الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، مارس 18، 2026

المغرب يرسخ قيادته الإفريقية بإنجازاته المتكاملة: إعداد عبده حقي

 


برز المغرب، خلال الأسبوع الجاري، كفاعلٍ متماسكٍ يعيد رسم ملامح حضوره في المشهد العالمي عبر دينامية متعددة الأبعاد: دبلوماسية نشيطة، اقتصاد منفتح، وموقع اجتماعي يتجه نحو التحديث التدريجي. وإذا كانت المقالات والتقارير الدولية التي صدرت خلال هذا الأسبوع، من أوروبا إلى أمريكا الشمالية مروراً بإفريقيا، قد تناولت المغرب من زوايا مختلفة، فإن القاسم المشترك بينها جميعاً هو الاعتراف المتزايد بثقل النموذج المغربي وقدرته على فرض نفسه كشريك موثوق ومؤثر.

في قلب هذا الزخم، يظل ملف الصحراء المغربية المؤشر الأكثر دلالة على التحول العميق في تموقع المغرب دولياً. فقد أجمعت عدة تقارير حديثة على أن المقترح المغربي للحكم الذاتي لم يعد مجرد خيار دبلوماسي، بل أصبح أرضية واقعية للحل، مدعوماً بزخم دولي متزايد. وتشير المعطيات إلى أن أكثر من مائة دولة باتت تدعم هذا المقترح، من بينها قوى كبرى مثل الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا وألمانيا ، وهو ما يعكس انتقال الملف من دائرة النزاع المفتوح إلى أفق التسوية الممكنة.

ولعل أبرز ما ميز هذا الأسبوع هو الحركية الدبلوماسية المكثفة بين الرباط والعواصم الأوروبية. ففي مدريد، احتضنت العاصمة الإسبانية لقاءات رفيعة المستوى جمعت مسؤولين مغاربة وإسباناً وأمميين، في إطار دفع المسار التفاوضي نحو صياغة حل سياسي نهائي. وقد أكد وزير الخارجية الإسباني أن العلاقات بين مدريد والرباط بلغت “أقوى مستوياتها في التاريخ”، مشيراً إلى أن التعاون بين البلدين يمتد إلى مجالات التجارة والأمن والهجرة، مع حجم تبادل تجاري تجاوز 21 مليار يورو . هذا الرقم لا يعكس فقط متانة العلاقات الاقتصادية، بل يترجم أيضاً تحول المغرب إلى شريك استراتيجي لا غنى عنه في جنوب أوروبا.

أما في باريس، فقد حملت المؤشرات السياسية دلالات أكثر عمقاً. إذ أكدت تقارير إعلامية أن فرنسا جددت دعمها الصريح للمقترح المغربي، معتبرة إياه الإطار الأكثر جدية وواقعية لحل النزاع . كما أظهرت مقالات تحليلية أن العلاقات المغربية الفرنسية دخلت مرحلة جديدة تتجاوز التوترات السابقة، لتؤسس لشراكة متعددة الأبعاد تشمل الأمن والطاقة والتكنولوجيا . وهنا تتجلى عبقرية الدبلوماسية المغربية التي نجحت في تحويل الخلافات الظرفية إلى فرص لإعادة بناء التوازنات.

في الضفة الأخرى من الأطلسي، تواصل الولايات المتحدة لعب دور الوسيط النشط في الملف، حيث استضافت واشنطن لقاءات رفيعة المستوى تهدف إلى تسريع الوصول إلى اتفاق نهائي. وقد أكدت هذه اللقاءات أن المقترح المغربي يشكل “الأساس الأكثر صلابة” لأي تسوية مستقبلية ، وهو ما يعزز موقع المغرب كفاعل رئيسي في صياغة الحلول بدل الاكتفاء بردود الفعل.

هذا الزخم الدبلوماسي لا ينفصل عن التحولات الاقتصادية التي يعرفها المغرب، والتي كانت بدورها حاضرة في تقارير الصحافة الدولية. فالمغرب لم يعد مجرد اقتصاد نامٍ يعتمد على الفلاحة والسياحة، بل أصبح منصة صناعية وتكنولوجية صاعدة. وتبرز في هذا السياق مشاريع الطاقات المتجددة، خاصة في مجالي الطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر، حيث يسعى المغرب إلى أن يصبح أحد المزودين الرئيسيين لأوروبا بالطاقة النظيفة في المستقبل القريب.

كما أن الانفتاح الاقتصادي على إفريقيا يعزز هذا التوجه، إذ يواصل المغرب توسيع استثماراته في القارة، مستفيداً من موقعه الجغرافي كبوابة بين أوروبا وإفريقيا. وقد أظهرت تقارير دولية أن مبادرات المغرب، مثل تمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي، تحظى بدعم متزايد، ما يعكس تحول الرباط إلى فاعل إقليمي قادر على تقديم حلول عملية للتنمية .

اجتماعياً، ورغم التحديات التي تواجهها أي دولة في طور التحول، فإن المغرب يواصل تنفيذ إصلاحات تدريجية تستهدف تحسين جودة الحياة للمواطنين. ومن أبرز هذه الإصلاحات تعميم الحماية الاجتماعية، الذي يشكل ثورة صامتة في علاقة الدولة بالمجتمع، حيث أصبح ملايين المغاربة يستفيدون من تغطية صحية وخدمات اجتماعية كانت في السابق محدودة.

كما أن الرقمنة المتسارعة للخدمات العمومية تعكس إرادة واضحة لتحديث الإدارة وتقريبها من المواطن. فاليوم، أصبح بإمكان المواطن المغربي إنجاز العديد من معاملاته عبر الإنترنت، في خطوة تعزز الشفافية وتقلص من البيروقراطية.

ومن الأمثلة الحية التي تعكس هذا التحول الاجتماعي، البرامج الموجهة للشباب، سواء في مجال التشغيل أو ريادة الأعمال، حيث تسعى الدولة إلى تحويل التحدي الديمغرافي إلى فرصة اقتصادية. ورغم أن الطريق لا يزال طويلاً، فإن المؤشرات الحالية توحي بأن المغرب يسير في الاتجاه الصحيح.

إن قراءة التغطيات الإعلامية الدولية خلال هذا الأسبوع تكشف عن تحول في نظرة العالم إلى المغرب. فلم يعد يُنظر إليه فقط كبلد مستقر في منطقة مضطربة، بل كقوة إقليمية صاعدة تمتلك رؤية واضحة لمستقبلها. وهذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة تراكمات سياسية واقتصادية واجتماعية امتدت لسنوات.

في هذا السياق، يمكن القول إن المغرب ينجح في تحقيق معادلة صعبة: الحفاظ على الاستقرار الداخلي، مع الانفتاح على التحولات العالمية. وهي معادلة تجعل منه نموذجاً فريداً في المنطقة، حيث يتم الإصلاح دون انهيار، والتحديث دون فقدان الهوية.

ولعل ما يميز التجربة المغربية هو هذا الإحساس العميق بالزمن الطويل. فالمغرب لا يبحث عن إنجازات سريعة، بل عن تحولات مستدامة. وهو ما يفسر هذا الإيقاع الهادئ الذي قد يبدو بطيئاً للبعض، لكنه في الواقع إيقاع مدروس يضمن الاستمرارية.

ختاماً، يمكن القول إن الأسبوع الجاري لم يكن مجرد محطة عابرة في مسار المغرب، بل كان لحظة مكثفة تعكس ملامح مشروع وطني يتشكل بثبات. مشروع يقوم على دبلوماسية نشيطة، واقتصاد منفتح، ومجتمع في طور التحديث. وبين هذه الأبعاد الثلاثة، تتشكل صورة المغرب الجديد: بلدٌ يصعد بهدوء، لكنه يصعد بثقة.


0 التعليقات: