1
في صباحٍ لا يشبه الصباحات، استيقظتُ على رائحة صابونٍ تخرج من جدران الغرفة، كأن الحائط يغتسل من أسراره، وكلما اقتربتُ منه رأيتُ طفولتي تنزلق في فقاعات صغيرة، تبتسم ثم تنفجر بلا صوت.
كان الصابون في جيبي يتكلم بصوتٍ خافت، يخبرني أن الأيدي التي غسلته قد نسيت أسماءها، وأن الرغوة تحفظ الوجوه أكثر من المرايا، فوضعتُه تحت لساني لأتذوق ذاكرةً نظيفة.
في الحمام القديم، كانت المرآة مغطاة برغوةٍ بيضاء، وكلما مسحتُها ظهرت مدينةٌ أخرى، شوارعها من صابون، وسكانها يمشون بلا أقدام كي لا يتركوا أثراً.
رائحة الصابون لم تكن رائحة، بل كانت باباً، وكلما فتحته دخلتُ إلى زمنٍ لا يتّسخ، حيث الكلمات لا تحتاج إلى تبرير، والدموع تسقط كقطرات ماءٍ شفافة.
ذات مساء، غسلتُ يدي طويلاً حتى اختفت، ولم يبقَ سوى الرائحة، فصرتُ كائناً من عطر، أتحرك بين الناس دون أن يروني، لكنهم كانوا يتذكرونني فجأة.
في الحلم، رأيتُ امرأةً تصنع الصابون من ذكرياتها، تخلط الحزن بالماء، وتضيف الضحك كملحٍ خفيف، ثم تترك القوالب تجف في شمسٍ لا تغيب.
الصابون الذي ورثته من جدتي كان يحمل وشوشاتٍ قديمة، كلما استعملته سمعتُ حكايات عن أيامٍ لم أعشها، لكنها كانت تعيشني.
في السوق، باعني رجلٌ قطعة صابون وقال إنها تنظف القلب، وحين استعملتها، اختفت كل كراهيتي، لكني لم أعد أتعرف على نفسي.
كانت رائحة الصابون تتبعني كظلٍ مبلل، تدخل كتبي، وتختبئ في ملابسي، حتى صار العالم كله يبدو وكأنه خرج للتو من حمامٍ طويل.
في ليلةٍ ممطرة، رأيتُ السماء تغتسل، والنجوم تذوب في رغوةٍ كونية، ثم تسقط على الأرض كذكرياتٍ لم تولد بعد.
كلما غسلتُ وجهي، تغيرت ملامحي قليلاً، حتى نسيتُ شكلي الأصلي، وصرتُ أعيش في وجوهٍ متعددة، كلها تفوح بنفس الرائحة.
الصابون الذي سقط في البحر علّم الأمواج كيف تتنفس، فصارت المياه أكثر خفة، والأسماك تحلم بأن تكون نظيفة من الداخل.
في غرفةٍ بلا نوافذ، كانت رائحة الصابون هي الضوء الوحيد، تضيء الأشياء من الداخل، وتجعل الظلال شفافة.
أدركتُ أخيراً أن الرائحة ليست للصابون، بل للزمن الذي نحاول غسله، وأن كل رغوةٍ هي محاولة فاشلة لتنظيف ما لا يُمحى.
وفي النهاية، اختفت الرائحة فجأة، كأنها لم تكن، وتركتني في عالمٍ خالٍ من النظافة، حيث كل شيءٍ صادق لأنه لم يُغسل.







0 التعليقات:
إرسال تعليق