الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، مارس 13، 2026

سلسلة الكتب الأكثر شهرة ومبيعا في العالم العربي ( محاولة عيش ) إعداد عبده حقي


يُعَدُّ مُحَمَّدُ زَفْزَاف مِنْ أَبْرَزِ أَعْلَامِ القِصَّةِ وَالرِّوَايَةِ فِي المَغْرِبِ خِلَالَ النِّصْفِ الثَّانِي مِنَ القَرْنِ العِشْرِينَ، وَمِنَ الكُتَّابِ الَّذِينَ أَسْهَمُوا فِي تَجْدِيدِ السَّرْدِ العَرَبِيِّ وَتَكْرِيسِ مَكَانَةِ الرِّوَايَةِ المَغْرِبِيَّةِ فِي الفَضَاءِ الأَدَبِيِّ العَرَبِيِّ. وُلِدَ فِي مَدِينَةِ سُوقِ الأَرْبِعَاءِ الغَرْبِ بِالمَغْرِبِ سَنَةَ 1945، وَعَاشَ طُفُولَةً صَعْبَةً بَعْدَ وَفَاةِ وَالِدِهِ وَهُوَ فِي سِنِّ الخَامِسَةِ، مِمَّا جَعَلَهُ قَرِيبًا مِنْ عَالَمِ الفُقَرَاءِ وَالبُسَطَاءِ الَّذِينَ أَصْبَحُوا فِيمَا بَعْدُ مَادَّةً رَئِيسِيَّةً فِي كِتَابَاتِهِ السَّرْدِيَّةِ.

تَلَقَّى زَفْزَافُ تَعْلِيمَهُ الجَامِعِيَّ فِي شُعْبَةِ الفَلْسَفَةِ بِكُلِّيَّةِ الآدَابِ فِي الرِّبَاط، ثُمَّ عَمِلَ مُدَرِّسًا لِلُّغَةِ العَرَبِيَّةِ فِي مَدِينَةِ القُنَيْطِرَةِ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّغَ لِلكِتَابَةِ وَيَنْتَقِلَ لِلْعَيْشِ فِي مَدِينَةِ الدَّارِ البَيْضَاءِ، حَيْثُ عَرَفَ حَيَاةً بُوهِيمِيَّةً مُنْفَتِحَةً عَلَى أَجْوَاءِ المَدِينَةِ وَتَجَارِبِهَا الإِنْسَانِيَّةِ المُتَعَدِّدَةِ. وَقَدْ جَمَعَتْهُ صَدَاقَةٌ مَعَ بَعْضِ أَبْرَزِ أُدَبَاءِ المَغْرِبِ، مِثْلَ مُحَمَّد شُكْرِي وَإِدْرِيس الخُورِي، الَّذِينَ شَكَّلُوا مَعَهُ ثُلَاثِيًّا أَدَبِيًّا مُؤَثِّرًا فِي تَطَوُّرِ القِصَّةِ وَالرِّوَايَةِ المَغْرِبِيَّتَيْنِ.

بَدَأَ زَفْزَافُ مَسَارَهُ الإِبْدَاعِيَّ فِي سِتِّينِيَّاتِ القَرْنِ العِشْرِينَ بِكِتَابَةِ الشِّعْرِ، ثُمَّ اتَّجَهَ إِلَى القِصَّةِ القَصِيرَةِ وَالرِّوَايَةِ، وَنَشَرَ أَوَّلَ قِصَّةٍ لَهُ سَنَةَ 1963 فِي مَجَلَّةٍ أَدَبِيَّةٍ، قَبْلَ أَنْ يُصْدِرَ أَوَّلَ مَجْمُوعَةٍ قَصَصِيَّةٍ لَهُ سَنَةَ 1970. أَمَّا أَوَّلُ رِوَايَاتِهِ فَكَانَتْ «المَرْأَةُ وَالوَرْدَةُ» سَنَةَ 1972، وَقَدْ عُدَّتْ نُقْطَةَ تَحَوُّلٍ فِي تَطَوُّرِ الرِّوَايَةِ المَغْرِبِيَّةِ الحَدِيثَةِ بِمَا حَمَلَتْهُ مِنْ تَجْرِيبٍ أُسْلُوبِيٍّ وَتَنَاوُلٍ جَرِيءٍ لِقَضَايَا الجَسَدِ وَالهُوِيَّةِ وَالاغْتِرَابِ.

تَمَيَّزَ أَدَبُ مُحَمَّد زَفْزَاف بِالنَّزْعَةِ الوَاقِعِيَّةِ الَّتِي تَكْشِفُ عَنِ التَّفَاصِيلِ اليَوْمِيَّةِ لِحَيَاةِ الإِنْسَانِ العَادِيِّ فِي المَدِينَةِ المَغْرِبِيَّةِ، خَاصَّةً فِي أَوْسَاطِ الفُقَرَاءِ وَالمُهَمَّشِينَ. وَكَانَتْ لُغَتُهُ السَّرْدِيَّةُ بَسِيطَةً وَمُكَثَّفَةً فِي آنٍ وَاحِدٍ، تَمْزِجُ بَيْنَ الشِّعْرِيَّةِ وَالقَسْوَةِ الوَاقِعِيَّةِ، وَتَعْكِسُ التَّحَوُّلَاتِ الاجْتِمَاعِيَّةَ وَالثَّقَافِيَّةَ الَّتِي عَرَفَهَا المَغْرِبُ بَعْدَ الاسْتِقْلَالِ. لِهَذَا لُقِّبَ فِي الأَوْسَاطِ النَّقْدِيَّةِ بِـ «شَاعِرِ الرِّوَايَةِ المَغْرِبِيَّةِ» وَبِـ «دُوسْتُويِفْسْكِي الأَدَبِ المَغْرِبِيِّ» نَظَرًا لِعُمْقِ مَعَالِجَتِهِ النَّفْسِيَّةِ وَالاجْتِمَاعِيَّةِ لِلشَّخْصِيَّاتِ.

تَرَكَ زَفْزَاف رَصِيدًا أَدَبِيًّا مُهِمًّا يَضُمُّ عِدَّةَ رِوَايَاتٍ وَمَجْمُوعَاتٍ قَصَصِيَّةٍ، مِنْ أَشْهَرِهَا: «أَرْصِفَةٌ وَجُدْرَان»، وَ**«قُبُورٌ فِي المَاءِ»، وَ«بَيْضَةُ الدِّيك»، وَ«مُحَاوَلَةُ عَيْش»، وَ«الثَّعْلَبُ الَّذِي يَظْهَرُ وَيَخْتَفِي»، وَ«الحَيُّ الخَلْفِي»**، إِلَى جَانِبِ مَجْمُوعَاتٍ قَصَصِيَّةٍ مُتَعَدِّدَةٍ أَسْهَمَتْ فِي إِثْرَاءِ المَشْهَدِ السَّرْدِيِّ المَغْرِبِيِّ وَالعَرَبِيِّ. وَقَدْ تُرْجِمَتْ بَعْضُ أَعْمَالِهِ إِلَى لُغَاتٍ أَجْنَبِيَّةٍ، مِمَّا سَاهَمَ فِي تَعْرِيفِ القَارِئِ العَالَمِيِّ بِالأَدَبِ المَغْرِبِيِّ الحَدِيثِ.

تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ زَفْزَاف فِي الدَّارِ البَيْضَاءِ يَوْمَ 13 يُولْيُو 2001 بَعْدَ صِرَاعٍ مَعَ المَرَضِ، لَكِنَّ أَثَرَهُ الإِبْدَاعِيَّ ظَلَّ حَاضِرًا فِي الذَّاكِرَةِ الأَدَبِيَّةِ المَغْرِبِيَّةِ وَالعَرَبِيَّةِ. وَتَكْرِيمًا لِمَسَارِهِ أُحْدِثَ جَائِزَةُ مُحَمَّد زَفْزَاف لِلرِّوَايَةِ العَرَبِيَّةِ الَّتِي تُنَظَّمُ ضِمْنَ مَوْسِمِ أَصِيلَةَ الثَّقَافِيِّ، وَتُعَدُّ مِنْ أَبْرَزِ الجَوَائِزِ الأَدَبِيَّةِ فِي العَالَمِ العَرَبِيِّ.

يُعَدُّ الأَدَبُ المَغْرِبِيُّ فِي النِّصْفِ الثَّانِي مِنَ القَرْنِ العِشْرِينَ مِرْآةً صَادِقَةً لِتَحَوُّلَاتِ المُجْتَمَعِ وَتَوَتُّرَاتِهِ الاجْتِمَاعِيَّةِ وَالثَّقَافِيَّةِ، وَمِنْ بَيْنِ الأَصْوَاتِ السَّرْدِيَّةِ الَّتِي اسْتَطَاعَتْ أَنْ تُصْغِيَ لِنَبْضِ الشَّارِعِ وَحَيَاةِ المُهَمَّشِينَ يَبْرُزُ اسْمُ الرِّوَائِيِّ المَغْرِبِيِّ مُحَمَّدِ زَفْزَاف، الَّذِي عُدَّ أَحَدَ أَعْمِدَةِ السَّرْدِ المَغْرِبِيِّ الحَدِيثِ وَأَحَدَ الكُتَّابِ الَّذِينَ أَسْهَمُوا فِي تَكْرِيسِ الرِّوَايَةِ المَغْرِبِيَّةِ فِي الفَضَاءِ العَرَبِيِّ. وُلِدَ زَفْزَاف فِي سُوقِ الأَرْبِعَاءِ الغَرْبِ سَنَةَ 1945، وَقَدْ تَرَكَ أَثَرًا بَالِغًا فِي الأَدَبِ المَغْرِبِيِّ مِنْ خِلَالِ رِوَايَاتٍ وَمَجْمُوعَاتٍ قَصَصِيَّةٍ تَمَيَّزَتْ بِجُرْأَتِهَا وَوَاقِعِيَّتِهَا، وَمِنْ أَبْرَزِ أَعْمَالِهِ رِوَايَةُ «مُحَاوَلَةُ عَيْش» الَّتِي صَدَرَتْ فِي ثَمَانِينِيَّاتِ القَرْنِ المَاضِي وَتُعَدُّ مِنْ أَهَمِّ نُصُوصِهِ السَّرْدِيَّةِ.

تُقَدِّمُ رِوَايَةُ «مُحَاوَلَةُ عَيْش» صُورَةً قَاسِيَةً لِوَاقِعِ الفُقَرَاءِ فِي المُجْتَمَعِ المَغْرِبِيِّ، وَتَسْتَعِيرُ لُغَةً بَسِيطَةً وَمُكَثَّفَةً لِتَحْكِيَ قِصَّةَ فَتًى فَقِيرٍ يُدْعَى حَمِيد، يُجْبَرُ عَلَى تَرْكِ الدِّرَاسَةِ وَالخُرُوجِ لِلْعَمَلِ فِي سِنٍّ مُبَكِّرَةٍ بَسَبَبِ الفَقْرِ وَالظُّرُوفِ الأُسَرِيَّةِ الصَّعْبَةِ، فَيَعْمَلُ بَائِعًا لِلصُّحُفِ فِي المِينَاءِ مُحَاوِلًا جَمْعَ بَعْضِ الدَّرَاهِمِ لِإِعَالَةِ أُسْرَتِهِ.

وَمِنْ خِلَالِ هَذِهِ الشَّخْصِيَّةِ البَسِيطَةِ، يَفْتَحُ زَفْزَافُ نَافِذَةً عَلَى عَالَمٍ اجْتِمَاعِيٍّ قَاسٍ، حَيْثُ يَتَعَايَشُ الفَقْرُ مَعَ التَّهْمِيشِ، وَحَيْثُ يَجِدُ الأَطْفَالُ أَنْفُسَهُمْ مُجْبَرِينَ عَلَى مُوَاجَهَةِ الحَيَاةِ قَبْلَ أَوَانِهَا. فَحَمِيدٌ لَيْسَ بَطَلًا أُسْطُورِيًّا، بَلْ شَابٌّ عَادِيٌّ تَدْفَعُهُ الحَاجَةُ إِلَى الاِحْتِكَاكِ بِعَالَمٍ مُضْطَرِبٍ يَمْتَلِئُ بِالإِغْرَاءَاتِ وَالمَخَاطِرِ. وَفِي المِينَاءِ، حَيْثُ يَبِيعُ الجَرَائِدَ لِلْبَحَّارَةِ وَالأَجَانِبِ، يَرَى عَالَمًا آخَرَ يَبْدُو أَكْثَرَ ثَرَاءً وَإِثَارَةً مِنْ عَالَمِهِ الفَقِيرِ.

لَكِنَّ الرِّوَايَةَ لا تَقِفُ عِنْدَ وَصْفِ الفَقْرِ فَقَط، بَلْ تَتَعَمَّقُ فِي تَحْلِيلِ التَّوَتُّرَاتِ الأُسَرِيَّةِ وَالنَّفْسِيَّةِ الَّتِي تُحِيطُ بِالشَّخْصِيَّةِ الرَّئِيسِيَّةِ. فَالأُمُّ تَظْهَرُ فِي الرِّوَايَةِ شَدِيدَةَ القَسْوَةِ، تُلِحُّ عَلَى ابْنِهَا بِالزَّوَاجِ المُبَكِّرِ مُعْتَقِدَةً أَنَّهُ أَصْبَحَ رَجُلًا، بَيْنَمَا يَبْقَى الأَبُ عَاجِزًا عَنْ تَحَمُّلِ مَسْؤُولِيَّاتِهِ. وَهَذَا التَّوَتُّرُ الأُسَرِيُّ يُحَوِّلُ حَيَاةَ حَمِيدٍ إِلَى صِرَاعٍ مُسْتَمِرٍّ بَيْنَ الرَّغْبَةِ فِي الحُرِّيَّةِ وَضُغُوطِ الوَاقِعِ.

وَيَتَّسِعُ الفَضَاءُ السَّرْدِيُّ فِي الرِّوَايَةِ لِيَشْمَلَ صُورَةً أَعْمَقَ لِلمُجْتَمَعِ المَغْرِبِيِّ فِي تِلْكَ الفَتْرَةِ، حَيْثُ تَنْتَشِرُ أَحْيَاءُ الصَّفِيحِ وَتَتَزَاحَمُ الحَيَاةُ فِي الهَوَامِشِ الاجْتِمَاعِيَّةِ، وَحَيْثُ يَجِدُ الشَّبَابُ أَنْفُسَهُمْ فِي مُوَاجَهَةِ الإِحْبَاطِ وَالبِطَالَةِ وَالإِغْرَاءَاتِ المُتَعَدِّدَةِ كَالتَّدْخِينِ وَالخَمْرِ وَغَيْرِهَا مِنَ السُّلُوكِيَّاتِ الَّتِي تَتَشَكَّلُ فِي بِيئَةٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ مُهَمَّشَةٍ.

وَفِي هَذَا السِّيَاقِ، يَكْتُبُ زَفْزَافُ رِوَايَتَهُ بِنَفَسٍ وَاقِعِيٍّ حَادٍّ، كَأَنَّهُ يُوَثِّقُ تَارِيخًا غَيْرَ مَكْتُوبٍ لِلْمُهَمَّشِينَ. فَلَيْسَتْ الرِّوَايَةُ مُجَرَّدَ قِصَّةٍ عَنْ شَابٍّ فَقِيرٍ، بَلْ هِيَ شَهَادَةٌ أَدَبِيَّةٌ عَلَى وَاقِعٍ اجْتِمَاعِيٍّ كَانَتْ فِيهِ طَبَقَاتٌ كَامِلَةٌ مِنَ المُجْتَمَعِ تُنَاضِلُ مِنْ أَجْلِ البَقَاءِ. وَمِنْ هُنَا يَكْتَسِبُ العُنْوَانُ دَلَالَتَهُ الرَّمْزِيَّةَ؛ فَـ«مُحَاوَلَةُ عَيْش» لَيْسَتْ مُحَاوَلَةً شَخْصِيَّةً فَقَط، بَلْ هِيَ حَالَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ تَخُصُّ شَرِيحَةً وَاسِعَةً مِنَ النَّاسِ الَّذِينَ يُقَاوِمُونَ القَسْوَةَ اليَوْمِيَّةَ بِإِصْرَارٍ صَامِتٍ.

وَمِنَ النَّاحِيَةِ الفَنِّيَّةِ، تَتَّسِمُ الرِّوَايَةُ بِلُغَةٍ سَرْدِيَّةٍ بَسِيطَةٍ تَقْتَرِبُ مِنْ اللُّغَةِ اليَوْمِيَّةِ، لَكِنَّهَا فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ تَحْمِلُ بُعْدًا شِعْرِيًّا خَفِيًّا يَتَجَلَّى فِي وَصْفِ الأَمَاكِنِ وَالأَحَاسِيسِ. وَقَدْ كَانَ زَفْزَافُ مَعْرُوفًا بِقُدْرَتِهِ عَلَى تَصْوِيرِ التَّفَاصِيلِ الدَّقِيقَةِ لِحَيَاةِ الشَّارِعِ المَغْرِبِيِّ، وَبِقُرْبِهِ مِنْ شَخْصِيَّاتٍ تَعِيشُ عَلَى هَوَامِشِ المُجْتَمَعِ، مِمَّا جَعَلَ أَدَبَهُ يَتَّسِمُ بِالصِّدْقِ وَالحَيَوِيَّةِ.

إِنَّ قِيمَةَ هَذِهِ الرِّوَايَةِ لا تَكْمُنُ فِي حِكَايَتِهَا فَقَط، بَلْ فِي قُدْرَتِهَا عَلَى تَعْرِيَةِ البِنْيَةِ الاجْتِمَاعِيَّةِ الَّتِي تُنْتِجُ الفَقْرَ وَالتَّهْمِيشَ. فَزَفْزَافُ لا يَكْتُبُ لِيُدِينَ أَفْرَادًا، بَلْ لِيَكْشِفَ عَنْ مَسَارَاتٍ تَارِيخِيَّةٍ وَاجْتِمَاعِيَّةٍ جَعَلَتْ الفَقِيرَ يَظَلُّ فَقِيرًا، وَجَعَلَتْ الحُلْمَ البَسِيطَ فِي العَيْشِ الكَرِيمِ يَبْدُو أَشْبَهَ بِمُعْجِزَةٍ.

وَلِهَذَا السَّبَبِ ظَلَّتْ «مُحَاوَلَةُ عَيْش» حَاضِرَةً فِي القِرَاءَاتِ النَّقْدِيَّةِ وَالمَنَاهِجِ الدِّرَاسِيَّةِ فِي المَغْرِبِ، لِأَنَّهَا تُجَسِّدُ رِوَايَةَ الوَاقِعِ وَتَكْتُبُ تَارِيخًا صَغِيرًا لِحَيَاةِ النَّاسِ البُسَطَاءِ الَّذِينَ لا تَكْتُبُ عَنْهُمْ الكُتُبُ الكُبْرَى. وَفِي زَمَنٍ يَتَسَارَعُ فِيهِ الإِيقَاعُ الرَّقْمِيُّ وَتَتَغَيَّرُ فِيهِ أَشْكَالُ السَّرْدِ، تَبْقَى هَذِهِ الرِّوَايَةُ تَذْكِيرًا بِأَنَّ الأَدَبَ الحَقِيقِيَّ هُوَ الَّذِي يُصْغِي إِلَى صَوْتِ الإِنْسَانِ البَسِيطِ وَيُحَوِّلُ مَعَانَاتَهُ إِلَى ذَاكِرَةٍ جَمَاعِيَّةٍ لا تُنْسَى.

وَلَعَلَّ أَجْمَلَ مَا تُخَلِّفُهُ رِوَايَةُ «مُحَاوَلَةُ عَيْش» فِي قَلْبِ القَارِئِ هُوَ هَذَا الإِحْسَاسُ العَمِيقُ بِأَنَّ الحَيَاةَ، مَهْمَا بَدَتْ قَاسِيَةً، تَبْقَى دَائِمًا مُحَاوَلَةً مُسْتَمِرَّةً لِلبَقَاءِ. فَهُنَاكَ أُنَاسٌ كُثُرٌ فِي هَذَا العَالَمِ لا يَطْلُبُونَ مِنَ الحَيَاةِ سِوَى فُرْصَةٍ صَغِيرَةٍ لِلْعَيْشِ بِكَرَامَةٍ… وَهَذِهِ بِالضَّبْطِ هِيَ الحِكَايَةُ الَّتِي أَرَادَ مُحَمَّدُ زَفْزَاف أَنْ يَكْتُبَهَا.



0 التعليقات: