُ فَقَطْ عَنْ جِنْسِهَا
الحَقِيقِيِّ، بَلْ عَنْ حَقِّهَا فِي الوُجُودِ وَفِي الحُرِّيَّةِ. وَمِنْ
خِلَالِ هَذَا البُعْدِ الإِنْسَانِيِّ العَمِيقِ تَتَحَوَّلُ الحِكَايَةُ مِنْ
قِصَّةٍ مَغْرِبِيَّةٍ مَحَلِّيَّةٍ إِلَى رِوَايَةٍ كَوْنِيَّةٍ تَتَحَدَّثُ عَنْ
مَصِيرِ الإِنْسَانِ فِي عَالَمٍ تَفْرِضُ فِيهِ المُجْتَمَعَاتُ أَقْنِعَتَهَا
وَقَوَانِينَهَا عَلَى الأَفْرَادِ.
وَقَدْ
سَاهَمَ فَوْزُ الرِّوَايَةِ بِجَائِزَةِ غُونْكُور فِي تَعْرِيفِ القَارِئِ
العَالَمِيِّ بِالأَدَبِ المَغَارِبِيِّ المَكْتُوبِ بِاللُّغَةِ الفَرَنْسِيَّةِ،
كَمَا فَتَحَ الطَّرِيقَ أَمَامَ حُضُورٍ أَوْسَعَ لِلأَدَبِ المَغْرِبِيِّ فِي
السَّاحَةِ الدَّوْلِيَّةِ. وَبِفَضْلِ هَذَا العَمَلِ وَأَعْمَالٍ أُخْرَى،
أَصْبَحَ الطَّاهِرُ بِنْ جَلُّون أَحَدَ أَكْثَرِ الكُتَّابِ المَغَارِبَةِ
حُضُورًا فِي الأَدَبِ العَالَمِيِّ، وَتُرْجِمَتْ أَعْمَالُهُ إِلَى عَدَدٍ
كَبِيرٍ مِنَ اللُّغَاتِ.
إِنَّ
«لَيْلَةَ القَدْرِ» لَيْسَتْ مُجَرَّدَ رِوَايَةٍ تُقْرَأُ لِمُتْعَةِ السَّرْدِ
فَقَطْ، بَلْ هِيَ نَصٌّ أَدَبِيٌّ يَدْعُو القَارِئَ إِلَى التَّأَمُّلِ فِي
مَسَائِلِ الهُوِيَّةِ وَالحُرِّيَّةِ وَالذَّاتِ الإِنْسَانِيَّةِ. وَرُبَّمَا
لِهَذَا السَّبَبِ بَقِيَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ بَعْدَ عُقُودٍ مِنْ صُدُورِهَا
حَاضِرَةً فِي نِقَاشَاتِ النُّقَّادِ وَالقُرَّاءِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ،
بَاعْتِبَارِهَا وَاحِدَةً مِنَ النُّصُوصِ الَّتِي سَاهَمَتْ فِي تَجْدِيدِ
الرِّوَايَةِ المَغَارِبِيَّةِ وَفِي تَعْرِيفِ العَالَمِ بِأَصْوَاتِهَا
السَّرْدِيَّةِ المُخْتَلِفَةِ.
وَهَكَذَا
تَظَلُّ هَذِهِ الرِّوَايَةُ، فِي جَوْهَرِهَا، حِكَايَةَ رِحْلَةٍ طَوِيلَةٍ
نَحْوَ الحُرِّيَّةِ، وَنَصًّا يَفْتَحُ أَمَامَ القَارِئِ أَبْوَابَ التَّسَاؤُلِ
عَنْ مَعْنَى أَنْ يَكُونَ الإِنْسَانُ نَفْسَهُ فِي عَالَمٍ يُحَاوِلُ دَائِمًا
أَنْ يَفْرِضَ عَلَيْهِ هُوِيَّةً أُخْرَى.







0 التعليقات:
إرسال تعليق