مُحَمَّدُ بَرَّادَةَ (وُلِدَ فِي 14 ماي 1938 بِالرِّبَاطِ) هُوَ رِوائِيٌّ وَنَاقِدٌ أَدَبِيٌّ وَمُتَرْجِمٌ مَغْرِبِيٌّ، يُعَدُّ مِنْ أَبْرَزِ أَعْلَامِ الأَدَبِ العَرَبِيِّ الحَدِيثِ وَمِنْ رُوَّادِ الحَدَاثَةِ الرِّوَائِيَّةِ فِي المَغْرِبِ.
تَلَقَّى تَعْلِيمَهُ الأَوَّلِيَّ بِالرِّبَاطِ، ثُمَّ ارْتَحَلَ إِلَى جَامِعَةِ القَاهِرَةِ حَيْثُ حَصَلَ عَلَى الإِجَازَةِ فِي الأَدَبِ العَرَبِيِّ سَنَةَ 1960، وَوَاصَلَ تَحْصِيلَهُ الأَكَادِيمِيَّ حَتَّى نَالَ الدُّكْتُورَاهَ مِنْ جَامِعَةِ السُّورْبُونِ بِفَرَنْسَا.
اشْتَغَلَ
أُسْتَاذًا لِلأَدَبِ العَرَبِيِّ بِجَامِعَةِ مُحَمَّدٍ الخَامِسِ بِالرِّبَاطِ،
وَسَاهَمَ فِي تَأْسِيسِ اتِّحَادِ كُتَّابِ
المَغْرِبِ وَتَرَأَّسَهُ خِلَالَ سَبْعِينِيَّاتِ القَرْنِ العِشْرِينَ،
كَمَا كَانَ لَهُ دَوْرٌ بَارِزٌ فِي تَطْوِيرِ النَّقْدِ الأَدَبِيِّ
وَالدِّرَاسَاتِ السَّرْدِيَّةِ بِالعَالَمِ العَرَبِيِّ.
يَتَمَيَّزُ
مَشْرُوعُهُ الإِبْدَاعِيُّ بِالجَمْعِ بَيْنَ الكِتَابَةِ الرِّوَائِيَّةِ
وَالنَّقْدِ، وَبِاهْتِمَامِهِ بِتَحْدِيثِ الرِّوَايَةِ العَرَبِيَّةِ
وَتَفْكِيكِ خِطَابِهَا. وَمِنْ أَبْرَزِ أَعْمَالِهِ: «لُعْبَةُ النِّسْيَانِ»، «امْرَأَةُ النِّسْيَانِ»، «حَيَوَاتٌ مُتَجَاوِرَةٌ»، إِلَى جَانِبِ دِرَاسَاتٍ نَقْدِيَّةٍ
مُهِمَّةٍ فِي نَظَرِيَّةِ الرِّوَايَةِ.
وَيُعَدُّ
بَرَّادَةُ مِنَ الأَصْوَاتِ الثَّقَافِيَّةِ المُؤَثِّرَةِ الَّتِي جَمَعَتْ
بَيْنَ الإِبْدَاعِ وَالتَّفْكِيرِ النَّقْدِيِّ، إِذْ سَاهَمَ فِي تَأْصِيلِ
الحَدَاثَةِ الأَدَبِيَّةِ وَفِي تَجْدِيدِ الرُّؤْيَةِ إِلَى الرِّوَايَةِ
العَرَبِيَّةِ، مِمَّا جَعَلَهُ مَرْجِعًا فِي الدِّرَاسَاتِ السَّرْدِيَّةِ
المُعَاصِرَةِ.
تأتي رِوَايَةُ «لُعْبَةُ
النِّسْيَانِ» لِلرِّوَائِيِّ المَغْرِبِيِّ محمد برادة كَفِعْلٍ إِبْدَاعِيٍّ يُعِيدُ
تَشْكِيلَ العَلاَقَةِ بَيْنَ الذَّاكِرَةِ وَالهُوِيَّةِ، وَبَيْنَ السَّرْدِ
وَالزَّمَنِ. لَيْسَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ مُجَرَّدَ حِكَايَةٍ تُرْوَى، بَلْ
هِيَ تَجْرِبَةٌ وَعْيِيَّةٌ تَتَغَوَّرُ فِي أَعْمَاقِ النَّفْسِ الإِنْسَانِيَّةِ،
وَتُحَاوِلُ أَنْ تَفْهَمَ مَا الَّذِي يَبْقَى مِنَّا بَعْدَ أَنْ تَتَآكَلَ
الذَّاكِرَةُ.
تَنْتَمِي هَذِهِ الرِّوَايَةُ إِلَى مَشْرُوعٍ سَرْدِيٍّ حَدَاثِيٍّ سَعَى
مِنْ خِلَالِهِ بَرَّادَةُ إِلَى تَفْكِيكِ الأَشْكَالِ التَّقْلِيدِيَّةِ
لِلرِّوَايَةِ العَرَبِيَّةِ، وَإِلَى إِعَادَةِ بِنَائِهَا عَلَى أُسُسٍ
تَجْرِيبِيَّةٍ تُرَاهِنُ عَلَى التَّشَظِّي وَتَعَدُّدِ الأَصْوَاتِ. فَالسَّرْدُ
هُنَا لا يَسِيرُ فِي خَطٍّ مُسْتَقِيمٍ، بَلْ يَتَفَتَّتُ إِلَى مَقَاطِعَ
وَذِكْرَيَاتٍ وَتَأَمُّلَاتٍ، كَأَنَّ القَارِئَ أَمَامَ مِرْآةٍ مُحَطَّمَةٍ
يَجْمَعُ شَظَايَاهَا لِيُعِيدَ تَرْكِيبَ الصُّورَةِ.
تَتَّخِذُ الرِّوَايَةُ مِنَ الذَّاكِرَةِ مَحْوَرًا أَسَاسِيًّا، لَا
بِاعْتِبَارِهَا خَزَّانًا لِلْمَاضِي فَقَطْ، بَلْ كَوْنِهَا فِعْلًا
إِبْدَاعِيًّا يَتَدَخَّلُ فِي صِيَاغَةِ الحَاضِرِ وَتَشْكِيلِ الهُوِيَّةِ.
فَالشَّخْصِيَّةُ الرَّئِيسِيَّةُ تَبْدُو وَكَأَنَّهَا تُعِيدُ كِتَابَةَ
ذَاتِهَا مِنْ خِلَالِ مَا تَسْتَعِيدُهُ مِنْ ذِكْرَيَاتٍ، وَمَا تَخْتَارُ أَنْ
تَنْسَاهُ. وَهُنَا تَتَحَوَّلُ الذَّاكِرَةُ إِلَى فِضَاءٍ لِلصِّرَاعِ بَيْنَ
الحَقِيقَةِ وَالتَّخْيِيلِ، بَيْنَ الوَاقِعِ وَإِعَادَةِ بِنَائِهِ سَرْدِيًّا.
وَمِنْ أَبْرَزِ مَا يُمَيِّزُ هَذَا النَّصَّ، لُغَتُهُ الشَّفَّافَةُ
الَّتِي تَمْزِجُ بَيْنَ البُعْدِ التَّأَمُّلِيِّ وَالنَّفَسِ السَّرْدِيِّ،
فَيَبْدُو الكِتَابُ كَأَنَّهُ حِوَارٌ دَاخِلِيٌّ مُسْتَمِرٌّ بَيْنَ الذَّاتِ
وَذَاكِرَتِهَا. وَهُوَ مَا يَجْعَلُ القِرَاءَةَ تَجْرِبَةً وُجُودِيَّةً
لَيْسَتْ بَعِيدَةً عَنِ القَارِئِ، بَلْ تُشْرِكُهُ فِي صِيَاغَةِ المَعْنَى.
إِنَّ «لُعْبَةَ النِّسْيَانِ» لَا تَنْفَصِلُ عَنْ سِيَاقِهَا الثَّقَافِيِّ
وَالتَّارِيخِيِّ، فَهِيَ تَعْكِسُ تَحَوُّلَاتِ المُجْتَمَعِ المَغْرِبِيِّ
وَالعَرَبِيِّ فِي فَتْرَةٍ حَاسِمَةٍ، حَيْثُ تَتَقَاطَعُ الأَسْئِلَةُ
السِّيَاسِيَّةُ مَعَ الهَوَاجِسِ الوُجُودِيَّةِ. وَمِنْ خِلَالِ هَذَا
التَّقَاطُعِ، يَسْتَطِيعُ بَرَّادَةُ أَنْ يُحَوِّلَ التَّجْرِبَةَ
الشَّخْصِيَّةَ إِلَى مِرْآةٍ لِتَجْرِبَةٍ جَمَاعِيَّةٍ أَوْسَعَ.
وَلَعَلَّ أَهَمَّ مَا تُقَدِّمُهُ الرِّوَايَةُ هُوَ هَذَا السُّؤَالُ
العَمِيقُ: هَلِ الإِنْسَانُ مَا يَتَذَكَّرُهُ أَمْ مَا يَنْسَاهُ؟ وَهَلِ
النِّسْيَانُ خِيَانَةٌ لِلذَّاكِرَةِ أَمْ ضَرُورَةٌ لِلاِسْتِمْرَارِ؟ هَذِهِ
الأَسْئِلَةُ لَا تُقَدَّمُ فِي صِيغَةٍ فَلْسَفِيَّةٍ جَافَّةٍ، بَلْ تَنْسَابُ
ضِمْنَ النَّصِّ كَمَا تَنْسَابُ الحَيَاةُ ذَاتُهَا، بِكُلِّ تَعْقِيدَاتِهَا
وَتَنَاقُضَاتِهَا.
أُسْلُوبُ بَرَّادَةَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ يَحْمِلُ بَصْمَتَهُ الخَاصَّةَ
الَّتِي تَجْمَعُ بَيْنَ النَّقْدِ وَالإِبْدَاعِ، فَهُوَ لَا يَكْتُبُ
الرِّوَايَةَ فَقَطْ، بَلْ يُفَكِّرُ فِيهَا وَهُوَ يَكْتُبُهَا. وَهُوَ مَا
يَجْعَلُ «لُعْبَةَ النِّسْيَانِ» نَصًّا وَاعِيًا بِذَاتِهِ، يُقَاوِمُ
القَوَالِبَ الجَاهِزَةَ وَيَفْتَحُ أُفُقًا جَدِيدًا لِلكِتَابَةِ
الرِّوَائِيَّةِ فِي المَغْرِبِ.
وَإِذَا كَانَتِ الرِّوَايَةُ قَدْ صَدَرَتْ فِي سِيَاقٍ زَمَنِيٍّ مُعَيَّنٍ،
فَإِنَّهَا تَظَلُّ قَابِلَةً لِقِرَاءَاتٍ مُتَجَدِّدَةٍ، لأَنَّهَا تَلْمِسُ
أَسْئِلَةً إِنْسَانِيَّةً كُونِيَّةً تَتَجَاوَزُ الحُدُودَ الزَّمَنِيَّةَ
وَالمَكَانِيَّةَ. وَهُنَا تَكْمُنُ قِيمَتُهَا الحَقِيقِيَّةُ كَعَمَلٍ أَدَبِيٍّ
يُخَاطِبُ الإِنْسَانَ فِي عُمُقِهِ.
فِي نِهَايَةِ المَطَافِ، تَبْقَى «لُعْبَةُ النِّسْيَانِ» دَعْوَةً
لِلتَّأَمُّلِ فِي ذَوَاتِنَا، وَفِي الطَّرِيقَةِ الَّتِي نُعِيدُ بِهَا
كِتَابَةَ مَاضِينَا لِنَفْهَمَ حَاضِرَنَا. إِنَّهَا رِوَايَةٌ لَا تُقْرَأُ
مَرَّةً وَاحِدَةً، بَلْ تُعَاشُ كُلَّ مَرَّةٍ بِشَكْلٍ مُخْتَلِفٍ، كَأَنَّهَا
مِرْآةٌ تُغَيِّرُ صُورَتَنَا فِي كُلِّ نَظْرَةٍ جَدِيدَةٍ.







0 التعليقات:
إرسال تعليق