الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، أبريل 19، 2026

السرد الخوارزمي وتمثيل التنوّع العصبي في الصحافة الرقمية: ترجمة عبده حقي

 


لم يعد السرد مجرد حكاية تُروى، بل أصبح بنية تُبنى داخل خوارزميات معقدة، تُغذّى ببيانات ضخمة تتشابك فيها الأصوات، وتتماوج فيها الهويات. هذا التحول لا يقتصر على الشكل التقني فحسب، بل يمتد إلى عمق السؤال الإنساني ذاته: من يروي القصة؟ وكيف يتم تمثيل الاختلاف داخل منظومات رقمية تميل بطبيعتها إلى التوحيد والتصنيف؟ في هذا السياق، يبرز مفهوم السرد الخوارزمي بوصفه أفقًا جديدًا لإعادة التفكير في تمثيل التنوّع العصبي داخل الصحافة الرقمية، حيث تتقاطع علوم البيانات مع دراسات الإعلام، وتلتقي البرمجة مع الفلسفة.

لقد أشار الباحث Lev Manovich في كتابه The Language of New Media إلى أن الوسائط الرقمية لا تعيد إنتاج الواقع فحسب، بل تعيد تشكيله وفق منطق برمجي، حيث تتحول السرديات إلى وحدات قابلة للمعالجة والتوليد. وفي هذا الإطار، يصبح السرد الخوارزمي أشبه بآلة موسيقية، لا تعزف لحنًا واحدًا، بل تولّد تنويعات لا نهائية من الحكايات، اعتمادًا على مدخلات البيانات. غير أن هذا التعدد الظاهري قد يخفي خلفه انحيازات بنيوية، خاصة في ما يتعلق بتمثيل الفئات المهمشة، مثل الأفراد ذوي التنوّع العصبي.

يشير مفهوم التنوّع العصبي، الذي صاغته Judy Singer في تسعينيات القرن الماضي، إلى الاعتراف بالاختلافات العصبية كجزء طبيعي من التنوع البشري، وليس كحالات مرضية تستوجب التصحيح. غير أن هذا التصور الإنساني يصطدم أحيانًا بمنطق الخوارزميات، التي تميل إلى النمذجة والتبسيط، فتُعيد إنتاج الصور النمطية بدل تفكيكها. وهنا تبرز إشكالية جوهرية: هل يمكن للصحافة الرقمية، المدعومة بالخوارزميات، أن تمثل التنوّع العصبي بصدق، أم أنها تعيد اختزاله في قوالب جاهزة؟

في دراسة حديثة نشرتها Columbia Journalism Review، تم تحليل عدد من المنصات الإخبارية الرقمية التي تستخدم الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى، وتبيّن أن معظمها يعتمد على قواعد بيانات محدودة في تمثيل الحالات العصبية المختلفة، مما يؤدي إلى تكرار نفس النماذج السردية، وكأنها مرآة تعكس صورة واحدة بوجوه متعددة. هذا التكرار لا يقتصر على اللغة، بل يمتد إلى بنية القصة، حيث يتم تقديم الشخصيات ذات التنوّع العصبي إما كأبطال خارقين أو كضحايا، دون مساحة للتمثيل الواقعي المركّب.

من جهة أخرى، يفتح السرد الخوارزمي إمكانيات جديدة لتجاوز هذه الإشكالات، إذا ما تم تصميمه بوعي نقدي. فبفضل تقنيات التعلم الآلي، يمكن تدريب النماذج على مجموعات بيانات متنوعة، تشمل أصواتًا وتجارب مختلفة، مما يسمح بتوليد سرديات أكثر شمولًا. وقد أظهرت تجارب في مختبرات MIT Media Lab أن استخدام بيانات متعددة الثقافات والخلفيات يمكن أن يُنتج نصوصًا أكثر حساسية تجاه الاختلاف، وأقل ميلًا إلى التعميم.

غير أن هذه الإمكانيات التقنية لا تكفي وحدها، ما لم تُرافقها إرادة تحريرية واعية. فالصحافة الرقمية ليست مجرد منصة لنشر المحتوى، بل هي فضاء لإنتاج المعنى، حيث تتداخل السلطة المعرفية مع السلطة التقنية. وفي هذا السياق، يصبح السؤال الأخلاقي حاضرًا بقوة: من يختار البيانات؟ ومن يحدد المعايير؟ وهل يمكن للخوارزمية أن تكون محايدة في عالم غير متكافئ؟

إن استحضار أعمال Shoshana Zuboff، خاصة كتابها The Age of Surveillance Capitalism، يسلّط الضوء على البُعد الاقتصادي لهذه الإشكالية، حيث تُستخدم البيانات ليس فقط لإنتاج المحتوى، بل أيضًا لتوجيهه وفق مصالح السوق. وفي هذا الإطار، قد يتم تهميش السرديات غير “المربحة”، بما في ذلك تلك التي تمثل التنوّع العصبي، لصالح محتوى أكثر جذبًا للجمهور العام، حتى وإن كان ذلك على حساب الدقة والعمق.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال المشهد في ثنائية التشاؤم والتفاؤل. فالسرد الخوارزمي، مثل أي أداة، يحمل في طياته إمكانيات متناقضة، تتحدد وفق طريقة استخدامه. وإذا كانت الخوارزميات قد ساهمت في تكريس بعض الصور النمطية، فإنها تملك أيضًا القدرة على تفكيكها، شرط أن يتم توجيهها نحو هذا الهدف. وهنا يبرز دور الصحفيين والباحثين في إعادة تصميم السرديات الرقمية، بحيث تعكس تنوع التجربة الإنسانية، بدل اختزالها.

إن تمثيل التنوّع العصبي في الصحافة الرقمية ليس مجرد قضية تقنية، بل هو اختبار حقيقي لقدرة الإعلام على مواكبة التحولات الاجتماعية والثقافية. فكما أن اللغة تتطور لتستوعب مفاهيم جديدة، يجب أن تتطور الخوارزميات لتستوعب أشكالًا جديدة من الوعي. وفي هذا السياق، يمكن تشبيه السرد الخوارزمي بنهر رقمي، تتدفق فيه البيانات كما تتدفق المياه، لكن نقاءه أو عكره يتوقف على ما نُضيفه إليه من مصادر.

ختامًا، يمكن القول إن مستقبل السرد في العصر الرقمي يتوقف على قدرتنا على تحقيق توازن دقيق بين التقنية والإنسان، بين الخوارزمية والضمير. وإذا كانت الصحافة الرقمية تسعى إلى أن تكون مرآة للمجتمع، فإن عليها أن تعكس جميع وجوهه، بما في ذلك تلك التي لا تُرى بسهولة. فالتنوّع العصبي ليس هامشًا، بل هو جزء من نسيج إنساني غني، يستحق أن يُروى، لا بصوت واحد، بل بأصوات متعددة، تتناغم كما تتناغم الآلات في سمفونية لا تنتهي.


0 التعليقات: