فِي هَذَا الْمَسَاءِ الَّذِي يَنْزِلُ كَعِطْرٍ خَفِيٍّ عَلَى شُرْفَاتِ الْقُلُوبِ، أَمْشِي بَيْنَ ظِلِّي وَظِلِّكِ كَمَنْ يَبْحَثُ عَنْ وَرْدَةٍ ضَاعَتْ فِي جَيْبِ الْحُلْمِ. يَنْحَنِي الضَّوْءُ قَلِيلًا فَوْقَ أَكْتَافِ الْمَدِينَةِ، وَتَنْحَنِي رُوحِي أَكْثَرَ لِأَسْمَعَ صَوْتَكِ وَهُوَ يَمْشِي فِي دَمِي كَأَنَّهُ نَبْعٌ قَدِيمٌ. أَقُولُ لِلْمَسَاءِ: تَرَفَّقْ بِنَا، فَنَحْنُ لَا نَمْلِكُ سِوَى هَذِهِ اللَّحْظَةِ الَّتِي تَتَفَتَّحُ فِيهَا الْكَلِمَاتُ كَزَهْرِ اللَّوْزِ فِي قَلْبِ الْمَجَازِ.
وَأُفَكِّرُ أَنَّ الْحُبَّ فِي اللَّيْلِ لَيْسَ إِلَّا نُجُومًا صَغِيرَةً تُرَتِّبُ سَمَاءَنَا الدَّاخِلِيَّةَ. أَنْتِ النَّجْمَةُ الَّتِي تَضِيعُ فِي ضَوْءِ الْمَدِينَةِ، وَأَنَا الْمَسَافِرُ الَّذِي يَتَعَلَّمُ الْوُصُولَ إِلَى عَيْنَيْكِ كَمَا يَتَعَلَّمُ الطَّائِرُ طَرِيقَ الْهَوَاءِ.
الْمَسَاءُ لَا يَتَكَلَّمُ، لَكِنَّهُ يَكْتُبُ عَلَى زُجَاجِ الرُّوحِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ:
الْمَسَاءُ قَمِيصُ الْوَرْدِ فَوْقَ الْأَرْصِفَةْ
وَقَلْبِي يُرَتِّبُ فِي خُطَاكِ الْمَسَافَةْ
أُسَمِّي هَوَاكِ اتِّسَاعًا لِرُوحِي
وَأَمْشِي إِلَيْكِ كَمَا يَمْشِي الضِّيَاءُ إِلَى النَّافِذَةْ
وَفِي زَاوِيَةٍ مِنْ هَذَا الضَّوْءِ يَنْبُتُ حُلْمٌ آخَرُ:
يُرَتِّبُ لَيْلِي فِي عُيُونِكِ سَفَرْ
وَيَكْتُبُ فِي الصَّمْتِ نَبْضًا وَأَثَرْ
فَإِنْ مَالَ قَلْبِي إِلَى شَفَتَيْكِ
فَذَلِكَ سِرٌّ تَعَلَّمَهُ الْقَمَرْ
وَأَقُولُ لِلرِّيحِ الَّتِي تَمُرُّ بَيْنَنَا: لَا تُفْسِدِي هَذَا الْهُدُوءَ، فَفِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ تَتَعَلَّمُ الْقُلُوبُ لُغَةَ الْبَسَاطَةِ. لَسْنَا سِوَى شَخْصَيْنِ يَجْلِسَانِ عَلَى حَافَّةِ الْمَسَاءِ وَيَنْصِتَانِ إِلَى مَا تَقُولُهُ الظِّلَالُ.
وَيُكْمِلُ الْمَسَاءُ أُغْنِيَتَهُ الصَّامِتَةَ:
يُطِلُّ الْمَسَاءُ عَلَى كَفِّنَا
كَعُصْفُورِ نُورٍ أَتَى وَانْحَنَى
وَنَحْنُ نُرَتِّبُ فِي صَمْتِنَا
حُدُودَ الْحَنِينِ إِذَا أَمْكَنَا
وَفِي اللَّيْلِ يَتَّسِعُ الْحُلْمُ كَحَقْلِ قَمَرٍ، فَأَقْتَرِبُ مِنْ ظِلِّكِ قَلِيلًا كَيْ لَا تَضِيعَ الْمَسَافَةُ بَيْنَ الْقَلْبِ وَالْقَلْبِ:
تَمِيلُ النُّجُومُ عَلَى شَعْرِكِ
كَأَنَّ السَّمَاءَ تُصَلِّي لِسِرِّكِ
وَأَنْسَى اسْمِي فِي طَرِيقِ الْهَوَى
وَأَكْتُبُ عُمْرِي عَلَى عِطْرِكِ
وَيَتَحَوَّلُ الْمَسَاءُ شَيْئًا فَشَيْئًا إِلَى دَفْتَرٍ سِرِّيٍّ يَكْتُبُ فِيهِ الْحُبُّ أَسْمَاءَهُ:
قَلِيلٌ مِنَ اللَّيْلِ يَكْفِي لِنَا
لِنَكْتُبَ فَوْقَ الْهَوَى أَغْنِيَتَنَا
فَإِنْ غَابَ صَوْتُ الْمَدِينَةِ عَنَّا
سَيَبْقَى هَوَاكِ صَدَى خُطْوَتِنَا
وَفِي آخِرِ الضَّوْءِ يَقُولُ الْقَمَرُ لِقَلْبِي: اكْتُبْ مَا تَشَاءُ، فَاللَّيْلُ مَلِكُ الْعُشَّاقِ.
وَأَكْتُبُ:
أُرَتِّبُ قَلْبِي لِصَوْتِكِ لَيْلًا
وَأَفْتَحُ لِلْحُلْمِ بَابًا طَوِيلًا
فَإِنْ ضَاعَ مِنِّي طَرِيقُ النُّجُومِ
وَجَدْتُكِ فِي دَمِي دَلِيلًا
وَتُصْبِحُ اللَّيْلَةُ بَعْدَ ذَلِكَ مَمْلُوءَةً بِرَبَاعِيَّاتٍ صَغِيرَةٍ تَتَنَفَّسُ بَيْنَ نَبْضَيْنِ:
أُحِبُّكِ حَتَّى يَضِيقَ الْكَلَامْ
وَيَتَّسِعَ الْقَلْبُ لِلِالْتِئَامْ
فَفِي صَوْتِكِ الْعَذْبِ بَيْتٌ لِي
وَفِي حُبِّكِ الْحُلْمُ وَالْاِسْتِقَامْ
تُرَتِّبُ عَيْنَاكِ لَيْلَ الْهَوَى
كَأَنَّ النُّجُومَ أَتَتْ تَسْتَوَى
وَقَلْبِي يُصَلِّي عَلَى عِطْرِكِ
وَيَنْسَى الْمَسَافَاتِ إِذْ يَنْثَنِي
يَمُرُّ الْهَوَى فِي دَمِي نَغَمًا
كَأَنَّ الْمَسَاءَ غَدَا مَوْسِمَا
وَأَنْتِ الْقَصِيدَةُ فِي صَمْتِنَا
وَأَنَا الْكَلِمَاتُ إِذَا تَبَسَّمَا
أُسَمِّي هَوَاكِ بِلَادَ الضِّيَاءِ
وَأَسْكُنُ فِي ظِلِّهَا كَالسَّمَاءِ
فَإِنْ ضَاقَ صَدْرُ الْمَسَاءِ بِنَا
فَفِي عِشْقِنَا يَتَّسِعُ الْفَضَاءُ
يُهَاجِرُ قَلْبِي إِلَى صَوْتِكِ
كَطَيْرٍ يَضِيعُ عَلَى سَوْقِكِ
فَإِنْ سَأَلَ اللَّيْلُ عَنْ مَوْطِنِي
قُلْتُ: اسْمِي مَكْتُوبٌ فِي شَوْقِكِ
وَيَبْقَى الْمَسَاءُ بَعْدَ كُلِّ هَذَا كُلَّهُ حَدِيقَةً صَغِيرَةً تَمْشِي فِيهَا الْقُلُوبُ حَافِيَةً مِنْ خَوْفِهَا، تَتَعَلَّمُ مِنْ وَرْدَةٍ وَاحِدَةٍ أَنَّ الْحُبَّ لَا يَحْتَاجُ إِلَى كَثِيرٍ مِنَ الْكَلِمَاتِ، بَلْ إِلَى قَلْبٍ يَعْرِفُ طَرِيقَ الضَّوْءِ فِي عُتْمَةِ الْمَسَاءِ.
عَبْدُهُ حَقِّي








0 التعليقات:
إرسال تعليق