في الرابع عشر من أبريل الماضي، أصدرت وزارة التجارة الخارجية وترقية الصادرات في الجزائر بيانًا أحدث صدمة عميقة داخل الأوساط الاقتصادية، وخاصة لدى الفاعلين في القطاع البنكي. ومنذ اللحظة الأولى، لم يكن وقع البيان عادياً، بل بدا كأنه إعلان ارتباك رسمي يكشف عن خلل بنيوي خطير في طريقة إدارة الاقتصاد الجزائري.
فاللافت في هذا القرار ليس فقط مضمونه، بل الجهة التي أصدرته. ففي جميع دول العالم، يُعدّ القطاع البنكي من اختصاص وزارة المالية، غير أن ما حدث في الجزائر يكشف عن فوضى مؤسساتية صارخة، حيث تتدخل وزارة التجارة الخارجية في صلاحيات لا تمتّ إليها بصلة. هذا الانزلاق الإداري ليس مجرد خطأ تقني، بل مؤشر على أزمة عميقة في منظومة الحكم الاقتصادي.
لقد أعلن البيان، دون تقديم أي تفاصيل أو أسماء، أن عدداً من البنوك التجارية فقدت اعتمادها لمزاولة عمليات التجارة الخارجية. وهو قرار خطير، لأن معناه ببساطة أن هذه البنوك لم تعد قادرة على تمويل عمليات الاستيراد والتصدير، أي أنها شُلّت في أهم وظائفها الحيوية. الأسوأ من ذلك أن الشركات الجزائرية وجدت نفسها فجأة أمام واقع عبثي: بنوكها لم تعد مؤهلة للتعامل الخارجي، وفي الوقت نفسه، لا يُسمح لها بتغيير البنك!
إننا أمام وضع غير مسبوق في تاريخ الاقتصاد الحديث. فالبنك، الذي يُفترض أن يكون وسيطًا مالياً يخدم الاقتصاد، تحوّل في الجزائر إلى أداة مقيدة بقرارات سياسية غامضة. أما الشركات، فقد أصبحت رهينة مزاج إداري لا يخضع لأي منطق اقتصادي سليم.
ولم يقف العبث عند هذا الحد، بل جاء في البيان أن تغيير البنك أو حتى تغيير الوكالة داخل نفس البنك يتطلب ترخيصاً من وزارة التجارة الخارجية. أي أن الدولة لا تكتفي بمراقبة النشاط الاقتصادي، بل تتدخل حتى في أدق التفاصيل البنكية الخاصة بالمؤسسات. هذا تدخل فجّ في حرية الاستثمار، ويشكل انتهاكاً صريحاً لأبسط قواعد الاقتصاد الحديث.
والأكثر إثارة للدهشة أن السلطات لم تقدم أي قائمة رسمية للبنوك المعنية بسحب الاعتماد، ما جعل الفاعلين الاقتصاديين يعيشون حالة من الضبابية والقلق. كيف يمكن لشركة أن تخطط لنشاطها في ظل غياب المعلومة؟ وكيف يمكن للمستثمر أن يثق في بيئة لا تحترم الحد الأدنى من الشفافية؟
إن هذا الغموض ليس بريئاً، بل يعكس نمطاً من الحكم قائمًا على التعتيم وتغييب المحاسبة. فبدلاً من أن تخرج بنك الجزائر أو وزارة المالية لتوضيح الأسباب، تُترك الساحة لبيانات مبتورة تثير أكثر مما تفسر.
تدّعي السلطات أن هذه الإجراءات تأتي في إطار ضبط الواردات وحماية احتياطات العملة الصعبة، لكن الحقيقة أن هذا التبرير يخفي فشلاً أعمق. فالأزمة الحقيقية تكمن في تراجع عائدات النفط والغاز، ما أدى إلى تقلص احتياطي النقد الأجنبي. وبدلاً من البحث عن حلول هيكلية، اختارت السلطة أسهل الطرق: خنق الاقتصاد الداخلي.
لقد تحولت الجزائر، وفق هذا النهج، إلى اقتصاد موجَّه بشكل مفرط، حيث تتحكم الدولة في كل شيء: من الاستيراد إلى التمويل، ومن اختيار البنك إلى تحديد الشركاء. هذا النموذج لا ينتج سوى الركود، لأنه يقضي على روح المبادرة ويخيف المستثمرين.
ومن المفارقات المؤلمة أن الدولة، وهي تدّعي حماية الاقتصاد، تقوم في الواقع بتدمير أدواته الأساسية. فالبنوك الأجنبية العاملة في الجزائر، التي كان يُفترض أن تجلب الخبرة والسيولة، أصبحت اليوم مهددة وغير قادرة على أداء دورها. أما المستثمر الأجنبي، فكيف يمكن أن يغامر بأمواله في بيئة قد تُسحب فيها التراخيص فجأة دون تفسير؟
إن ما يحدث ليس مجرد سوء تدبير، بل سياسة ممنهجة تُقوّض الثقة في الاقتصاد الوطني. فالثقة هي أساس أي نظام اقتصادي، وعندما تنهار، ينهار معها كل شيء: الاستثمار، الإنتاج، وحتى الاستقرار الاجتماعي.
ولعل أخطر ما في الأمر هو أن هذه القرارات تُتخذ دون نقاش عام أو رقابة برلمانية حقيقية. أين هي النخب الاقتصادية؟ أين هو الإعلام؟ كيف يُترك مصير آلاف الشركات والعمال رهينة قرارات فوقية لا تخضع لأي مساءلة؟
إن السلطات الجزائرية، بدل أن تواجه التحديات بشجاعة وإصلاحات حقيقية، اختارت طريق الانغلاق والتشدد، وهو طريق أثبت فشله في كل التجارب التاريخية. فاقتصاد لا يثق في نفسه، ولا يثق في مواطنيه، ولا يفتح أبوابه للعالم، هو اقتصاد محكوم عليه بالتراجع.
في النهاية، يمكن القول إن ما جرى منذ 14 أبريل ليس مجرد حادثة عابرة، بل لحظة كاشفة عن طبيعة نظام اقتصادي يعاني من أزمة عميقة في الرؤية والإدارة. وإذا استمرت هذه السياسات، فإن الثمن لن تدفعه البنوك فقط، بل سيدفعه الشعب الجزائري بأكمله، في شكل بطالة وتضخم وتراجع في مستوى المعيشة.
إن النقد هنا ليس من باب التشفي، بل من باب التحذير. فالأمم لا تنهار فجأة، بل تتآكل تدريجياً تحت وطأة قرارات خاطئة. وما يحدث اليوم في الجزائر هو أحد تلك المؤشرات التي تستدعي وقفة تأمل جادة قبل فوات الأوان.








0 التعليقات:
إرسال تعليق